جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

الأزمة ومفتاح حلها.. من يحسم معركة اليورانيوم الإيراني المخصب؟

الديار -

لم يكن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يوما مقتصرا على الصواريخ أو النفوذ الإقليمي فحسب، بل إن الملف النووي هو الصراع الأكثر تعقيدا بين الطرفين، حيث تنظر إليه واشنطن باعتباره العقبة الكبرى أمام أي اتفاق مستقبلي دائم، بينما تعتبره طهران حقا سياديا وإنجازا لا يمكن التفريط فيه.. فماذا يريد الطرفان؟

إخراج اليورانيوم المخصب من إيران

تدفع الولايات المتحدة باتجاه إخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية أو التخلص منها بصورة تمنع استخدامها مستقبلا في أي مسار عسكري محتمل، كما تطالب بوقف عمليات التخصيب أو حصرها في مستويات منخفضة للغاية وتحت رقابة صارمة، في المقابل، ترفض إيران التخلي الكامل عن مخزونها النووي، وتؤكد أنها لن تقبل بحرمانها من حق التخصيب.

كازاخستان.. نقل اليورانيوم إلى الولايات المتحدة

ورغم حدة الخلاف، فإن التاريخ النووي الحديث يقدم نماذج عديدة تشير إلى أن معالجة مثل هذه الملفات ليست مستحيلة، ففي تسعينيات القرن الماضي، قدمت كازاخستان اثنين من أبرز نماذج المعالجة لهذه المواد، الأولى كانت مع الولايات المتحدة عام 1994 في عملية سرية حملت اسم مشروع سافير، نقل خلالها نحو 600 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة.

وفي تجربة أخرى بدأت عام 2001، اختارت كازاخستان خفض تخصيب 2897 كيلوجراما من اليورانيوم عالي التخصيب وتحويله إلى يورانيوم منخفض التخصيب تحت ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أوكرانيا.. نقل اليورانيوم إلى بلد المنشأ

ما أوكرانيا اتبعت مسارا يقوم على إعادة الوقود عالي التخصيب إلى بلد المنشأ، فبين عامي 2010 و2012، نقل نحو 234 كيلوجراما من اليورانيوم عالي التخصيب من 3 مواقع أوكرانية إلى روسيا عبر 6 عمليات منفصلة، بمشاركة الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي المقابل، حصلت كييف على وقود منخفض التخصيب.

فنزويلا.. نقل اليورانيوم إلى الولايات المتحدة

وفي مايو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع فنزويلا وبريطانيا وبدعم فني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اكتمال عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب من فنزويلا، إلى موقع "سافانا ريفر" في ولاية ساوث كارولاينا بالولايات المتحدة، وشملت العملية إزالة نحو 13.5 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب فوق نسبة 20%، ونقلها بأمان وحماية عبر البر والبحر بعد عملية معقدة وحساسة.

إيران.. اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا

أما النموذج الأقرب للحالة الإيرانية، فيبقى اتفاق عام 2015، حين وافقت طهران على خفض حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وفي شهر ديسمبر من نفس العام، غادرت إيران شحنة تضم أكثر من 11 طنا من مواد اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، وتثبت هذه السابقة أن نقل المخزون الإيراني أو خفض تخصيبه قابل للتنفيذ فنياً.

440 كيلوجرام.. من اليورانيوم المخصب

غير أن الظروف الحالية أكثر تعقيدا، بسبب ارتفاع مستويات التخصيب، وتضرر منشآت نووية خلال الهجمات العسكرية الأخيرة، وتراجع قدرة المفتشين على تحديد مواقع المواد وكمياتها، وقدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية المخزون المجهول لدى إيران، حتى يونيو من عام 2025، نحو 9874.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بمستويات مختلفة، بينها نحو 440.9 كيلوجرام مخصبة حتى 60%.

4 عناصر.. لإنهاء الأزمة

وتشير التجارب السابقة إلى أن أي حل للمخزون الإيراني يحتاج إلى 4 عناصر مترابطة، هي عودة المفتشين لتحديد الكميات والمواقع، والاتفاق على النقل أو خفض التخصيب أو تحويل جزء من المادة إلى وقود، وترتيبات أمنية وفنية للنقل والمعالجة، وآلية طويلة الأمد تمنع إعادة تكوين المخزون.

ثقة مفقودة.. بين الطرفين

لكن العقبة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا أو القدرات اللوجستية، بل في الثقة المفقودة بين الطرفين، فإيران تخشى أن يؤدي التخلي عن مخزونها إلى فقدان أهم أوراق القوة التفاوضية لديها، بينما ترى الولايات المتحدة أن بقاء هذا المخزون داخل الأراضي الإيرانية يمنح طهران قدرة على استئناف أنشطة حساسة خلال فترة زمنية قصيرة إذا ما انهارت أي تفاهمات مستقبلية.

يبقى اليورانيوم الإيراني أكثر من مجرد مادة نووية؛ إنه ورقة سياسية واستراتيجية تختزل سنوات من الصراع والشكوك والمفاوضات المتعثرة، فهل يتحول إلى جسر يعبر عليه الطرفان نحو اتفاق جديد، أم أنه سيظل العقدة الأصعب التي تعطل أي تسوية محتملة.