نميرة نجم لتلفزيون الصين: أوروبا تنكر شيخوختها وحاجتها لشباب أفريقيا

بين تهويل المنصات الإعلامية الغربية والواقع على الأرض، فارقٌ كبير تفككه لغة الأرقام الصارمة؛ ففي الوقت الذي تبث فيه العواصم الغربية خطاباً مكرراً يُصوّر القارة السمراء وكأنها تتدفق بأكملها نحو الشواطئ الأوروبية، تأتي البيانات الدقيقة لتكشف زيف هذه الرواية الموجهة. هذا ما فندته السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي ومديرة المرصد الأفريقي للهجرة بالاتحاد الأفريقي، مؤكدةً بالحقائق والتحليلات الديموغرافية أن الجغرافيا الحقيقية لحركة الأفارقة تدور في فلك قارتهم نفسها بنسبة تتجاوز 75%، لتعيد بذلك رسم ملامح ملف الهجرة وتنتشله من مربع "البروباجندا" والأمننة الصارمة إلى سياقه الإنساني والتنموي الصحيح.
أكدت السفيرة د. نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي و الهجرة، و مديرة المرصد الأفريقي للهجرة بالاتحاد الأفريقي، أن البيانات الدقيقة التي يرصدها المرصد تكشف زيف الروايات السلبية المنتشرة في وسائل الإعلام الغربية، مشددة على أن معظم الأفارقة لا يغادرون قارتهم، بل يبقون داخل حدود بلدانهم أو يهاجرون داخل قارة أفريقيا نفسها.
وأوضحت نجم، خلال استضافتها في حلقة "معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير الشرعية في إفريقيا” ببرنامج Talk Africa"عبر تلفزيون الصين الدولي الناطق بالإنجليزية CGTN Africa أن الأرقام المتداولة إعلامياً حول الهجرة غير النظامية لا تمثل سوى جزء بسيط جداً من الواقع؛ حيث تشير البيانات الحقيقية إلى أن ما بين 75% إلى 80% من الأفارقة ينتقلون داخل حدود القارة، بينما تتوزع النسبة المتبقية خارجها بين طالبي اللجوء، والهجرة النظامية، وغير النظامية.
وأعربت السفيرة عن قلقها البالغ إزاء حصيلة الوفيات المرتفعة جداً في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط، كاشفة أن الربع الأول من هذا العام شهد تسجيل ما بين 750 إلى 1000 حالة وفاة ومفقود، وهو ما وصفته بالرقم الكبير جداً والمفزع في غضون ربع عام واحد فقط بالمقارنة مع أرقام عام 2025.
وعن العوامل والمدفوعات التي تجبر المهاجرين على مغادرة ديارهم، وضعت مديرة المرصد الأفريقي الحروب في مقدمة الأسباب قائلة: "بالطبع، السبب الأول والأبرز للهجرة هو النزاعات. بينما نتحدث الآن، هناك 23 نزاعاً مسلحاً مستمراً في أفريقيا، وهذا هو المحرك الأول للهجرة."
وأضافت نجم أن المحرك الثاني يتمثل في "التنقل بسبب المناخ"، حيث تؤدي أزمة التغير المناخي إلى الكثير من حالات النزوح والتحركات، فضلاً عن وجود دوافع أخرى تشمل الفقر والبحث عن سبل عيش أفضل عبر ما يُعرف بـ "المهاجرين الاقتصاديين". وأشارت إلى أن الأرقام الأكبر للنزوح تتركز في منطقتي شرق ووسط أفريقيا نظراً للنزاعات القائمة هناك, بما في ذلك النزاع في السودان، إلى جانب انتشار الإرهاب ودوافع أخرى في منطقة الساحل تجعلها تتصدر معدلات التنقل في القارة.
وفي تعليقها على الخطوة الإسبانية الأخيرة بتسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر، استبعدت نجم أن يسهم ذلك في تغيير السياسات الصارمة القادمة من بروكسل، موضحاً أن سياسة اللجوء والهجرة الموحدة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي لا تتوافق مع ما فعلته إسبانيا.
وانتقدت نجم المقاربة الأوروبية للملف قائلة: "إنهم يحاولون القيام بما نسميه 'إضفاء الطابع الخارجي على الحدود'، حيث يدفعون بالمشكلة نحونا. هذا عامل واحد يتعامل مع قضية الهجرة من منظور أمني وشرطي فقط، وليس كقضية إنسانية واجتماعية."
