جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

معهد البحار وأكاديمية البحث العلمي يبحثان أمن مصر المائي وتطبيقات الاقتصاد الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة

أحمد عبد الحليم -

في عالم تتسارع فيه التحديات المناخية وتتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، أصبحت قضايا المياه والأمن الغذائي والطاقة النظيفة في قلب معادلات الاستقرار والتنمية. ولم تعد إدارة الموارد المائية مجرد قضية خدمية أو بيئية، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يرتبط بمستقبل الدول وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز جودة الحياة للأجيال القادمة.

ومن هذا المنطلق، يبرز الدور المحوري للبحث العلمي باعتباره الأداة القادرة على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية واقتصادية قائمة على الابتكار والتكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الأخضر، في إطار رؤية وطنية تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استدامة وكفاءة.

انطلاق الملتقى العلمي

انطلاق فاعليات المُلتقى العلمي الثاني لشعبة المياه العذبة والبحيرات، تحت عنوان "المياه العذبة والبحيرات في جمهورية مصر العربية: الأمن المائي وتوظيف الموارد المائية في خدمة المجتمع".

تحت رعاية السيدة الأستاذ الدكتور عبير أحمد منير – رئيس المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، وبالتعاون مع السيد الأستاذ الدكتور ممدوح معوض – رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وإشراف الأستاذة الدكتورة هويدا حسان عبد الهادي – رئيس شعبة المياه العذبة والبحيرات بالمعهد، أُقيم يوم الأربعاء الموافق 13 مايو 2026 الملتقى العلمي الثاني لشعبة المياه العذبة والبحيرات، وذلك في إطار توجهات الدولة المصرية نحو تعزيز الأمن المائي وتحقيق التنمية المستدامة، وبمشاركة نخبة من العلماء والخبراء والقيادات التنفيذية وممثلي الجهات البحثية والتنموية المعنية بقضايا المياه والبيئة والاقتصاد الأخضر.

تكامل المؤسسات الوطنية

شهد المُلتقى حضور ممثلي الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية التابعة للقوات المسلحة، إلى جانب نخبة من ممثلي المراكز البحثية والعلمية، شملت المركز القومي للبحوث، ومعهد بحوث التناسليات الحيوانية، ومركز بحوث المياه، ومركز بحوث الري، ومركز البحوث الزراعية، وهيئة المواد النووية، بالإضافة إلى ممثلي الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، وعدد من الجامعات والجهات التنفيذية، وممثلي وسائل الإعلام، في مشهد عكس التكامل بين المؤسسات البحثية والتنفيذية والإعلامية لدعم قضايا الأمن المائي والتنمية المستدامة، وتجسيد رؤية الدولة في تعزيز التعاون بين البحث العلمي ومؤسسات التنمية والإنتاج.

الجلسات العلمية

استهلت أعمال الملتقى بكلمة افتتاحية للسيدة الأستاذ الدكتورة هويدا حسان عبد الهادي – رئيس شعبة المياه العذبة والبحيرات، رحبت خلالها بالسادة الحضور، مؤكدة أهمية الملتقى باعتباره منصة علمية متخصصة لتبادل الخبرات والرؤى البحثية وتعزيز التعاون بين الجهات البحثية والتنفيذية، بما يسهم في تحقيق أهداف الملتقى نحو أمن مائي مستدام وموارد مائية في خدمة المجتمع، ودعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة للأمن المائي والغذائي.

كما توجهت الدكتورة هويدا، بالشكر إلى السيدة الأستاذ الدكتورة عبير أحمد منير – رئيس المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، تقديراً لدعمها المستمر لأنشطة الشعبة وحرصها على تعزيز الدور الريادي للمعهد في مجالات المياه والبيئة، وإلى السيد الأستاذ الدكتور ممدوح معوض – رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، لدعمه الفعاليات العلمية والبحثية التي تخدم قضايا الأمن المائي والتنمية والاقتصاد الأخضر.

الكوادر البحثية

أعربت السيدة الأستاذ الدكتورة هويدا حسان عبد الهادي عن خالص تقديرها للقائمين على تنظيم الملتقى من المحاضرين ورؤساء الجلسات والمنظمين، مُثمنة جهودهم المتميزة في إظهار شعبة المياه العذبة والبحيرات بصورة مشرفة تعكس مكانتها العلمية والبحثية، وهم: الأستاذ الدكتور عادل علي أحمد، الأستاذ الدكتور شوقي سبع، الأستاذ الدكتورة نهاد خليفة، الأستاذ الدكتور محمد الشريف، الأستاذ الدكتور محمد حسن عبده، الأستاذ الدكتور عفيفي دردير، الدكتور سليم مدبولي، الدكتور عمرو الشامي، الدكتورة شيماء صبري زاهر، الدكتور عمرو هلال، الدكتور ناصر فليفل، الدكتورة نهى إمام، الدكتورة غادة صلاح، الدكتورة ماجدة مختار، الدكتور إيهاب شاور، الدكتور أحمد صبحي، والأستاذ محمد كرم.

