وفاء أبوالسعود تكتب: بين الإعلام والإعلام الموجَّه تعالوا إلى كلمة سواء

في 31 مايو من كل عام نحتفل بعيد الإعلاميين، وهم فئة كبيرة لها كل التقدير والاحترام، سواء كان هذا الإعلام مرئيًا أو مسموعًا أو مكتوبًا، ضامًّا بين جنباته المذيعين ومقدمي البرامج والمراسلين من طواقم العمل الميداني، وإعلاميي المنصات الرقمية، وكل من يساهم في إتمام العمل من إعداد وإخراج وتصوير وغير ذلك.
والإعلام رسالة سامية، لا تكمن في استهلاك الوقت أو التسلية أو الترفيه وإن كان ذلك مهمًا، وإنما تكمن أهميته في نقل الحقيقة، نعم، تلك الحقيقة التي أصبحت في هذا العالم الرقمي أشبه بالخيال أو الشبح؛ فكلما اقتربت منها، كلما توارت وهربت بعيدًا، بسبب تداخل وتشابك الأحداث، واختلاط الحقيقة بواقع متغير، فضلًا عن أهواء ناقلها.
كان الإعلام في الفترات السابقة يتمتع بالهيبة والتقدير، فحين تستمع أو تشاهد تجد نفسك منصتًا، مستجمعًا كل حواسك لمن يستعرض الحدث. وكان من غير المهنية أن يستعرض الإعلامي وجهة نظره الخاصة؛ نعم، كان من المحظورات أن يتحدث الإعلامي عن أي شيء يتعلق به أو بأسرته أو بوجهة نظره أو بتاريخه المهني، إذ كانت رسالته تنصب على الحدث فقط، مع استعراض جميع جوانبه، ثم يترك للمشاهد حرية تكوين الرأي الذي يتبناه بعيدًا عن أي تأثير أو استقطاب.
أما الآن، وقد بلغنا من التكنولوجيا والانفتاح والتطلع وتكوين الثروات أرذلها، فقد بدأ واقع مغاير يهدد حياة الرسالة الإعلامية الحقيقية، فقد أصبح هناك سباق محموم بين الإعلاميين: أيهم يصل إلى الصفوة؟ وأيهم يكون لسان حال أحدهم؟ وأيهم يدعم مشاريع فلان أو توجهات ورؤى فلان آخر؟
ومما لا شك فيه أن هذا ما كان ليحدث إلا إذا كان هناك مقابل مجزٍ ومردود خفي يجعل كل بوق إعلامي يطبل لتوجه أو فكر أو شخص.
ومن هنا ضاعت الحقيقة، فقد بيعت في سوق النخاسة على مرأى ومسمع من الجميع، دون أن يهتز لأحدهم طرف لأنه ساهم في ضياع الحقيقة.
منذ صغري سمعت كلمة هزت بدني وأنا لا أزال في مهدي، مفادها أنك وأنت تنصر الحق فإنك تنصر الله سبحانه وتعالى.
أي مسؤولية ألقيت عليك أيها الإنسان وحملتها عن رضا، ثم ضيعتها وأنت راضٍ في وضح النهار؟ بل أصبح التنافس والتناحر محمومًا بين كثير منهم: أيهم ستكون ثروته أكبر، ووضعه الاجتماعي أفضل، وأيهم سيكون من ضمن حاشية أولي الأمر.
﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.
أكتب بجراحي، وأنعى الحقيقة بينكم اليوم على الملأ في عيد الإعلاميين، مع التأكيد أن هناك من لا يزال يحافظ على العهد، ويتبع الإرشادات العامة للميثاق الإعلامي الصحيح، ويسير في طريق مستقيم لا تحيد قدماه مهما كانت مغريات العصر.
وأجدد العهد والدعوة لكل إعلامي على وجه الأرض: توخَّ الدقة والحذر، فسيكون كل حرف خطته يداك أو تحدث به لسانك شاهدًا لك أو عليك.
هو طريق ليس بالسهل، ولكنه خيار. فالكلمة سهم، حينما يخرج من غمده لن يعود إلى مكانه أبدًا، بل يأخذ طريقه أينما وُجِّه، وقد يضل الطريق، وبدلًا من أن يصيب عدوًا، يقتل صديقًا.
فالكلمة رسالة، قد تحيي بها قلوبًا أوشكت على مفارقة الحياة، وقد تقتل بها قلوبًا أخرى تسعى بكل قوة، وتفتح ذراعيها للأمل والحياة.
الكلمة كلمة، تستطيع بها أن تُدخل بريئًا إلى قفص الاتهام، وبها كذلك تُوهب حياة لظالم عاث في الأرض فسادًا، وحُكم عليه بالإعدام.
الكلمة عين لمن لا عين له، ترى بها ما قد يكون خفي عنك، وتكشف بها أحداثًا، وتعايش بها مواقف لم تكن متواجدًا فيها أصلًا.
الكلمة كلمة، قد تزرع بداخلك زهورًا، وتجري بها أنهارًا إن راقت وفاقت وأُحسن استخدامها.
الكلمة كلمة، قد ترى من خلالها عالمًا مظلمًا يحجب عنك الضوء ولو من سم الخياط.
الكلمة كلمة، قد تكون سلامًا يملأ الأركان، وقد تكون حربًا ضارية تقتلع معها كل أخضر.
الكلمة كلمة، قد تهدم بنيانًا وضعت لبنته الأساسية منذ سنوات طويلة، وارتفع ونما حتى وصل إلى عنان السماء.
الكلمة قد تكون طريقًا إلى الموت، وبكلمة تؤلف بين قلوب ولو كانت أعداء، وتستطيع بكلمة أن توغر الصدور، وتقلب الحقائق، وتصور الأمور على غير حقيقتها.
الكلمة كتاب، والكلمة ميراث، شأنها في ذلك شأن ميراث القصور والملايين.
الكلمة منهاج وشريعة، تسير عليها وتهتدي بها.
الكلمة طريق طويل، ترسمه كلمة، وتضع خطواته كلمات.
الكلمة مذاق لكل من يقدرها ويعرف معانيها.
فلنسعَ جميعًا إلى كلمة جادة ترى الحقيقة مجردة، ترى الخطأ وتسعى إلى إصلاحه، وتشاهد الإيجابيات بعين ثاقبة؛ يد تبني ولا تهدم، يد تفتح أبواب الأمل لكل من يرغب، يد تزرع وتستثمر، فلنستشعر معنى الحياة بتلك الكلمة.
فلنكن صوت من لا صوت له، وسندًا لمن لا سند له، ولنسر في طريقنا بكل إصرار وتحدٍ.
سنسعى بكل إصرار إلى أن نصل إلى أصدق الكلمات، وأن ننظر إلى الأمور بميزان العدل والمصداقية، وكذلك بالحيادية والمهنية والتجرد.
تعالو الي كلمة سواء ، لا زيف فيها ، ولا ذلل ، ولا ابهار