وفي سياق متصل، وصفت السفيرة الموقف الأوروبي العام بأنه يعيش حالة من الانفصال عن الواقع الديموغرافي، قائلة:"ما فعلته إسبانيا هو تلبية للواقع؛ حيث تعيش العديد من الدول الأوروبية في حالة إنكار بأنها تعاني من شيخوخة السكان، وأنها بحاجة إلى قوة عاملة، وبحاجة إلى شباب للعناية بكبار السن لديهم. ونحن قارة شابة."
واستطردت نجم موضحة الفارق الديموغرافي الشاسع، حيث أشارت إلى أنه بحلول عام 2050 سيكون واحد من كل ثلاثة أفراد في سن العمل من أفريقيا، لتصبح القارة هي خزان الموارد البشرية للعالم. ولفتت إلى أن هذا الواقع يصطدم بالحسابات السياسية داخل أوروبا؛ إذ تستغل أحزاب اليمين المتطرف هذا الملف وتضغط سياسياً ضد الحكومات التي تقبل تجنيس أو تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين، على الرغم من أن الأرقام والاحتياجات الاقتصادية لا تدعم ما يدعون إليه.
واختتمت مديرة المرصد الأفريقي للهجرة حديثها بطرح رؤية واضحة للخطوات العملية التي يجب على الحكومات الأفريقية اتخاذها لمعالجة جذور الهجرة القسرية وخلق فرص حقيقية في الداخل؛ حيث وضعت "إسكات البنادق" (Stopping the guns) كبند أول وأولوية قصوى؛ لأن النزاعات هي المحرك الأعلى للنزوح والتنقل بجميع أشكاله من هجرة أو لجوء.
أما البند الثاني فحددته في "التنمية المستقلة"، مطالبةً بإيجاد وسائل مختلفة للتنمية وعدم الاعتماد على المصادر الخارجية، وتحويل الشعارات إلى أفعال من خلال تفعيل "التعاون بين بلدان الجنوب" والتعلم من تجارب الآخرين.
وأكدت نجم أن التزام الدول بأجندة الاتحاد الأفريقي التنموية 2063 سيحدث فرقاً هائلاً، لاسيما مع وجود حالة "اليقظة" الحالية تجاه المعادن الأفريقية وضرورة خلق قيمة مضافة وسلاسل قيمة محلياً، بدلاً من ترك المقدرات للمستثمرين الأجانب. وأشادت بنماذج الاستثمار الداخلي الحالية مثل مصافي التكرير التي تنشئها مجموعة "دانغوتي" في نيجيريا ومحاولات تكرارها في دول أخرى، مؤكدة: "بدلاً من إسناد هذه المهام إلى جهات خارج القارة، إذا كان لدينا مستثمرون أفارقة كبار يتحركون داخل القارة، فإن ذلك سيصنع فارقاً لتنميتنا.
واختتمت السفيرة نميرة نجم تصريحاتها بالتأكيد على أن مستقبل التنمية في أفريقيا يجب أن يقوم على الاعتماد على الذات وتعزيز الاستثمارات الأفريقية داخل القارة، بدلاً من “الركض وراء أجندات خارجية لم تحقق الفائدة المرجوة منذ استقلال القارة ”.
في النهاية، يتبين أن تفكيك أزمة الهجرة غير النظامية في أفريقيا لن يتم عبر قوارب الدورية الأوروبية أو تشييد الجدران العازلة، بل بتبني المقاربة التنموية والواقعية التي تفرضها لغة الأرقام. إن مستقبل الاستقرار في القارة السمراء، كما لخصته السفيرة د. نميرة نجم، رهين بالاعتماد على الذات، و"إسكات البنادق"، وتعزيز الاستثمارات البينية؛ فبدلاً من الركض وراء أجندات خارجية عقيمة لم تحقق الفائدة المرجوة منذ عقود الاستقلال، تملك أفريقيا اليوم -بثرواتها وشبابها- الفرصة الذهبية لتتحول من "خزان للمهاجرين" إلى قوة اقتصادية تقود مستقبلها بأيادٍ ورؤية أفريقية خالصة.