رؤية تنموية متكاملة

أكدت السيدة الأستاذ الدكتورة هويدا حسان عبد الهادي أن هذا الملتقى يأتي انطلاقاً من الدور العلمي والوطني الذي تضطلع به الشعبة في حماية وإدارة النظم البيئية المائية، ودعم توجه الدولة نحو الإدارة المستدامة للموارد المائية، و ربط البحث العلمي بالتطبيقات الصناعية والتنموية بما يخدم الأمنين المائي والغذائي. وأشارت إلى أن الشعبة تعمل وفق رؤية متكاملة ترتكز على الرصد البيئي الدقيق، وتوظيف التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الأخضر، وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية والطحالب في مجالات الغذاء والطاقة والدواء ومعالجة المياه.

وأضافت الدكتورة هويدا، أن الشعبة تسعى إلى تحويل التحديات البيئية المرتبطة بالمياه إلى فرص تنموية واقتصادية مستدامة، من خلال تطوير تطبيقات ابتكارية قائمة على التكنولوجيا الحيوية والصناعات الخضراء، بما يعزز القيمة المضافة للموارد المائية المصرية، مؤكدة كذلك حرص الشعبة على دعم الربط بين البحث العلمي والصناعة عبر تقديم نماذج تطبيقية قابلة للتنفيذ في مجالات معالجة المياه، والطاقة الحيوية، والأغذية الوظيفية، والأعلاف والأسمدة الحيوية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

إدارة الموارد العذبة

تضمن الملتقى عدداً من الجلسات العلمية المُتخصصة، حيث جاءت الجلسة الأولى تحت عنوان "الأمن المائي وإدارة الموارد المائية العذبة"، و ناقشت التحديات الراهنة التي تواجه المسطحات المائية المصرية، مع استعراض مجموعة من الرؤى العلمية والتطبيقية لإدارة البحيرات ونهر النيل وفق أسس الاستدامة البيئية وتعظيم الاستفادة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، استعرض الأستاذ الدكتور محمد الشريف الأبعاد الاستراتيجية لبحيرة ناصر باعتبارها مخزوناً قومياً للأمن المائي المصري، مع تحليل التأثيرات البيئية والتشغيلية المرتبطة بسد النهضة والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة، مؤكداً أهمية الإدارة المتكاملة للبحيرة وتطوير نظم الرصد والنمذجة البيئية لضمان استدامة الموارد المائية والحفاظ على التوازن البيئي والإنتاج السمكي.

كما تناول الأستاذ الدكتور عادل علي أحمد الوضع البيئي الراهن لبحيرة قارون والتحديات المُرتبطة بالتلوث والصرف، مع طرح رؤية تنموية متكاملة لإعادة تأهيل البحيرة اقتصادياً وبيئياً، إلى جانب استعراض فرص التحول نحو الاستزراع البحري، وتنمية الصناعات القائمة على استخلاص الأملاح، وتعزيز دور المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد كبيت خبرة علمي لإعادة بناء النظام البيئي للبحيرة.

وسلط الدكتور سليم محمود مدبولي، الضوء على تأثير المصارف الزراعية والصحية والصناعية على جودة مياه نهر النيل، والتحديات البيئية المرتبطة باستدامة المورد المائي الأهم في مصر، مؤكداً ضرورة التوسع في معالجة مياه الصرف، وتطبيق التشريعات البيئية بصرامة، ودعم نظم الرصد الحديثة والإدارة المستدامة للموارد المائية.

فيما استعرض الدكتور عمرو صلاح الشامي، جهود الدولة في تطوير البحيرات الشمالية وآليات استعادة كفاءتها البيئية والإنتاجية بما يدعم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، كما ناقش أهمية الدراسات البيئية المُتخصصة، وإنشاء قواعد بيانات متكاملة، و تشديد الرقابة على مصادر التلوث والأنشطة المخالفة للحفاظ على النظم البيئية للبحيرات.

توظيف تكنولوجيا الطحالب

ركزت الجلسة الثانية، التي جاءت تحت عنوان "توظيف الموارد المائية والطحالب في خدمة المجتمع"، على التطبيقات الحديثة للطحالب والتقنيات الحيوية باعتبارها أحد المحاور الواعدة لدعم الاقتصاد الأخضر وتحقيق التكامل بين الأمن المائي والغذائي والطاقة المستدامة.

وفي هذا الإطار، استعرضت الدكتورة شيماء صبري زاهر، التطبيقات الحديثة للطحالب الدقيقة في إنتاج البلاستيك الحيوي القابل للتحلل باعتباره بديلاً مستداماً وصديقاً للبيئة للبلاستيك التقليدي، مؤكدة أهمية التوسع في الصناعات الحيوية القائمة على الطحالب ودعم دمجها ضمن منظومة الاقتصاد الدائري وتقليل التلوث البيئي.

