جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

مها بسطاوي تكتب: ”كل متوقع آت”... لكن الحياة لا تأتي دائمًا كما نرسمها

-

في مثل هذه الأيام، لا تكاد تخلو أسرة من حالة ترقب، هواتف لا تفارق الأيدي، وأحاديث لا تنتهي عن موعد إعلان النتيجة، وآمال تتزاحم في القلوب، وأسئلة لا يكف العقل عن تكرارها: *ماذا لو حصلت على المجموع الذي أريده؟ ماذا لو لم أصل إلى الكلية التي حلمت بها؟ ماذا سيحدث بعد التنسيق؟ وهل تتغير حياتي كلها برقم يُكتب في شهادة؟*

وسط هذا الضجيج، تتردد في الذهن مقولة تنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " *كل متوقع آت."*

وهنا قد يتعجل البعض فهمها، فيظن أنها وعد بأن كل ما يتمناه الإنسان سيحصل عليه، بينما الحياة نفسها تكشف لنا أن المعنى أعمق وأوسع من ذلك بكثير. فليس كل ما نتوقعه يأتي بالصورة التي رسمناها، لكن كل ما قدره الله لنا سيأتي في موعده، وسيحمل معه من الحكمة ما قد لا تدركه أعيننا في البداية.

طلاب الثانوية العامة يقفون اليوم على عتبة مرحلة جديدة، سنوات من التعب والسهر والقلق انتهت، ولم يبق إلا انتظار النتيجة، ثم رحلة التنسيق، ثم اختيار الطريق. وفي مثل هذه اللحظات يكون الخوف أكبر من أي وقت مضى، لأن الإنسان بطبيعته يريد أن يعرف المستقبل قبل أن يعيشه.

لكن الحقيقة التي يعلمنا إياها العمر، ولا تعلمها الكتب، أن المستقبل لا يصنعه مجموع فقط، ولا تحدده كلية وحدها، ولا يختصره تنسيق إلكتروني ينتهي في دقائق. فكم من طالب ظن أن عدم التحاقه بكلية معينة هو نهاية أحلامه، ثم اكتشف بعد سنوات أن تلك اللحظة التي بكى فيها كانت بداية أجمل ما حدث في حياته.

لسنا نقلل من قيمة الاجتهاد، ولا من أهمية النجاح، ولا من فرحة الوصول إلى الكلية التي يحلم بها الطالب، فهذه أمنيات مشروعة، ومن حق كل مجتهد أن يفرح بثمرة تعبه. لكن المشكلة تبدأ عندما نحصر المستقبل كله في باب واحد، فإذا أغلق، ظننا أن الحياة انتهت.

الحياة لا تسير في خط مستقيم كما نتخيل ونحن في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر. إنها مليئة بالمنعطفات، والمفاجآت، والطرق التي لم تكن على الخريطة أصلًا. وربما يكون الطريق الذي لم تختره أنت، هو الطريق الذي اختاره الله ليخرج أفضل ما فيك.

كم من طبيب تمنى أن يكون مهندسًا، وكم من مهندس كان يحلم بالإعلام، وكم من أستاذ جامعي بدأ حياته في كلية لم تكن خياره الأول. والأعجب من ذلك أن كثيرًا من أصحاب الإنجازات الكبرى يعترفون بأن نقطة التحول في حياتهم جاءت بعد خيبة ظنوها يومًا نهاية العالم.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله طالب بنفسه بعد إعلان النتيجة هو أن يربط قيمته الإنسانية برقم، أو يربط مستقبله باسم كلية. فالدرجات تقيس أداء الإنسان في امتحان، لكنها لا تقيس ذكاءه كله، ولا أخلاقه، ولا قدرته على التعلم، ولا عزيمته، ولا شخصيته، ولا ما يستطيع أن يحققه بعد عشر سنوات.

إننا نعيش في زمن تغيرت فيه معايير النجاح. لم تعد الشهادة وحدها تصنع المستقبل، كما لم يعد اسم الكلية وحده يضمن التميز. الذي يصنع الفارق حقًا هو الإنسان نفسه؛ بعلمه، وانضباطه، وإصراره، وقدرته على التعلم المستمر، واستعداده لأن يبدأ من جديد إذا اضطر إلى ذلك.

ولعل أصعب درس يتعلمه الإنسان في حياته هو أن الخير ليس دائمًا فيما يختاره لنفسه، وإنما فيما يختاره الله له. لذلك قال تعالى: *﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾* . الآية ليست دعوة إلى ترك السعي، وإنما دعوة إلى الاطمئنان بعد السعي، وإلى الرضا بعد بذل الجهد.

إن انتظار النتيجة لا ينبغي أن يتحول إلى انتظار للحكم على الحياة كلها. فالنتيجة ستظهر، والتنسيق سينتهي، وستبدأ الدراسة الجامعية، ثم تأتي سنوات العمل، ثم تفتح الحياة أبوابًا جديدة لم تكن تتخيلها. وما يبدو اليوم نهاية الطريق، قد يصبح بعد سنوات مجرد ذكرى صغيرة في بداية رحلة طويلة.

إلى كل طالب يشعر الآن بأن قلبه معلق بشاشة تظهر عليها اسمه ومجموعه، لا تجعل الخوف يسرق منك السلام، ولا تجعل القلق يحرمك من الثقة بالله. لقد فعلت ما عليك، وبذلت جهدك، وما بقي ليس في يدك، وإنما في يد الله وحده.

وإذا جاءت النتيجة كما تمنيت، فاحمد الله، واعلم أن النعمة تحتاج إلى شكر يحفظها. وإن جاءت أقل مما أردت، فلا تسمح للحزن أن يقنعك بأن الطريق انتهى. ربما لم تحصل على ما تمنيته، لكنك قد تصل إلى ما هو أصلح لك، وإن لم تدرك ذلك اليوم.

وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للمقولة: " *كل متوقع آت* ." نعم، سيأتي يوم النتيجة، وسيأتي يوم التنسيق، وسيأتي يوم دخول الجامعة، وستأتي بعده أيام نجاح وأخرى تعثر، وأيام فرح وأخرى اختبار. فالحياة لا تتوقف عند محطة واحدة، ولا تختصر في شهادة، ولا تختزل في كلية.

أما العبرة التي ينبغي أن تبقى في أذهان شبابنا، فهي أن الإنسان لا يقاس بما فاته، وإنما بما صنعه بعد ذلك. وأن الأبواب التي تغلقها الأقدار قد تكون حماية، وأن الأبواب التي تفتحها قد تكون رسالة، وأن الله إذا أخذ منك طريقًا، فقد يهيئ لك طريقًا آخر لم تكن لتلتفت إليه أبدًا.

فاستقبلوا أيامكم القادمة بقلوب مطمئنة، واعلموا أن السعي لا يضيع، وأن الرضا لا يمنع الطموح، وأن الإيمان لا يلغي العمل. وثقوا أن الله إذا كتب لكم خيرًا، فسيأتيكم في وقته، وربما في صورة أجمل مما رسمتم، أو في طريق لم يخطر لكم على بال.

فليس المهم أن تأتي الحياة كما أردنا، وإنما أن نملك الإيمان الكافي لنحسن السير عندما تأتي كما أراد الله.