جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

وفاء أبو السعود تكتب: حروف مبعثرة وعزف منفرد

وفاء
-

خلق الله آدم ليعيش على الأرض ويعمرها، وجعل له حرية الاختيار ليكون هناك ثواب وعقاب. ولما كان آدم لا يستطيع العيش بمفرده، خلق الله له حواء لتكون جزءًا لا يتجزأ منه، فقد خلقها الله منه وله، وجعل منهما خلقًا بعد خلق، ليكونوا شعوبًا وقبائل.

ولو كانت لآدم القدرة على أن يعيش وحده أو يعمر الأرض بمفرده، ما كانت هناك ضرورة لخلق حواء، فقد كانت اللبنة الأولى في الحياة لتجسيد معنى المشاركة والتكامل وصناعة الحياة كما أرادها الله.

ولو كانت قدرة الإنسان تمكنه من العيش منفردًا، لخلق الله لكل منا عالمه الخاص بقدرته التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.

وتتكون اللغة العربية من ثمانية وعشرين حرفًا، لكل منها هيئة وشكل ونطق خاص به، إلا أنه لا يحمل أي دلالة أو معنى إذا كان منفردًا. ولا تصبح للحروف قيمة أو مدلول إلا إذا اقترنت بحروف أخرى، زادت أو قلت، ولو بحرف واحد، لتمنح الكلمة معنى.

فالحرف الواحد يصبح بلا قيمة أو مضمون أو مردود، في إشارة إلى معنى كبير ننساه أو نتناساه، وهو ضرورة التكامل وأهميته.

وكذلك لا يمكن العزف على وتر واحد طوال الوقت ليصنع لحنًا يؤثر في الوجدان ويتغنى به الإنسان.

ورغم ما وصل إليه العالم الآن من حضارة وتقدم تكنولوجي يسعى دائمًا إلى الاستغناء عن العنصر البشري بأي شكل كان، ومهما كانت مكانة ذلك الآخر، فإن فطرة الإنسان جُبلت على عدم القدرة على العيش وحيدًا منفردًا.

ومع ذلك، لا يعي الإنسان معنى وجوده وحاجته إلى الآخر لصناعة الحياة.

فالعمل ضمن فريق واحد فكر غائب انتظرناه كثيرًا، إلا أنه قد يكون صعب المنال في جو من الأنانية والانفرادية والرغبة في إثبات الذات، وتسفيه فكر الآخر، والنيل منه بكل ما أوتينا من قوة، إما لغياب الفهم الحقيقي للنجاح، أو لقلة الوعي.

وهذا هو سر إخفاق كثير من الشعوب.

فلا يوجد إنسان عالم بكل تفاصيل الأمر الواحد، ولا يوجد من هو بكل شيء عليم سوى الخالق سبحانه وتعالى.

والتكامل سنة كونية لا يستطيع عاقل إغفالها، إلا إذا كان لديه من النرجسية ما يجعله يشعر بالاكتفاء بنفسه والاستغناء عمن حوله، والحقيقة أنه لن يستطيع العيش بمفرده مهما ظن ذلك.

وقد سخر الله كل منا للآخر، سواء استشعرنا هذا المعنى أم لم نستشعره، لتسير الحياة ويسير كل حي في ذلك الركب.

فلنعِ ونستوعب الغرض من خلق الإنسان، ونسلم بأهمية كل منا للآخر، مهما كبر شأنه أو صغر.

إلا أنه أصبح يتأصل داخل الكثيرين منا قدر من المشاعر السلبية التي تسيطر على الفكر والتصرفات.

متى تستوعب بعض العقول فكرة العمل ضمن فريق لا العمل بشكل انفرادي؟

متى تدرك أن عليك القيام بجزء من المهمة، ليقوم الآخر باستكمال ما بدأته، ثم يأتي ثالث ليستكمل ما بدأه الأول والثاني؟

على أن يكون هناك قائد ومايسترو قادر على توزيع الأدوار بكفاءة وعدالة وحيادية.

فحياة بلا تخطيط، بلا تنظيم، بلا رسم للخطوات، بلا توزيع للأدوار، بلا تكامل أو تتابع، بلا رقابة، بلا تقييم، بلا مراجعة للسلبيات ومحاولة تلافيها، ولا تحديد للإيجابيات والعمل على تطويرها، حياة عشوائية لا ترقي بمستوى الأداء ولا تحقق اي نتائج.

بل إننا كثيرًا ما نغفل الفكرة الأساسية التي خُلق الإنسان من أجلها، وهي المشاركة والتكامل.

فمن يمتلك فكرًا ورؤية تجد البعض يتسارعون إلى الابتعاد عنه، خشية أن يظهر ما لديهم من قصور أو نقص، وهو ما يعد أحد الأسباب الرئيسية للوضع الحالي، حيث يتم تهميش الكثير من العقول الواعية.

كما أن بعض العقول لا تستوعب أن هناك إدارة للأمور مهما صغر حجمها أو كبر، بل أصبح من يرى عكس ذلك شخصًا مختلفًا وغريبًا في نظرهم، وربما وصفوه بالتعقيد، رغم أنه اختار الطريق الأصعب لتصحيح المسار، بينما كان الأسهل أن تسير الأمور بعشوائية.

ولو تجمعت القلوب، وتوحد الهدف لدى الشخصية المصرية، لكنا في مصاف الدول الكبرى، بل في مقدمتها، فنحن نملك ما لا يملكه الآخرون، حتى وإن كان هناك نقص في بعض الموارد والإمكانات.

إنها دعوة للعودة إلى القيم، والعودة إلى الإنسانية، والعودة إلى الحياة بحق.

حياة يملؤها السلام والحب والرحمة، على قلب كل مصري، وكل ضمير يقظ، وكل روح تجاهد وتضحي من أجل الآخر، ومن أجل صناعة الحياة، وصناعة الأمل، وصناعة المستقبل.

أن يعي الإنسان سبب خلقه ووجوده، فالحب والخير والعمل والترابط والتكامل والأخوة والإنسانية هي التي تصنع الحياة وتقيم الحضارات