كما تناول الدكتور عمرو هلال، دور الطحالب كمصدر بروتيني مستدام للأعلاف الحيوانية، وإسهامها في تحسين كفاءة الإنتاج الحيواني وتقليل الضغط على الموارد المائية التقليدية، مستعرضاً أهمية دمج تقنيات الطحالب في منظومات الأمن الغذائي والطاقة الخضراء بما يدعم الاستدامة البيئية والاقتصادية.

معرض التطبيقات الابتكارية

شهد الملتقى تنظيم معرض علمي للمخرجات البحثية والتطبيقات الابتكارية لشعبة المياه العذبة والبحيرات، في صورة عكست جهود الشعبة في تحويل الأبحاث العلمية إلى منتجات تطبيقية تدعم الصناعة والاقتصاد الأخضر وخدمة المجتمع. وقد ضم المعرض عدداً من النماذج البحثية والمنتجات الحيوية والتكنولوجية التي تستهدف دعم الأمن المائي والغذائي والطاقة المستدامة، إلى جانب تطبيقات معالجة المياه والأغذية الوظيفية والمنتجات الحيوية المستخلصة من الطحالب.

وقدمت الدكتورة شيماء صبري زاهر، نماذج تطبيقية للبلاستيك الحيوي القابل للتحلل المستخلص من الطحالب الدقيقة باعتباره أحد البدائل البيئية الواعدة للبلاستيك التقليدي، كما استعرضت الإمكانات الاقتصادية والصناعية للمنتج ودوره في الحد من التلوث البلاستيكي ودعم توجهات الاقتصاد الأخضر.

واستعرض الدكتور عمرو هلال، نماذج تطبيقية للأعلاف والأسمدة الحيوية والبيوديزل المستخلص من الطحالب باعتبارها منتجات حيوية مستدامة تدعم الأمن الغذائي والطاقة النظيفة، موضحاً دور هذه التطبيقات في تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الحيوية وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية مرتفعة التكلفة.

كما قدم الدكتور عمرو صلاح الشامي، نموذجاً مبتكراً لمعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصناعي باستخدام تقنيات الترشيح النانوي والمواد النانوية الصديقة للبيئة، حيث أكدت النتائج التطبيقية قدرة النظام على خفض استهلاك المياه والطاقة وتقليل التكاليف التشغيلية مع إمكانية تشغيله بالطاقة الشمسية.

واستعرض الدكتور ناصر فليفل، مجموعة من المنتجات الغذائية والدوائية الحيوية المستخلصة من الطحالب، شملت الأغذية الوظيفية ومنتجات الفايكوسيانين والجل الحيوي المساعد على التئام الجروح، إلى جانب عرض الإمكانات الصحية والتطبيقية لهذه المنتجات وفرص تحويلها إلى تطبيقات صناعية وتجارية تخدم القطاعين الطبي والغذائي.

توصيات التنمية المستدامة

اختُتمت فعاليات المُلتقى بعرض أبرز النتائج والتوصيات العلمية التي أكدت أهمية التكامل بين المؤسسات البحثية والجهات التنفيذية لدعم الإدارة المستدامة للموارد المائية والبحيرات المصرية.

وشددت التوصيات على ضرورة تعزيز برامج الرصد البيئي، والتوسع في تطبيقات التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الأخضر، ودعم نقل مخرجات البحث العلمي إلى التطبيق الصناعي والمجتمعي بما يحقق الأمن المائي والغذائي ويدعم أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية.

وفي ختام المُلتقى، تم تكريم المُتميزين من كوادر شعبة المياه العذبة والبحيرات تقديراً لجهودهم البارزة في دعم أنشطة الشعبة ومساهماتهم الفعالة في تحقيق أهدافها العلمية والوطنية.

الرؤية المستقبلية

يعكس هذا المُلتقى نموذجاً مُتقدماً لكيفية توظيف البحث العلمي في مواجهة التحديات البيئية والتنموية التي يشهدها العالم المعاصر، ويؤكد أن حماية الموارد المائية لم تعد مسئولية بيئية فحسب، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار المجتمعي. ومن خلال ما طُرح من رؤى علمية وتطبيقات ابتكارية، يتضح أن مصر تمتلك كوادر بحثية قادرة على تحويل المعرفة إلى حلول عملية تدعم الاقتصاد الأخضر وتعزز كفاءة إدارة الموارد الطبيعية.

وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة والضغوط المتزايدة على المياه والطاقة والغذاء، تبقى قيمة العلم الحقيقية في قدرته على بناء مستقبل أكثر استدامة وعدالة، تكون فيه التكنولوجيا الحيوية والابتكار أدوات لحماية الإنسان والبيئة، وتحويل التحديات إلى فرص تنموية تصنع مستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً للأجيال القادمة.