احتفالا باليوم العالمي لمُكافحة التصحر والجفاف : شُعبة محرري البيئة بالصحفيين تبحث سُبل حماية المراعي والأراضي الزراعية في مُواجهة التصحر والجفاف

أكد عدد من الخبراء في البيئة والزراعة أن التصحر والجفاف لم يعودا مجرد تحديين بيئيين، بل أصبحا تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والتنمية المستدامة، مُشددين على أن مواجهتهما تتطلب تكامل الجهود بين الدولة والمؤسسات البحثية والمنظمات الدولية، إلى جانب تبني ممارسات زراعية مستدامة تحافظ على الأراضي وتعزز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية.
جاء هذا خلال الندوة التي نظمتها شُعبة محرري شئون البيئة بنقابة الصحفيين تحت عنوان: «المراعي والأراضي الزراعية... فرص الحفاظ عليها ومواجهة التحديات»، في لقاءٍ جمع نخبةً من الخبراء والباحثين والمتخصصين، وتأتي الندوة في إطار الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، وبهدف تسليط الضوء على سُبل حماية الأراضي الزراعية والمراعي، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية في ظل التحديات المناخية المتزايدة.
وشكّلت الندوة مساحةً للحوار العلمي وتبادل الرؤى والخبرات، حيث ناقش المشاركون أبرز التحديات التي تواجه الأراضي الزراعية والمراعي، واستعرضوا سُبل الحد من التصحر، وآليات تعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، بما يسهم في حماية الأمن الغذائي، والحفاظ على التوازن البيئي، ودعم جهود التنمية المستدامة للأجيال الحالية والمستقبلية.
شهدت الندوة حضورًا علميًا وإعلاميًا لافتًا، بمشاركة نحو 16 خبيرًا وباحثًا ومُتخصصًا، يمثلون عددًا من المؤسسات العلمية والبحثية، من بينها مركز بحوث الصحراء، وأكاديمية البحث العلمي، ومركز الحفاظ على الأصول الوراثية، ومركز قياس البصمة الكربونية، ومعهد تيودور بلهارس، وهيئة الطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو»، إلى جانب 21 صحفيًا وإعلاميًا، في مشهد عكس اهتمامًا متزايدًا بقضايا التصحر والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.
وحظيت فعاليات الندوة بتغطية إعلامية متميزة، حيث أجرت قناة النيل للأخبار لقاءات مع عدد من المتحدثين والمشاركين، فيما سجل فريق «سوشيال ميديا الأهرام» حلقات بودكاست مع نخبة من الخبراء، لنقل أبرز الرسائل والتوصيات إلى الجمهور. واستمرت الندوة لأكثر من ساعتين ونصف، وشهدت نقاشات علمية ثرية وتبادلًا للأفكار والرؤى حول سبل حماية الأراضي الزراعية والمراعي، ومواجهة تحديات التصحر والجفاف، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.
وفي مستهل كلمتها، حذرت الدكتورة نعمة الله عبد الرحمن، رئيس القسم البيئي بجريدة الأهرام، من تصاعد مخاطر التصحر والجفاف، مستعرضةً أرقامًا تعكس حجم التحدي عالميًا، مُؤكدة أن العالم يتكبد خسائر تُقدر بنحو 300 مليار دولار سنويًا نتيجة هذه الظاهرة. وأشارت إلى أن نحو 70 دولة فقط تمتلك خططًا وطنية لمُواجهة التصحر، مُؤكدة أن تغير المناخ يُعد أحد أبرز العوامل الرئيسية التي تُسهم في اتساع رقعة الأراضي المُتدهورة و زيادة حدة الجفاف، داعية إلى تكاتف الجهود لمُواجهة هذه التحديات البيئية المتنامية.
التصحر يهدد المنطقة
تحدث السفير الدكتور محمود فتح الله، مدير إدارة البيئة بجامعة الدول العربية، في كلمته بالتأكيد على أن التصحر والجفاف يُمثلان من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة العربية، لما لهما من تأثيرات مباشرة على الزراعة والأمن الغذائي والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، في ظل تدهور الأراضي الذي يتجاوز في بعض الدول العربية 60%، إلى جانب توقعات بتراجع إنتاجية المحاصيل نتيجة تغير المناخ بحلول عام 2050، وأوضح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، واستعادة الأراضي المتدهورة، والتوسع في التشجير، وتطوير السياسات الداعمة للتكيف مع التغيرات المناخية، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
شراكات لمواجهة التصحر
أشار فتح الله، إلى أن جامعة الدول العربية تقود جهودًا متكاملة لمكافحة التصحر من خلال المجالس الوزارية العربية والمنظمات المتخصصة، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، وفي مقدمتهم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، وذلك لتنفيذ برامج بناء القدرات، ونقل التكنولوجيا، وتوفير التمويل، ودعم المواقف العربية في المحافل الدولية. كما لفت إلى إطلاق شراكات نوعية، من أبرزها إنشاء المركز العربي الصيني للتعاون الدولي في مكافحة التصحر وتدهور الأراضي، بهدف تبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات مشتركة لاستعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، مع إيلاء اهتمام خاص بالدول العربية الأقل نموًا والأكثر تأثرًا بهذه التحديات.
