جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

مقابر الـVIP تغزو السوق.. مدافن فخمة لرفاهية ما بعد الموت

الديار -

لم تعد أزمة المقابر في مصر مجرد قضية ترتبط بالدفن أو توفير أماكن لدفن الموتى، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملف اقتصادي واجتماعي معقد يعكس حجم التحولات التي أصابت سوق العقارات وأنماط الاستهلاك في المجتمع.

ومع الزيادة السكانية المتسارعة، وارتفاع أسعار الأراضي، واتساع المدن الجديدة، دخلت المقابر بدورها دائرة الاستثمار والمضاربة، لتتحول من ضرورة إنسانية إلى سلعة عقارية تُباع وتُشترى بأسعار تتجاوز في بعض الأحيان تكلفة وحدات سكنية كاملة.

وخلال الفترة الأخيرة، أثارت الإعلانات الخاصة بالمقابر الفاخرة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بدأت بعض الشركات في تسويق المدافن بنفس أسلوب تسويق المنتجعات السياحية والكمبوندات السكنية، مع التركيز على عناصر الرفاهية والتشطيبات والخدمات، في مشهد اعتبره كثيرون انعكاساً لتحول غير مسبوق في طبيعة هذا القطاع.

المقابر تدخل عصر “الكومباوندات”

عبارات مثل “تصميم عالمي”، و”بارك خاص للسيارات”، و”خدمات متكاملة للزوار”، لم تعد مقتصرة على الإعلانات العقارية الخاصة بالمشروعات السكنية، بل أصبحت حاضرة بقوة في سوق المقابر.

ففي عدد من المشروعات الجديدة، خاصة على الطرق المؤدية إلى المدن العمرانية الحديثة، يجري تقديم المقبرة باعتبارها مشروعاً متكاملاً يوفر بيئة منظمة وخدمات متنوعة لأسر المتوفين والزائرين.

وتعتمد هذه المشروعات على طابع معماري مستوحى من الزخارف الإسلامية والأعمال الحجرية الفاخرة، مع إنشاء شوارع ممهدة بالإنترلوك، ومساجد ملحقة، ودور مناسبات مجهزة لاستقبال العزاء، إلى جانب أماكن انتظار سيارات داخلية بهدف توفير الخصوصية وتقليل الزحام أثناء مراسم الدفن والعزاء.

ولم يعد الاختلاف بين المقابر يقتصر على الموقع أو المساحة فقط، بل امتد إلى مستوى التشطيبات والخدمات الإدارية والصيانة الدورية، ما أدى إلى ظهور فئة جديدة تُعرف بالمقابر الفاخرة أو مدافن الـVIP، والتي باتت تستهدف شريحة محددة من القادرين على تحمل تكاليف مرتفعة مقابل مستوى أعلى من التنظيم والخدمات.

سوق تحكمه قواعد العرض والطلب

التحولات التي يشهدها هذا القطاع ترتبط بشكل مباشر بواقع السوق العقارية في مصر. فمع محدودية الأراضي المخصصة للمقابر داخل القاهرة الكبرى، وارتفاع الكثافات السكانية، أصبح الطلب على المدافن أكبر بكثير من المعروض المتاح، ما أدى إلى ارتفاعات سعرية متتالية خلال السنوات الأخيرة.

وتتنوع مساحات المقابر المطروحة حالياً بين 20 و120 متراً مربعاً، إلا أن الأسعار شهدت قفزات كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

ففي بعض المناطق داخل القاهرة الكبرى، تجاوز سعر المدفن الصغير نصف مليون جنيه، بينما ارتفعت الأسعار في بعض المدن الجديدة والمشروعات الخاصة إلى أرقام تقترب من عدة ملايين من الجنيهات، خاصة للمساحات الكبيرة أو المقابر ذات الخدمات الفاخرة.

ويرى متخصصون أن جزءاً من الأزمة يعود إلى اتساع السوق غير الرسمية، حيث يتم إعادة بيع مقابر حصل أصحابها عليها من الدولة بأسعار منخفضة، ثم إعادة طرحها بأسعار مضاعفة عبر السماسرة، ما ساهم في خلق موجة من المضاربة ورفع الأسعار بصورة متسارعة.

“رفاهية ما بعد الموت”

مع اشتداد المنافسة بين الشركات العاملة في هذا المجال، بدأ التركيز على تقديم خدمات إضافية تمنح المقابر طابعاً أكثر فخامة.

