الخيال والمخايل في افتتاح مهرجان خيال الظل الأول.. «ومضة» تستعيد سحر التراث من خلف الشاشة
افتُتحت، يوم الأربعاء 22 يوليو، فعاليات مهرجان «خيال الظل الأول»، الذي تنظمه فرقة «ومضة» بالتعاون مع بيت السناري، تحت عنوان «مسرح النموذج الحضاري»، في احتفاء بفن خيال الظل باعتباره أحد أبرز الفنون التراثية التي تحمل ملامح من الهوية الثقافية المصرية والعربية، وتسعى إلى استعادة حضوره وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.
وشهد اليوم الأول افتتاح معرض استعادي لدمى خيال الظل، للفنان محمد رايق، ضم نماذج متنوعة من الدمى، بعضها يعود إلى قرون مضت، إلى جانب نماذج حديثة، في استعراض بصري لمسيرة هذا الفن وتحولاته عبر الزمن.
وعقب افتتاح المعرض، قُدم عرض «التمساح»، وهو استعادة لبابة «التمساح» الشهيرة التي ظلت تُقدم على مدار قرون، مع تحديثها بما يتناسب مع روح كل عصر. وشارك في بطولة العرض فنانو خيال الظل علي أبو زيد سليمان، ومصطفى الصباغ، ومحمود السيد، وصلاح بهجت، فيما أعد العرض وأخرجه الدكتور نبيل بهجت.
وجاءت ندوة الافتتاح تحت عنوان «الخيال والمخايل»، وتحدثت خلالها الدكتورة نجوى عانوس عن مفهوم الخيال وعلاقته بالحضارة المصرية القديمة، مؤكدة تفرد المبدع المصري ووعيه المبكر بأهمية الخيال ودوره في تشكيل الوعي والإبداع.
كما تحدث الدكتور فهر محمود شاكر عن مفهوم الخيال في الأدب العربي، موضحًا أنه كان محورًا أساسيًا في الشعر العربي، وامتد تأثيره إلى الفكر والفلسفة الصوفية، كما يظهر لدى ابن الفارض وابن عربي، مؤكدًا أن مفهوم الخيال كان ولا يزال من المفاهيم المحورية في الأدب العربي والفكر الإنساني.
وشارك في الندوة أيضًا الدكتور إبراهيم سلام والفنان محمد رايق، حيث استعرضا تجربتهما في العمل مع فرقة «ومضة» وما ارتبط بها من خبرات وتجارب في مجال إحياء فنون خيال الظل. وعلى هامش الندوة، جرى تكريم الدكتورة نجوى عانوس تقديرًا لجهودها في حفظ التراث.
شهادات المخايلين
وتحولت شهادات أعضاء فرقة «ومضة» إلى تجربة حية تستعرض خبرات «المخايل» ودوره في صناعة العرض، حيث تحدث الفنان علي أبو زيد عن علاقته بخيال الظل، مؤكدًا أن تجربته معه لم تكن فنية فحسب، بل كانت تجربة إنسانية ووطنية عززت لديه الشعور بالانتماء إلى وطن يمتلك تاريخًا وثقافة عريقين، وشعبًا مبدعًا بالفطرة.
وأضاف أن خيال الظل فتح أمام الفرقة أبواب العالم، واستُقبل هذا الفن بحفاوة كبيرة، وهو ما جعل الاستمرار فيه، من وجهة نظره، مسؤولية للحفاظ عليه وإبقائه حيًا في الثقافة المصرية والعربية. ووصف خيال الظل بأنه يمتلك سحرًا خاصًا، يمنح المخايل إحساسًا بأنه يمتلك مفاتيح عالم لا يعرف الكثيرون أسراره، مشيرًا إلى مشهد الدهشة الذي يظهر في عيون الجمهور منذ إضاءة الشاشة وظهور المناظر، وحتى نهاية العرض، عندما يقترب بعض المشاهدين خلف الشاشة بحثًا عن سر ما شاهدوه.
وأوضح أن المخايل مطالب بإتقان جميع تفاصيل العرض، بدءًا من تصنيع العرائس والشاشة، مرورًا بتنفيذ الإضاءة، وصولًا إلى مختلف العناصر الفنية والتقنية. وأشار إلى أن رحلته مع خيال الظل بدأت منذ أكثر من عشرين عامًا، من خلال ورشة تدريبية قادها وأشرف عليها الدكتور نبيل بهجت، وضمت عددًا من كبار المتخصصين في هذا الفن، مؤكدًا أن تلك التجربة أتاحت لهم التعرف على «كنوز بشرية حية» نهلوا من خبراتها ومعارفها.
