جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

كيف تستعد لزيارة الروضة الشريفة؟ الأوقاف تكشف آداب زيارة المدينة المنورة

الديار -

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عن الآداب التى ينبغى ان يتحلى بها المسلم عند زيارة المدينة المنورة والروضة الشريفة، وكيف يهيئ ظاهره وباطنة لزيارته صلى الله عليه وسلم.

قالت وزاره الأوقاف: تُعد زيارة المدينة المنورة والوقوف في رحاب المسجد النبوي من أعظم أمنيات المؤمنين، ومسك الختام لكل حاج ومعتمر، وهي رحلة تجمع بين أشواق الروح والالتزام بالهدي النبوي عبر آداب زيارة الروضة الشريفة، والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ وصاحبيه، مع تفقد أهم المزارات المباركة؛ طمعًا في القبول والأجر العظيم.

في رحاب الحبيب المصطفى ومقعد الصدق

إذا انقضت مناسك الحج، وطاف الحاج بالبيت العتيق، ووقف بمواقف الرحمة والمغفرة، فإن القلب المؤمن لا يقر له قرار، والروح المشتاقة لا تسكن إلى راحتها، حتى تُيَمِّمَ وجهها شطر "طابة" الطيبة، مدينة النور، ومهبط السكينة، ومهاجر رسول الله ومثواه.

فإن لم تكن أيها الحاج الكريم قد استهللت رحلتك المباركة بالوقوف بين يدي الحبيب المصطفى ﷺ، فاجعل قِبلة روحك الآن، وبعد فراغك من مناسكك، نحو مدينته المنورة؛ فزره حُبًّا صادقًا، وشَوْقًا عظيمًا، وتَأَدُّبًا وإِجْلَالًا.

لقد تضافرت الأحاديث الشريفة التي تثلج الصدور وتُقر العيون في فضل هذه الزيارة المباركة، وما تحمله من أجر عظيم وفضل عميم، ومن ذلك ما ورد عَنِ سيدنا عبد الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» [سنن الدارقطني: (٢٦٩٥)، شعب الإيمان للبيهقي: (٣٨٦٢)] ، و عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أيضا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لم تَنزِعه حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [المعجم الكبير للطبراني: (١٣١٤٩)]، وقال الحافظ العراقي: أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر وَصَححهُ ابْن السكن. [المغني عن حمل الأسفار (ص٣٠٦)]

فاقصد بقلبك وجوارحك من هذه الرحلة الميمونة زيارةَ سيدنا رسول الله ﷺ في روضته الشريفة، والصلاةَ في حرمه الآمن، والوقوفَ متأدبًا في حضرته ﷺ؛ تَحْصِيلًا للأجر العظيم والثواب الجزيل. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٤٧]

ففي الحديث الشريف عن صاحب هذا الحرم ﷺ أنه قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» [مسند أحمد: (٧٧٣٤)]، إنها مضاعفة إلهية، ومنحة ربانية، لا تُنال إلا في هذه البقعة الطاهرة.

التهيؤ الباطن والظاهر لزيارة الحرم النبوي الشريف

إن الدخول إلى مدينة رسول الله ﷺ يقتضي أَدَبًا رفيعًا، وتَهَيُّؤًا يليق بمقام سيد الخلق وحبيب الحق، فيُستَحَب إِذَا تَوَجهَ الزائر إِلَى زِيارتِهِ ﷺ أنْ يُكْثِرَ من الصلاةِ والتسْليمِ عليهِ في طريقِهِ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشْجَارِ الْمَدينة وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا زَادَ مِنَ الصلَاةِ والتسْلِيمِ عَلَيْهِ ﷺ، وَيَسْأَل الله تعالَى أَنْ يَنْفَعَه بِزِيارَتِهِ ﷺ وَأَنْ يَتَقَبلها مِنْهُ.

ومن السُّنَّة والأدب للزائر -بعد أن يحط رحاله، ويطمئن على أمتعته ومحل إقامته- أن يبدأ بتطهير ظاهره وباطنه، فيغتسل غسلًا كَامِلًا، ويتطهر تطهرًا يليق بلقاء الملوك، فكيف بلقاء سيد ولد آدم؟ ويلبس أحسن ثيابه وأطهرها وأجملها، ويتطيب بأزكى الروائح وأطيبها؛ اسْتِعْدَادًا وابْتِهَاجًا للقاء الحبيب المصطفى ﷺ. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٤٧]

وإذا لم يتيسر له الاغتسال لمانع أو ضيق وقت، فليكتفِ بالوضوء التام.

ثم يتوجه إلى الحرم النبوي الشريف بخُطًى وئيدة، مُتَوَاضِعًا مُنْكَسِرًا لله تعالى، تكسوه السكينة، ويجلله الحياء، ويملأ قلبَه الوقارُ والمهابة.

