”الكشك” أكلة صعيدية تغزو الأسواق العالمية

مع بداية فصل الصيف، وبينما تستعد حقول القمح في قرى ونجوع مصر لموسم الحصاد الممتد من يونيو حتى أواخر أغسطس، تبدأ في محافظات الصعيد طقوس موسمية لا تقل أهمية عن الحصاد نفسه؛ إذ يحين موعد إعداد "الكشك" الصعيدي، ذلك الموروث الغذائي الذي ارتبط بالذاكرة المصرية لعقود طويلة، بوصفه غذاءً مدخراً وصناعة منزلية لا تكتمل إلا تحت شمس الصيف الحارقة.
وفي صعيد مصر، لا تُعد الأطعمة مجرد وسيلة لسد الجوع، بل تمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية، وعلاقة الإنسان بالأرض، ودورة الزراعة. ويأتي الكشك في مقدمة هذه الموروثات التي نجحت في الصمود أمام تغير أنماط الحياة، بل وتجاوزت حدود القرى المصرية لتغزو الأسواق العالمية.
يقول محمد سراج المقيم بكندا أنه فوجئ بوجود منتجات مصرية من مختلف أنواع الأغذية ومن بينها الكشك وذلك اثناء تسوقه بمتجر "Amira Grocery" في كندا ليشعر بسعادة بالغة بعد ان نادى على زوجته الكندية وأبنائه المولودين بكندا ليعرفهم على منتجات بلادة من الأطعمة التراثية التي حرص على تعليمها لزوجته ليصبح الكشك ضيف دائم على مائدتهم.
واضاف: ما أسعدني كثيرا ان أبنائي أحبوه كثيرا وبدأوا يعزمون عليه اصدقائهم باعتباره أكلة من التراث المصري وهي خطوة أشعرتني بتعزيز انتمائهم لوطنهم والتي حرص عليها كثير فتعزيز الانتماء الوطني يأتي من مختلف أنواع الثقافات والتي من بينها الثقافة الغذائية التي تفرض نفسها على الموائد العالمية والتي بدورها تسهم في تعزيز التقارب بين مختلف الشعوب.
من جانبه قال محمد ذكي الذي عمل في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية منذ عام 2018، إنه فوجئ خلال تسوقه داخل أحد المتاجر بوجود الكشك الصعيدي معروضاً للبيع لاشتريته على الفور، فقد أعادت لي رؤيته شعوراً بالحنين إلى الوطن وإلى قريتي، وكأنني عدت للحظات إلى بيت العائلة".
أما رمضان بكري، ابن مركز ملوي بمحافظة المنيا والمقيم في الكويت، فيؤكد أن رؤية الأكلات المصرية وتحديداً الصعيدية في المتاجر الإقليمية او العالمية تمنحه شعوراً بالفخر، قائلاً: "أشعر بالسعادة عندما أجد متاجر مخصصة للمنتجات المصرية وعلى رأسها الكشك الصعيدي، لأنه يذكرني دائماً بجذوري".
لم يكن "الكشك" الصعيدي يصل إلى الخارج عبر شركات التصدير فقط، بل حمله المصريون معهم في حقائب السفر، خاصة أبناء الصعيد الذين اعتادوا اصطحاب أكياس الكشك المجفف أينما ذهبوا.
وفي إحدى الأمسيات، يروي عتمان، أحد المصريين العاملين بالخارج، أنه شاهد رجلاً مسناً يقف أمام رفوف أحد المتاجر المخصصة للمنتجات المصرية، وينظر إلى أكياس الكشك وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وقال الرجل: "لقد أعادت لي رائحة طفولتي التي ظننت أنها لن تعود".
في تلك اللحظة، أدرك عتمان أن الكشك المصري ليس مجرد طعام، بل جسر من المشاعر يمتد من أزقة الصعيد الضيقة إلى مختلف أنحاء العالم.
ومع تزايد أعداد الجاليات المصرية والعربية بالخارج، بدأ الكشك الصعيدي يشق طريقه إلى المتاجر المتخصصة في المنتجات المصرية والعربية المنتشرة في أرجاء العالم.
ففي الإمارات العربية المتحدة، تقدم مطاعم مثل "كايرو 30" و"ابن حميدو" و"زاد بلادنا" الكشك الصعيدي ضمن قوائم الطعام، كما يبيع "متجر طيبة" في دبي وأبوظبي الكشك المصري إلى جانب العديد من المنتجات التراثية المصرية.
وفي كندا، يعرض متجر "Amira Grocery" منتجات غذائية مصرية متنوعة من بينها الكشك المصري.
فيما يوفر متجر "Super King Market" في ولاية كاليفورنيا الأمريكية تشكيلة واسعة من المنتجات المصرية والعربية، بينها الكشك الصعيدي.
كما أصبح الكشك متاحاً عبر العديد من المتاجر الإلكترونية المتخصصة في المنتجات الريفية على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التسوق، ومن بينها منصة "سيزما" ومتاجر إلكترونية متخصصة في الأغذية العربية، إلى جانب توفره في سلسلة متاجر "عبد الله العثيم" بالسعودية ضمن المنتجات التراثية المصرية.
ويؤكد أحد البائعين المتخصصين في بيع الكشك أن هذا الطعام المصري ما زال يحظى بإقبال كبير، ويصل سعر الكيلو إلى نحو 200 جنيه.
ويشير إلى أن ارتباط الكشك بالهوية والثقافة الشعبية يمثل السبب الرئيسي لاستمرار الإقبال عليه، فضلاً عن كونه منتجاً طبيعياً صالحاً للتخزين لفترات طويلة.
وفي سياق متصل يشتهر المطبخ المصري بالعديد من الأطباق التي نجحت في الوصول إلى العالمية، مثل الكشري والطعمية، فيما تمتد تقاليد الطهي المصرية إلى أكثر من خمسة آلاف عام منذ الحضارة الفرعونية.
وعلى مدار القرون، تأثرت مصر بالعديد من الحضارات، من اليونانيين والرومان والعرب والعثمانيين إلى الفرنسيين والبريطانيين، إلا أن المطبخ المصري احتفظ بخصوصيته، واستطاع أن ينقل أطباقه الشعبية إلى العالم، وكان الكشك أحد أبرز هذه الأطباق.
ومع تزايد الاهتمام بالمطابخ التقليدية، بدأ بعض الطهاة في فنادق ومطاعم عالمية الاستفادة من الكشك الصعيدي وإدخاله في وصفات حديثة، مدفوعين بحضور الجالية المصرية والتعريف المستمر بهذا المنتج التراثي.
تتنوع طرق تناول الكشك في الصعيد؛ فالبعض يفضله مع الشاي والحليب، بينما يحرص آخرون على تناوله محمراً مع البيض والسمن البلدي.
ولكل أسرة طريقتها الخاصة في إعداده؛ فهناك من يطهوه بالطماطم والبصل، فيما يكتفي آخرون بتناوله جافاً أو منقوعاً في الحليب.
ورغم اختلاف طرق تقديمه، يبقى الكشك واحداً من أبرز الأطعمة التراثية في صعيد مصر، ورمزاً لعلاقة الإنسان بالأرض ومواسمها، وواحداً من الأطباق التي نجحت في عبور الحدود الجغرافية لتتحول من غذاء ريفي بسيط إلى منتج يحمل نكهة مصر إلى موائد العالم.