وأكد علي أبو زيد أن فرقة «ومضة» مثلت بالنسبة إليه مدرسة وقلعة وحصنًا لحماية هذا الفن، وجمعت بين الخبرة الفنية والأكاديمية، مشيرًا إلى أن معظم ذكرياته تشكلت خلف الشاشة، حيث عاش لحظات الإبداع في تلك المساحة الصغيرة التي تصنع الدهشة أمام الجمهور، معبرًا عن سعادته باختياره هذا الطريق للتعبير والإبداع وحمل ملامح الوطن وتفاصيله.
من جانبه، قال الفنان مصطفى عبد العزيز الصباغ؛ إن لقب «المخايل» هو الأقرب إلى قلبه، مُوضحًا أنه رغم تخرجه في قسم المسرح، فإنه ارتبط منذ البداية بفن خيال الظل ومارسه خلال سنوات دراسته، مُشيرًا إلى أن محاضرات الدكتور نبيل بهجت وورش العمل التي التقى خلالها بكبار المُبدعين فتحت أمامه آفاقًا جديدة للتعبير، ومنذ ذلك الوقت أصبح الخيال جزءًا أساسيًا من حياته، مُؤكدًا أن المخايل يحتاج إلى مجموعة من المهارات، من بينها التحكم في الصوت ودرجاته، والقدرة على الغناء والارتجال، وأحيانًا التأليف، مشيرًا إلى أن صوت المخايل يترك بصمته في ذاكرة الجمهور، الذي قد يتعرف إلى الفنان من صوته قبل أن يعرف ملامحه.
وأكد الصباغ، أن العمل الجماعي والانسجام بين أعضاء الفريق من أهم مقومات نجاح المخايل، مشيرًا إلى مشاركته في معظم عروض «ومضة» التي انشغلت بالتأصيل لفني خيال الظل والأراجوز من الناحيتين الأكاديمية والفنية، والعمل على استعادتهما بكل السبل.
وأضاف الصباغ، أن تنمية مهارات المخايل تقوم على العمل الجماعي والالتزام بمشروع ومنهج الفريق، مشيرًا إلى أن فرقة «ومضة» استطاعت على مدار السنوات الماضية أن تصبح الفرقة المتخصصة في هذا المجال، وأن تنقل فنًا محليًا إلى آفاق العالمية، لتقدم نموذجًا في الإنتاج الفني والثقافي. وأكد أن «ومضة» لم تكن مجرد فرقة، بل تجربة لاستعادة الفن وإحيائه ومنحه حياة جديدة.
وأشار الصباغ، إلى أنه استلهم مؤخرًا بعض نماذج خيال الظل وأساليبه في عمل معرض مستوحى من تصميم دمى خيال الظل، إلى جانب إنتاج عروض حكي قصيرة للأطفال تعتمد على هذا الفن، مؤكدًا أن للمخايل عوالمه السحرية التي يدخلها بمجرد إضاءة الشاشة، لتتحول مدة العرض إلى حياة سرية ينتقل خلالها من العالم الواقعي إلى عالم الخيال والسحر والبهجة والابتسامة.
بدوره، أكد الفنان محمود سيد حنفي، أن انضمامه إلى فرقة «ومضة» لعروض خيال الظل والأراجوز، التي أسسها الدكتور نبيل بهجت للحفاظ على هذه الفنون التراثية من الاندثار، يمثل محطة مهمة في حياته، وبداية لشغف متجدد ترسخ لديه منذ طفولته، عندما كان يتابع عروض مولد السيدة زينب، باعتباره أحد أبناء هذا الحي المفعم بمظاهر الحياة المصرية الأصيلة.
وأوضح حنفي، أن هذه الفنون كانت من أبرز ما يقدم في المولد، وكان ينتظرها عامًا بعد عام، وهو ما دفعه إلى دراسة التمثيل والإخراج بجامعة حلوان. وأضاف أن ورش وعروض فرقة «ومضة» فتحت أمامه الطريق إلى عوالم الفرقة، وساعدته على تجاوز الصعوبات المرتبطة بفن الدمى، الذي يستغني فيه الممثل عن أدواته التقليدية من الإيماءات والإشارات وتعبيرات الوجه والجسد، ليعبر بدلًا من ذلك من خلال حركة العروسة والصوت.