ويستحضرُ في قَلْبِهِ حِينَئِذ شَرَفَ الْمَدِينَة وفضلَها، وَأَنَّها البلد التي شُرِّفَتْ بأن يكون فيها خَيْرُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ بلا خلاف، وَلْيَكُنْ من أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى أن يَرْجِعَ مُسْتَشْعِرًأ لتَعْظِيمِهِ، مُمْتَلىءَ الْقَلْبِ مِنْ هَيْبتِهِ كَأَنهُ يَرَاه ﷺ. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٤٧]

فإذا لاح له المسجد، ودخل من بابه الشريف، قدَّم رجله اليمنى ذَاكِرًا الله تعالى، ثم يقصد مباشرة إلى الروضة الشريفة -تلك البقعة الطاهرة المنيفة، الواقعة بين القبر الشريف والمنبر النبوي، والتي قال عنها الصادق المصدوق إنها روضة من رياض الجنة- فيصلي فيها ركعتين خفيفتين بخشوع وخضوع بنية تحية المسجد، ويستحب أن يصليهما بجنب المنبر. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٤٨]

وهناك، في ذلك المقام الأسمى، يرفع يديه بالضراعة، ويدعو الله تعالى مُجْتَهِدًا في الدعاء، سَائِلًا المولى من خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه جالس في قطعة من الجنة، وفي مهبط الرحمات، وموطن تتنزل فيه البركات، وتُرجى فيه الإجابة يَقِينًا إن شاء الله تعالى. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٤٨]

صفة السلام والأدب في حضرة النبي ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما

فإذا فرغ الزائر من أداء تحية المسجد، وارتوى قلبه من الجلوس في الروضة الشريفة، توجه بخُطى خاشعة، وقلب واجف، وعين دامعة، إلى المواجهة الشريفة، وهناك يقف قُبالة رسول الله ﷺ، في أدب جم، واحترام بالغ، ومهابة تامة، خَافِضًا طَرْفَه، غَاضًّا بصره، وخافضًا صوته؛ امْتِثَالًا لأمر الله تعالى، ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، واسْتِشْعَارًا لهيبة النبوة.

ويُسَلِّم على رسول الله ﷺ في صوت خفيض، يملؤه الحب الجارف، والشوق الصادق، والتبجيل العظيم، قَائِلًا: "السلَامُ عليكَ يا سيدي يا رسولَ الله، السلَام عليك يا نبيَّ الله، السلَام عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلَامُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلَامُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبيًأ وَرَسُولًا عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر وغفل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة وَأدّيْتَ الأمَانَةَ وَنَصْحَتَ الأَمةَ وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة وابعثهُ مَقَامًأ مَحْمُودًأ الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ".

وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ، وَأَقلهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله ﷺ. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٥٣]

ثم يصلي الزائر على رسول الله ﷺ بأي صيغة شاء، ويُبَلِّغ إليه في أدبٍ سلامَ من أوصاه بتبليغ السلام من المشتاقين والمحبين، قَائِلًا: "السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، يرجو شفاعتك فاشفع له عند ربك".

ثم يترك هذا الموضع المهيب، ويتحرك إلى اليمين قَلِيلًا بما يساوي ذِرَاعًا -أي أقل من المتر- ليجد نفسه وَاقِفًا قُبالة رأس الصِّدِّيق الأعظم، أبي بكر رضي الله عنه، فيسلم عليه ببالغ التقدير والعرفان بقوله: "السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا صاحب رسول الله ورفيقه وأمينه في الأسرار. جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خَيْرًا، ورضي عنك وأرضاك".

ثم يتجاوز مكانه إلى اليمين قدر ذراع أَيْضًا، ليجد نفسه وَاقِفًا قُبالة رأس الفاروق، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مُظهِر الإسلام وفاروق الأمة، جزاك الله عنا وعن الإسلام أفضل الجزاء، ورضي عنك وأرضاك".

وبعد إتمام هذا السلام العاطر، والموقف الزاهر، يدعو الله تعالى بما شاء، ويُفيض بما في قلبه لنفسه، ولوالديه، ولأهل بيته، ولمن أوصاه بالدعاء، شَامِلًا بصالح دعائه جميع المسلمين، سَائِلًا الله القبول والتوفيق.

وَيَتَوَسَّلُ بِهِ في حَقّ نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبّهِ سبحانه وتعالى، وَمِنْ أحْسَن مَا يقُولُ مَا حَكَاهُ أصْحَابُنَا عَنِ الْعُتْبِيّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًأ عِنْدَ قَبْرِ النَّبي ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيكَ يا رسول الله سَمِعْت الله يقُولُ: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبّيِ، ثُمَّ أنْشَأً يقُولُ (البسيط):

يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ

نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ … فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ

أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه … عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ

وَصَاحِبَاكَ فَلَا أَنْسَاهُمَا أبَدًأ … مِنّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ

قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ فَغَلَبتَنِي عَيْنَايَ فَرَأيْتُ رسول الله ﷺ في النَّوْمِ فَقَالَ: «يَا عُتْبي إلْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه». اهـ. [الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص٤٥٤، ٤٥٥]

وداع طابة.. ولوعة الفراق

وحين يأزف وقت الرحيل وتدنو ساعة الفراق، فلا تفارقها أيها الزائر إلا بعد أن تودع هذا الحرم الآمن؛ بأن تُصلي ركعتين في مسجد الرسول ﷺ شُكْرًا لله على هذه النعمة والمنة.

ثم تذهب وتزور المواجهة الشريفة، لتقف أمام الرسول ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما، وتسلم عليهم سلام مُوَدِّعٍ محب، تسيل عبراته، ويخفق قلبه بلوعة الوداع، وَدَاعًا لا يُراد به القطيعة.

وتسأل الله تعالى بقلب كسير، وروح متضرعة، ألا يجعله آخر العهد برسول الله ﷺ، وبحرم رسول الله ﷺ، وأن يُيَسِّر لك العودة لهذه الزيارة المباركة، وتكرارها مِرَارًا وتكْرَارًا.

وتدعو الله مُخْلِصًا أن يرزقك شفاعته ﷺ، ويوردك حوضه، ويسقيك من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا تظمأ بعدها أَبَدًا.