وتشمل هذه الخدمات استخدام الرخام الطبيعي في التشطيبات، وتصميم مداخل فاخرة، وتوفير قاعات استقبال مجهزة، وخدمات صيانة ونظافة مستمرة.

كما ظهرت عروض تسويقية تعتمد على الخصومات وأنظمة السداد والتقسيط، تماماً كما يحدث في سوق العقارات السكنية.

بعض الشركات باتت تروج للمقابر باعتبارها “استثماراً طويل الأجل” أو “أصلاً عقارياً مضمون القيمة”، وهو ما أثار انتقادات واسعة اعتبرت أن فكرة تحويل المقبرة إلى أداة استثمارية تتعارض مع طبيعتها الإنسانية والدينية.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تغيراً أوسع في الثقافة الاستهلاكية، حيث أصبحت المظاهر الاجتماعية حاضرة حتى في تفاصيل ترتبط بالموت، مع سعي بعض الأسر إلى اقتناء مقابر في مناطق مميزة أو بمواصفات فاخرة باعتبارها امتداداً للمكانة الاجتماعية.

صناعة الموت.. أرقام تتصاعد عالمياً

لا يقتصر نمو هذا القطاع على مصر فقط، بل تشير تقديرات اقتصادية عالمية إلى اتساع ما يعرف بـ”صناعة الموت”، والتي تشمل خدمات الدفن والتجهيز والعزاء وإدارة المقابر.

ووفق تقديرات حديثة، بلغت قيمة هذه الصناعة عالمياً نحو 126 مليار دولار خلال عام 2024، مع توقعات بمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة مدفوعة بارتفاع أعداد كبار السن وزيادة الطلب على خدمات الدفن المنظمة.

وفي مصر، تطور القطاع بشكل ملحوظ ليشمل منظومة متكاملة تبدأ من تجهيز ونقل المتوفى، مروراً بخدمات تنظيم العزاء، وطباعة المواد الدينية، وصولاً إلى إنشاء المقابر وإدارتها، وهو ما فتح الباب أمام شركات واستثمارات جديدة تبحث عن عوائد مرتفعة داخل سوق يشهد طلباً دائماً ومتزايداً.

محاولات حكومية للسيطرة على الأزمة

أمام تصاعد الأسعار وتزايد شكاوى المواطنين، بدأت الحكومة المصرية في التوسع بطرح أراضٍ جديدة مخصصة للمقابر في شرق وغرب القاهرة الكبرى وعدد من المدن الجديدة، في محاولة لتقليل الفجوة بين العرض والطلب.

وتعمل الجهات المختصة على تنظيم عمليات التخصيص من خلال المحليات وهيئة المجتمعات العمرانية، مع تطبيق نظام حق الانتفاع بدلاً من التمليك الكامل، بهدف الحد من عمليات إعادة البيع والمضاربة. كما جرى وضع شروط تتعلق بالإقامة أو امتلاك وحدة سكنية داخل المدينة التي يتم التقدم للحصول على مدفن بها.

وفي إطار خطط إعادة تنظيم المناطق العمرانية، تستهدف الدولة نقل عدد من المقابر القديمة إلى مواقع جديدة خارج الكتل السكنية، ضمن رؤية أوسع لإعادة تخطيط استخدامات الأراضي داخل المدن وتقليل الضغط العمراني.

بين الضرورة الإنسانية والاستثمار العقاري

ورغم محاولات تنظيم السوق، لا تزال أسعار المقابر تمثل عبئاً ثقيلاً على كثير من الأسر المصرية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وبينما يرى البعض أن ارتفاع الأسعار نتيجة طبيعية لزيادة الطلب ونقص الأراضي، يعتبر آخرون أن ما يحدث يعكس تحول المقابر إلى نشاط استثماري يخضع لمنطق الربح والمضاربة أكثر من ارتباطه بالخدمة الإنسانية.

وفي ظل استمرار التوسع العمراني والزيادة السكانية، تبدو أزمة المقابر مرشحة لمزيد من التعقيد خلال السنوات المقبلة، ما لم يتم التوسع في إنشاء مدافن جديدة بأسعار مناسبة، ووضع ضوابط أكثر صرامة لمنع المتاجرة في هذا القطاع الذي يرتبط في النهاية بحق إنساني أساسي لا يحتمل المبالغة أو الاستغلال.