الإدارة المستدامة للتربة
أكد الدكتور أشرف الصادق، خبير برامج إدارة التربة بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، أن المنظمة تعمل بالتعاون مع الحكومة المصرية على تنفيذ برامج للإدارة المستدامة للأراضي الزراعية، من خلال إنشاء مدارس المزارعين الحقلية، والحفاظ على الأصول الوراثية للنباتات، ونشر ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا، بما يسهم في تعزيز استدامة الإنتاج الزراعي وصون التنوع الحيوي. وأوضح أن التصحر لا يعني تحول الأراضي إلى صحراء، وإنما تدهور إنتاجيتها نتيجة الممارسات الزراعية غير الرشيدة والتغيرات المناخية، مشيرًا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات البخر وتملح التربة تمثل تحديات رئيسية تهدد القطاع الزراعي، لا سيما في مناطق الدلتا والواحات.
استدامة الإنتاج الزراعي
أشار خبير برامج إدارة التربة بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رفع وعي المزارعين بترشيد استخدام المياه والأسمدة، والحفاظ على خصوبة التربة والكائنات الدقيقة النافعة والملقحات، إلى جانب دعم المشروعات التي تعزز كفاءة الري وتدوير المخلفات الزراعية وتحسين دخول المزارعين. كما شدد على أهمية حماية الأصول الوراثية للأصناف المحلية، وعدم التضحية بها لصالح الأصناف الاقتصادية الحديثة، لافتًا إلى إنشاء بنك للبذور بمحطة مركز بحوث الصحراء في الوادي الجديد لحفظ الموارد الوراثية النباتية ودعم برامج البحث العلمي، بما يعزز قدرة الزراعة المصرية على التكيف مع التغيرات المناخية وتحقيق الأمن الغذائي.
التصحر يهدد الأمن الغذائي
أكد الدكتور حسن الشاعر، مدير مركز التميز المصري للزراعة الملحية بمركز بحوث الصحراء، أن التصحر يُعد من أخطر التحديات البيئية والزراعية التي تواجه مصر، لما يسببه من تدهور للأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية والموارد المائية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي، خاصة في ظل تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية. وأوضح أن التصحر لا يعني اتساع رقعة الصحراء فحسب، بل يشمل تدهور إنتاجية التربة، وتراجع الغطاء النباتي، وفقدان التنوع الحيوي، وزحف الرمال، بما يهدد استدامة التنمية الزراعية.
تحديات تتفاقم
وأشار الشاعر إلى أن التصحر يؤدي إلى انخفاض خصوبة التربة وتراجع إنتاجية المحاصيل، وارتفاع ملوحة التربة ومياه الري، وزيادة استهلاك المياه وتكاليف الإنتاج، وهو ما يضغط على دخول المزارعين ويحد من فرص التوسع الزراعي. كما تتأثر المراعي الطبيعية، الممتدة على ما بين 10 و15 مليون فدان، بتدهور الغطاء النباتي واختفاء النباتات عالية القيمة الغذائية، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الجفاف، والرعي الجائر، وسوء إدارة الموارد الطبيعية، مما ينعكس سلبًا على الثروة الحيوانية وإنتاج اللحوم والألبان.
حلول نحو الاستدامة
وأوضح مدير مركز التميز المصري للزراعة الملحية، أن الدولة تنفذ برامج متعددة لمكافحة التصحر، تشمل حصاد مياه الأمطار، والتوسع في زراعة النباتات المتحملة للجفاف والملوحة، وتوظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد لرصد تدهور الأراضي، إلى جانب دعم الإرشاد الزراعي والبحث العلمي. واختتم بالتأكيد على أن حماية الموارد الطبيعية تتطلب إدارة مستدامة للمراعي، وإعادة تأهيلها بالنباتات المحلية، وترشيد استخدام المياه، وإعداد خريطة قومية محدثة للتصحر، بما يعزز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع التغيرات المناخية ويحافظ على الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
الأسمدة والأمن الغذائي
أكد الدكتور أسامة درويش، أستاذ الاقتصاد المساعد، أن الأسمدة الكيماوية أسهمت بشكل كبير في رفع الإنتاجية الزراعية، لافتًا إلى أن الاستغناء الكامل عنها سيؤدي إلى تراجع إنتاج المحاصيل، وهو ما يمثل تحديًا اقتصاديًا في ظل محدودية الأراضي الزراعية والموارد المائية في مصر. وأوضح أن انخفاض الإنتاج سيزيد من الاعتماد على الاستيراد، خاصة أن مصر تستورد أكثر من 55% من احتياجاتها من القمح، بما يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغط على العملة الأجنبية، مُشددًا على ضرورة التوسع التدريجي والمدروس في الزراعة العضوية، وعلى محاصيل محددة، بما يحقق التوازن بين حماية البيئة والحفاظ على الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج الزراعي.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن مواجهة التصحر والجفاف لم تعد مسئولية قطاع بعينه، بل أصبحت قضية تنموية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية والتكيف مع التغيرات المناخية. وأكد المُشاركون أن الاستثمار في حماية الأراضي لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان الأمن الغذائي وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة آثار التغيرات المناخية.

