مها بسطاوي تكتب: حين يصبح القمح سؤالًا عن السيادة الاقتصادية

أثار الخبير الاقتصادي هاني توفيق جدلًا واسعًا عندما تساءل: «القمح الذي ندفع ثمنه للإمارات مزروع في أرضنا، ومياهه من نيلنا، والفلاحون مصريون، فما الذي قدمته الإمارات مقابل هذا القمح؟». هذا السؤال في ظاهره بسيط، لكنه يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مفهوم الاستثمار الزراعي، وكيفية إدارة الموارد الاستراتيجية، وحدود العلاقة بين الدولة والمستثمر.
فمن المعروف أن شركة "الظاهرة الإماراتية" تزرع القمح داخل مصر في أراضي حصلت عليها ضمن مشروعات للاستصلاح الزراعي، ثم قامت خلال موسم 2025 بتوريد كامل إنتاجها للحكومة المصرية وفق السعر المحلي المعلن، بعد أن بلغ إنتاجها نحو 40 ألف طن. كما ترتبط مصر والإمارات باتفاقية تمويل لشراء القمح بقيمة 500 مليون دولار على عدة سنوات.
لكن الجدل لا يتعلق بمجرد شراء القمح، بل بالسؤال عن القيمة المضافة التي يحصل عليها الاقتصاد المصري. فإذا كانت الأرض مصرية، والمياه مصرية، والعمالة مصرية، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: ماذا أضاف المستثمر؟ هل وفر رؤوس أموال ضخمة؟ هل أدخل تكنولوجيا زراعية حديثة؟ هل ساهم في استصلاح أراضٍ لم تكن الدولة قادرة على استغلالها؟ أم أن المكسب الأكبر يذهب إلى المستثمر بينما تتحمل الدولة تكلفة الموارد الأساسية؟
يرى المدافعون أن الاستثمار لا يقتصر على امتلاك الأرض، بل يشمل ضخ التمويل، وتحمل المخاطر، وتوفير المعدات الحديثة، وإدارة العمليات الزراعية، وهو غالبًا ما لا تستطيع الدولة القيام به منفردة في جميع المشروعات. وبالتالي فإن المستثمر لا يبيع "قمحًا مصريًا" فقط، بل يبيع استثمارًا ورأس مال وإدارة وإنتاجًا تم تمويله على نفقته.
لكن علينا أن ننتبه أن هذا الدفاع لا يلغي أهمية الشفافية. فالمواطن من حقه أن يعرف شروط التعاقد، وسعر الأرض، وحقوق الدولة، وكيفية تسعير القمح، وما إذا كانت هذه الاتفاقيات تحقق بالفعل أفضل عائد للاقتصاد المصري مقارنة ببدائل أخرى.
وفي النهاية، فإن القضية ليست خلافًا مع دولة بعينها، وإنما نقاش مشروع حول إدارة الموارد الوطنية. فالأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية زراعية، بل أصبح قضية أمن قومي. وكلما زادت الشفافية في عقود الاستثمار، ووضحت المكاسب المتبادلة، تراجع الجدل، وزادت ثقة المواطنين في أن ثروات بلادهم تُدار بما يحقق المصلحة العامة.

