فنزويلا وغيانا أمام محكمة العدل الدولية في معركة بين استقرار الحدود وإرث الاستعمار وثقل النفط
في محكمة العدل الدولية في لاهاي، اختتمت أمس جلسات الاستماع الشفوية في النزاع الحدودي بين غيانا وفنزويلا حول إقليم إيسيكيبو، بعد أسبوع من المرافعات التي لم تقتصر على الطابع القانوني الصرف، بل امتدت إلى سرديات تاريخية ورؤى سياسية متعارضة حول شرعية الحدود ومعنى السيادة في أمريكا اللاتينية.
القضية، التي تعود جذورها إلى حكم تحكيم صدر عام 1899، عادت إلى الواجهة في سياق مختلف جذريا، إذ لم يعد الأمر مجرد ترسيم حدود بين مستعمرات سابقة، بل نزاع على إقليم غني بالنفط والغاز، ما جعل الجغرافيا تتحول إلى اقتصاد، والقانون إلى ساحة اختبار سياسي وقانوني معقد.
في قلب الجلسات، حضرت الرئيسة الفنزويلية ديلسي رودريغيز إلى لاهاي لتقديم مرافعة مباشرة أمام القضاة، في خطوة نادرة على مستوى تمثيل القيادات التنفيذية أمام المحكمة. وأكدت رودريغيز أن فنزويلا تعتبر إقليم إيسيكيبو جزءا من سيادتها التاريخية، وأن النزاع لا يمكن حسمه عبر حكم قضائي نهائي فقط، بل يجب أن يبقى ضمن مسار تفاوضي مباشر بين الطرفين.
لكن خلف هذا الموقف السياسي، حملت المرافعة بعدا تاريخيا أعمق. فقد شددت رودريغيز على أن حكم 1899 صدر في سياق استعماري غير متكافئ، حين كانت غيانا خاضعة للسيطرة البريطانية كـ“غيانا البريطانية”، بينما كانت فنزويلا قد خرجت حديثا من الاستعمار الإسباني، معتبرة أن هذا التفاوت في موازين القوة انعكس على ترسيم الحدود. كما أكدت أن اتفاق جنيف لعام 1966 أعاد فتح النزاع، ما يجعل، من وجهة نظر كاراكاس، الحل السياسي هو الإطار الأنسب للتسوية.
وفي السياق ذاته، قدم الأستاذ مكاني مويز مبينغي، أستاذ القانون الدولي بجامعة جنيف ورئيس الجمعية الإفريقية للقانون الدولي في باريس، مرافعة نقدية واسعة، وصف فيها حكم 1899 بأنه “ثمرة مسمومة لشجرة مسمومة”، في إشارة إلى أن التحكيم جرى ضمن سياق استعماري غير متوازن، تأثرت فيه آليات القانون الدولي بميزان القوة السياسي في تلك المرحلة.
في المقابل، قدم فريق غيانا القانوني دفاعا يرتكز على مبدأ استقرار الحدود. حيث أكد المحامي الدولي بول إس رايخلر أن القضية لا تتعلق بإعادة كتابة التاريخ، بل باحترام التزامات قانونية مستقرة منذ أكثر من قرن، مشددا على أن حكم 1899 ظل مطبقا ومعترفا به لعقود طويلة، وأن فنزويلا لم تطعن فيه إلا بعد مرور زمن طويل من استقرار الحدود فعليا.
أما المحامي الفرنسي الدولي البروفيسور ألان بيليه، فذهب إلى أن الحكم التحكيمي كان نهائيا وملزما وفق قواعد القانون الدولي في زمانه، وأن اتفاق جنيف لعام 1966 لم يلغ الحكم، بل أقر فقط بوجود خلاف سياسي بين الطرفين دون المساس بالحدود القانونية القائمة، محذرا من أن إعادة فتح أحكام تاريخية مستقرة قد يهدد أحد أهم ركائز النظام الدولي: ثبات الحدود.
هذا السجال يعكس قراءة أوسع تتجاوز الإطار القانوني، إذ تطرح القضية سؤالا مركزيا حول طبيعة القانون الدولي نفسه: هل هو منظومة مستقرة ومحايدة، أم أنه ما زال يحمل آثار البنية الاستعمارية التي نشأ في ظلها؟
في خلفية المشهد، يبرز إقليم إيسيكيبو كعنصر حاسم في تعقيد النزاع. فالإقليم الذي يمثل نحو ثلثي مساحة غيانا الحالية، أصبح خلال العقد الأخير محور اهتمام عالمي بعد اكتشاف احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، ما حول القضية من نزاع تاريخي مجمد إلى ملف سيادي واقتصادي شديد الحساسية.
وتسيطر غيانا فعليا على الإقليم وتديره إداريا وقانونيا، بينما تواصل فنزويلا المطالبة به دون سيطرة ميدانية، ما يبقي النزاع في إطاره القانوني والسياسي دون تغيير على الأرض.
وتعود الجذور التاريخية للنزاع إلى فترة كانت فيها المنطقة تحت الإدارة البريطانية ضمن “غيانا البريطانية”، بينما كانت فنزويلا قد خرجت حديثا من الاستعمار الإسباني، وهو ما جعل ترسيم الحدود يتم داخل سياق استعماري معقد انتهى بحكم 1899 الذي منح أغلب الإقليم لغيانا البريطانية.
ومع انتهاء المرافعات الشفوية، تدخل القضية الآن مرحلة المداولات داخل محكمة العدل الدولية، في انتظار حكم نهائي وملزم خلال الأشهر المقبلة، في قرار يُنتظر أن يكون من أكثر الأحكام تأثيرا في قضايا الحدود الحديثة، لما قد يحمله من تداعيات على مبدأ استقرار الحدود في النظام الدولي.

