جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

المملكة العربية السعودية واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تُسرّعان تنفيذ مخرجات COP16 تمهيداً لـ COP17

أحمد عبد الحليم -

تواصل المملكة العربية السعودية واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) دفع تنفيذ المخرجات التاريخية للدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP16)، التي استضافتها الرياض في ديسمبر 2024. ومع تسارع الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP17) التي ستُعقد في أولان باتور، منغوليا، خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026، أكدت الزيارة قوة الشراكة بين المملكة والاتفاقية، والالتزام المشترك بتحويل مخرجات COP16 إلى إجراءات ملموسة في مجالات استعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، وتحقيق التنمية المستدامة.

وجاء تنفيذ قرارات COP16 ومبادراته الرئيسية في صميم المهمة رفيعة المستوى التي قامت بها المديرة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الدكتورة ياسمين فؤاد، إلى المملكة خلال الفترة من 5 إلى 9 يوليو، حيث عقدت مباحثات استراتيجية مع عدد من كبار المسؤولين السعوديين والشركاء الإقليميين، من بينهم معالي المهندس عبدالرحمن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة ورئيس مؤتمر الأطراف السادس عشر، ومعالي الأستاذ عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية، تناولت تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، والتمويل المستدام، وإشراك القطاع الخاص، والتعاون الإقليمي، إلى جانب استعراض التقدم المحرز في تنفيذ الالتزامات الرئيسية التي أُقرت خلال COP16.

كما ركزت المباحثات مع معالي الوزير عادل الجبير على الترابط المتزايد بين تدهور الأراضي، والقدرة على مواجهة الجفاف، والاستقرار، والأمن، وهي قضية أصبحت اليوم تحتل مكانة بارزة على جدول الأعمال الدولي، بما في ذلك البيان الصادر عن وزراء البيئة في مجموعة السبع في أبريل 2026.

وتأتي هذه المهمة في وقت بات فيه تدهور الأراضي والجفاف يُنظر إليهما ليس فقط كتحديين بيئيين، بل أيضاً كمخاطر اقتصادية واجتماعية وأمنية ممنهجة. إذ إن نحو 40 في المائة من أراضي العالم أصبحت متدهورة بالفعل، مما يؤثر على الموارد الطبيعية التي تستند إليها قرابة نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تتجاوز التكلفة السنوية المترتبة على تدهور الأراضي والجفاف 878 مليار دولار أمريكي، فيما يتسبب الجفاف وحده بخسائر لا تقل عن 300 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم.

وعكست المناقشات استمرار الدور القيادي للمملكة العربية السعودية في إبراز قضيتي استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف على أجندة العمل الدولية، وذلك عقب استضافتها الناجحة لمؤتمر الأطراف السادس عشر.

وقالت الدكتورة ياسمين فؤاد، المديرة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر: "لم يعد تدهور الأراضي والجفاف مجرد قضايا بيئية هامشية، بل أصبحا يؤثران بشكل متزايد في الاقتصادات، والنظم الغذائية، والأمن المائي، والمالية العامة، والأمن البشري. وما أدركناه في الرياض هو أن الوقاية يجب أن تصبح النموذج العالمي الجديد، لأن الاستجابة للأزمات بعد وقوعها لم تعد نهجاً مستداماً. ويتمثل التحدي اليوم في بناء الأنظمة المالية والمؤسسية القادرة على تحويل القدرة على الصمود إلى أولوية استثمارية طويلة الأجل، ومساعدة الدول على التحرك قبل أن تتحول المخاطر إلى كوارث."

وكان من أبرز محاور المهمة تسريع التقدم في شراكة الرياض العالمية لتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف (RGDRP)، التي أُطلقت خلال COP16 كمبادرة رائدة تهدف إلى مساعدة الدول على الانتقال من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية والاستعداد وتعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل.

وصُممت الشراكة لحشد التمويل والدعم الفني من خلال ثلاثة محاور رئيسية، تشمل: صندوق الجاهزية لدعم إعداد الخطط الوطنية للجفاف، وآلية الاستثمار لتمويل مشروعات الصمود واسعة النطاق، وبنك المعرفة لتعزيز العلوم والبيانات والابتكار.

ومع انتقال الشراكة إلى مرحلتها التالية، تضع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) اللمسات الأخيرة على ترتيبات إنشاء صندوق ائتماني متعدد الشركاء قبيل انعقاد COP17، بما يسهم في تحويل الالتزامات إلى إجراءات عملية.