وأشار حنفي، إلى أن تنوع أعضاء الفرقة، بين فنانين شعبيين ومتخصصين أكاديميًا، ساعد على تقديم موضوعات متنوعة بخيال الظل، شملت التراثي القديم والتربوي والفانتازيا والاجتماعي والسياسي، إلى جانب التعاون مع فرق أجنبية من الصين والولايات المتحدة وإيطاليا والمكسيك وغيرها، وأضاف أن الفرقة تعاونت مع فنانين من مختلف دول العالم، وقدمت عروضًا وورشًا في أكثر من 30 دولة، إلى جانب عروضها في الشوارع والحدائق والمدارس والمكتبات والمراكز الثقافية والقرى بمختلف محافظات مصر، فضلًا عن الأكاديميات والجامعات والمسارح ودار الأوبرا وغيرها من المواقع، مؤكدًا أن الفرقة مثلت مصر في العديد من المحافل الدولية.
واختتم محمود سيد حنفي شهادته بالتأكيد على أن المخايل فنان شامل يرتكز عليه عرض خيال الظل، موضحًا أن ما يجري خلف الشاشة هو حالة من التناغم بين أيادي المخايلين وحركة العروسة، حيث تنشأ لغة خاصة وحياة مختلفة تصنع التواصل، وهي لغة يخلقها الإبداع والحب.
أما الفنان صلاح بهجت، فقال؛ إن أول ما يدركه الإنسان من ذاته هو ظله، ذلك «الآخر المطروح منه»، مؤكدًا أن الظل عالم وسحر وحياة. وأشار إلى أن علاقته بخيال الظل بدأت مع انطلاق فرقة «ومضة» وعروضها التجريبية في الأزقة والحارات، ثم عبر ورش التكوين المتعاقبة التي أسهمت في إعداد كوادرها على مر الأجيال.
وأوضح صلاح بهجت، أن «ومضة» بدأت حلمًا لدى مؤسسها يؤكد أن لدى المصريين ما يستطيع أن يعبر عنهم، ثم تحولت إلى مدرسة تفتح أبوابها لكل من يريد أن يتعلم هذا الفن من مختلف الجنسيات. وأضاف أن المخايل، عندما يقف خلف الشاشة، تتعدد مسؤولياته بين الأصوات والحركات والهمهمات، لتخرج مع الضوء لوحات تمثيلية يغيب عنها الممثل ويحضر ظل الدمى.
وأكد صلاج بهجت، أن على المخايل أن يعرف جميع أسرار العرض، وأن يكون قادرًا على التعامل مع أي طارئ، حتى إذا تمزقت إحدى العرائس أثناء العرض، مشيرًا إلى أن المخايل يؤدي أدوارًا متعددة تصب جميعها في صالح العرض، الذي يشبه مباراة تتحرك فيها كل العناصر وتنتفض من سكونها، ثم تعود إلى حالتها الأولى بعد انتهاء العرض، وأضاف أن الخيال يمنح الفنان فرصة للاختباء خلف الستار، ليضحك ويلعب ويقول ما يريد، مؤكدًا أنها «حياة غير الحياة»، وأن المخايل بمجرد أن يلمس الدمى يصبح شخصًا مختلفًا، ويتحول إلى الدمية نفسها، سواء كانت طفلًا أو رجلًا أو مسنًا أو حيوانًا.
وأشار صلاح بهجت، إلى أن خيال الظل منح الفرقة مساحات واسعة من الإبداع لاكتشاف مناطق جديدة داخل الفن والحياة والوجود، وفتح أمامها أبواب العالم، مؤكدًا أنهم قدموا هذا الفن في العديد من الدول، وأسهموا في إعادة الحياة إليه، ليصنع بدوره حياة جديدة لهم ولجمهوره، مُؤكدًا أن للمخايل أدواته ورؤيته وفلسفته التي تجعله مؤثرًا رغم اختفائه خلف الشاشة، مشيرًا إلى أنه يجد سعادته في الأثر الذي يتركه على وجوه الكبار والصغار، من ضحكات وأفكار وأسئلة، مختتمًا بأن الخيال فلسفة للوجود ومنطق للحياة وصحبة للأمل.
النموذج الحضاري
وفي ختام فعاليات اليوم الأول، أكد الدكتور نبيل بهجت، مدير ومُؤسس المهرجان، على أهمية مفهوم «النموذج الحضاري»، مُشيرًا إلى أن الصراع الأساسي في العالم هو صراع تثبيت النموذج، ومن ثم تأتي أهمية الاحتفاء بالنماذج الخاصة بكل مجتمع والاحتفال بها.
ودعا إلى الخروج من لحظة الهزيمة إلى الإبداع والتألق، محذرًا من التقليد الأعمى، حتى لا ينطبق على الواقع قول ابن خلدون: «المهزوم مولع بتقليد الغالب»، مُؤكدًا أن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بالانطلاق من تراثنا، لا من تراث الآخرين، مشددًا على أن مصر تمتلك من الفنون والثقافة والإبداع ما يستطيع أن يعبر عنها وعن هويتها، مؤكدًا: «فإن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا».

