الصحة النفسية تنهار في إسرائيل.. 143 ألفا بين الإهمال وقوائم الانتظار

كشفت بيانات رسمية ودراسة حديثة عن أزمة متفاقمة في منظومة الصحة النفسية في إسرائيل، حيث يحصل نحو ١٤٣ ألف شخص على معاشات إعاقة بسبب اضطرابات أو أمراض نفسية، بينما لا يصل الدعم التأهيلي الذي يفترض أن يساعدهم على استعادة حياتهم والاندماج في المجتمع إلا إلى نسبة محدودة منهم، وذلك وفقا لتقرير لصحيفة يديعوت احرونوت.
وبحسب بيانات حصلت عليها جمعية «121» عبر طلبات حرية المعلومات، بلغ عدد متلقي معاش الإعاقة النفسية في إسرائيل عام 2024 نحو 143 ألف شخص، إلا أن 40.7 ألفًا فقط استفادوا فعليًا من خدمات «سلة إعادة التأهيل»، أي نحو 28.4% من إجمالي المستحقين.
ولا تتوقف المشكلة عند انخفاض نسبة الاستفادة، إذ تكشف البيانات أن نحو 49% من المستفيدين انتظروا أكثر من 60 يومًا بعد حصولهم على الموافقة قبل بدء تلقي الخدمات، بينما لم يحصل 22% على الخدمة حتى بعد مرور ستة أشهر، وهي الفترة التي تكون خلالها الموافقة سارية.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول قدرة منظومة الصحة النفسية الإسرائيلية على تحويل الحق القانوني في إعادة التأهيل إلى خدمة فعلية تصل إلى المرضى في الوقت المناسب.
بيروقراطية وقوائم انتظار
«سلة إعادة التأهيل» يفترض أن تساعد الأشخاص الذين يعانون من إعاقة نفسية على العودة إلى الحياة الطبيعية والاندماج في المجتمع.
وتشمل الخدمات المساعدة في السكن والعمل والتعليم والأنشطة الاجتماعية والترفيهية، إلى جانب الدعم اليومي وتنسيق الرعاية.
لكن الوصول إلى هذه الخدمات يمر بسلسلة طويلة من الإجراءات.
وتشير التقارير ان الشخص الذي لا يريد الانتظار لفترات طويلة قد يضطر إلى الاستعانة بمنسق رعاية خاص لإعداد التقارير والخطة التأهيلية وتعبئة الطلبات، بتكلفة قد تتجاوز 1000 شيكل.
وبعد تقديم الطلب والمثول أمام اللجنة المختصة، قد تبدأ مرحلة انتظار جديدة للحصول على الخدمة نفسها.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب اعتماد جزء كبير من خدمات التأهيل على جمعيات وشركات خاصة، في ظل نقص العاملين في مجالات مثل الخدمة الاجتماعية والإرشاد والمرافقة.
وبحسب شهادات المستفيدين، فإن نقص الكوادر يؤدي إلى قوائم انتظار طويلة، ما يجعل بعض المرضى يتراجعون عن المطالبة بالخدمة أو يفقدون استحقاقهم قبل أن يتمكنوا من استخدامها.
عندما يتحول الانتظار إلى عائق أمام العلاج
تؤكد الدكتورة ريوت دراي دايموند، الباحثة في السياسات بجمعية «121»، أن المرضى يواجهون عوائق كبيرة منذ اللحظة الأولى التي يحاولون فيها الوصول إلى خدمات التأهيل.
وتشير إلى أن كثيرًا من المستحقين لا يعرفون أصلًا أنهم مؤهلون للحصول على الخدمة، بينما يُطلب من الشخص الذي يمر بأزمة نفسية إعداد «خطة إعادة تأهيل شخصية» كجزء من إجراءات التقديم.
وترى الباحثة أن هذا الأمر يمثل مفارقة واضحة، إذ إن الشخص الذي يمر بأزمة شديدة قد يكون في أمسّ الحاجة إلى مساعدة مهنية حتى يتمكن من تحديد احتياجاته، بدلًا من تحميله مسؤولية إعداد خطة تأهيل بمفرده.
كما تشير إلى أن صناديق التأمين الصحي بدأت خلال السنوات الأخيرة في تقديم المساعدة للمرضى في إعداد الطلبات، لكن متوسط الانتظار لهذه المساعدة يصل إلى عام كامل.
والنتيجة، بحسب الباحثة، أن بعض الأشخاص «ييأسون ويتخلون في النهاية عن الخدمات التي يستحقونها».
موافقة لمدة 6 أشهر.. وانتظار قد يستغرق سنوات
توجد مشكلة أخرى في النظام تتمثل في مدة صلاحية موافقة لجنة التأهيل، والتي تبلغ ستة أشهر.
فإذا حصل المريض على الموافقة لكنه لم يتمكن من بدء الخدمة خلال هذه الفترة بسبب قوائم الانتظار أو عدم العثور على مقدم الخدمة المناسب، فقد تنتهي صلاحية استحقاقه.
وترى جمعية «121» أن الحل يكمن في وجود «مدير حالة» يتولى مرافقة المريض طوال الرحلة، بدءًا من إعداد خطة التأهيل، مرورًا بالإجراءات الرسمية، ووصولًا إلى إيجاد مقدم الخدمة المناسب والتنسيق بين الجهات المختلفة.
وتقول الدكتورة دراي دايموند إن الحاجة إلى خدمات التأهيل في ازدياد واضح، مشيرة إلى أن عدد المتقدمين للحصول على الخدمة ارتفع من نحو 23 ألف شخص عام 2015 إلى نحو 40 ألفًا عام 2024.
نقص الكوادر.. أزمة داخل الأزمة
لكن تطوير خدمات التأهيل يصطدم بعائق آخر يتمثل في نقص العاملين.
وتؤكد جمعية «121» أن الأجور وظروف العمل لا تزال غير كافية لجذب العدد المطلوب من الأخصائيين الاجتماعيين والمرشدين والمرافقين.
وترى الجمعية أن زيادة التمويل ورفع الأجور وتحسين ظروف العمل أصبحت ضرورية لضمان وجود كوادر قادرة على تقديم خدمات التأهيل للعدد المتزايد من المستحقين.
أزمة تتجاوز الأرقام
تكشف هذه البيانات عن فجوة واضحة بين الاستحقاق القانوني والخدمة الفعلية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم، وإنما في قدرتهم على الوصول إليه قبل أن تتحول قوائم الانتظار والإجراءات المعقدة ونقص العاملين إلى حواجز جديدة أمام التعافي.
وبينما تؤكد وزارة الصحة الإسرائيلية أنها تضخ مليارات الشواكل وتعمل على إصلاح المنظومة، تشير بيانات المجتمع المدني وتجارب المرضى إلى أن آلاف المستحقين لا يزالون عالقين بين الموافقات والإجراءات وقوائم الانتظار.