وقد بدأت الالتزامات السياسية بالفعل تتحول إلى استثمارات فعلية، حيث أعلن كل من البنك الإسلامي للتنمية وصندوق أوبك للتنمية الدولية عن تخصيص مليار دولار أمريكي لكل منهما، إضافة إلى التزام أوسع من مجموعة التنسيق العربية يصل إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030 لدعم تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف واستعادة الأراضي.

ومن أبرز نتائج المهمة توقيع مذكرة تفاهم بين اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر (MEGI)، وهي مبادرة إقليمية تتخذ من الرياض مقراً لها. وقد وقعت الدكتورة ياسمين فؤاد وسعادة المهندس إبراهيم بن محمد التركي، الأمين العام لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر، الاتفاقية لتعزيز التعاون في مجالات استعادة الأراضي، والإدارة المستدامة للأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف في منطقة الشرق الأوسط.

وتؤكد مذكرة التفاهم الالتزام المشترك بتسريع العمل الإقليمي وتحويل مخرجات COP16 إلى تعاون عملي وملموس في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

واستناداً إلى الزخم الذي تحقق من خلال مشاركة قادة الأعمال خلال COP16، تناولت المناقشات أيضاً سبل توسيع استثمارات القطاع الخاص في استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، بما يشمل تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع مشاركة الشركات من خلال منصة الأعمال من أجل الأراضي (Business for Land - B4L) التابعة للاتفاقية.

وتعكس هذه الجهود إدراكاً متزايداً بأن تدهور الأراضي وندرة المياه يؤثران بصورة متزايدة في معدلات التضخم، وأسعار الغذاء، والمالية العامة، وقرارات الاستثمار، بما يعزز مكانتهما كقضيتين اقتصاديتين استراتيجيتين بالنسبة للحكومات وقطاع الأعمال.

وتقدّر الاتفاقية أن الدول تحتاج إلى 355 مليار دولار أمريكي سنوياً لمعالجة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، في حين لا تتجاوز الاستثمارات الحالية 77 مليار دولار سنوياً، ما يترك فجوة تمويلية سنوية تبلغ 278 مليار دولار. ولا تمثل مساهمة القطاع الخاص سوى 6 في المائة من إجمالي التمويل الحالي، رغم تزايد تعرضه للمخاطر المرتبطة بالأراضي عبر قطاعات الزراعة، والبنية التحتية، والتمويل، وسلاسل الإمداد.

وقال أسامة إبراهيم فقيها، نائب وزير البيئة بوزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية: "لم يكن هدف استضافة المملكة لمؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) مجرد تنظيم حدث دولي، بل إحداث نقطة تحول تاريخية في الاهتمام العالمي بالتداعيات الخطيرة لتدهور الأراضي والجفاف. فقد مثل المؤتمر بداية التزام طويل الأمد لتسريع العمل العالمي في مجال استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف. وسنواصل العمل بشكل وثيق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وشركائنا الدوليين لضمان ترجمة النتائج المهمة التي تحققت في الرياض إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، تسهم في تحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بحياد تدهور الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف."

ومع إرساء الأسس الرئيسية في COP16 بالرياض، يُتوقع أن يشكل COP17 في منغوليا محطة مهمة للانتقال من الالتزامات السياسية إلى التنفيذ العملي، من خلال تسريع العمل في مجالات استعادة الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف، والنظم الغذائية المستدامة، والمراعي، وحشد التمويل اللازم لتنفيذ هذه الجهود على نطاق واسع.

وبالنسبة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وشركائها، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان العالم يستطيع تحمل تكلفة الاستثمار في استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود، بل ما إذا كان يستطيع تحمل تكلفة عدم الاستثمار.

ومع تحقيق كل دولار يُستثمر في الإدارة المستدامة للأراضي عائداً يتراوح بين 7 و30 دولاراً، فإن المبادرات التي انطلقت من COP16 في الرياض، بما في ذلك شراكة الرياض العالمية لتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف وتعزيز مشاركة القطاع الخاص عبر منصة Business for Land، دخلت الآن مرحلة التنفيذ. وتسهم هذه الجهود في بناء هيكل تمويلي عالمي جديد يحد من المخاطر النظامية، ويعزز الأمن الغذائي والأمن المائي، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار، ويؤكد أن استعادة الأراضي ليست مجرد ضرورة بيئية، بل واحدة من أذكى الاستثمارات التي يمكن للدول القيام بها لتحقيق الازدهار والقدرة على الصمود على المدى الطويل.