النينيو يرفع راية الخطر.. هل صيف 2026 مجرد بداية لحرارة أشد؟

لم يكن صيف 2026 بحاجة إلى مزيد من العناوين الساخنة حرائق تلتهم مساحات واسعة، وموجات حر تضرب مناطق متفرقة، ودرجات حرارة تتجاوز الأرقام القياسية، فيما تسجل مياه المحيطات مستويات غير مسبوقة من الدفء.
وفي خضم هذه الصورة المقلقة، بدأت ظاهرة مناخية طبيعية في المحيط الهادئ تلفت أنظار العلماء من جديد النينيو لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل الحرارة التي يعيشها العالم حاليا مجرد مقدمة لما قد يحدث عندما يصل النينيو إلى ذروة قوته؟.
عالم يزداد سخونة قبل أن يبلغ النينيو ذروته
المفارقة اللافتة أن العالم دخل صيف 2026 وهو ساخن بالفعل، حتى قبل وصول النينيو إلى القوة المتوقعة.
وبحسب بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، كان يونيو 2026 ثاني أكثر أشهر يونيو حرارة على مستوى العالم، بينما سجل غرب أوروبا أكثر أشهر يونيو حرارة منذ بدء السجلات.
ولم تتوقف الأرقام القياسية عند اليابسة، فقد وصلت درجات حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية إلى أعلى مستوى مسجل لشهر يونيو.
وفي أغسطس، حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن موجات الحر الشديد أصبحت أكثر تكرارا وشدة وأطول استمرارا، كما باتت تضرب مساحات أوسع مقارنة بما كان معتادًا في العقود الماضية.
لكن العلماء يلفتون إلى نقطة مهمة النينيو ليس المسؤول الوحيد عن هذا المشهد.
تغير المناخ يمهد الطريق
موجات الحر التي شهدتها أوروبا، ارتبطت بتفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه فالاحترار المناخي يرفع خط الأساس لدرجات الحرارة، بينما يمكن لأنظمة الضغط المرتفع أن تحبس الهواء الساخن فوق مناطق واسعة، وتزيد حرارة البحار وجفاف التربة من حدة التأثير.
بمعنى آخر، النينيو لا يدخل إلى عالم مناخي مستقر، بل إلى كوكب أصبح أكثر سخونة بالفعل بفعل عقود من الاحترار المرتبط أساسًا بالانبعاثات البشرية.
وهنا تكمن حساسية المرحلة المقبلة.
ما الذي يفعله النينيو؟
النينيو هو الطور الدافئ من ظاهرة مناخية دورية تنشأ في المحيط الهادئ الاستوائي، عندما ترتفع حرارة سطح المياه بصورة غير معتادة في الأجزاء الوسطى والشرقية منه.
لكن تأثير هذه الظاهرة لا يتوقف عند المحيط.
فالتغير في حرارة المياه ينعكس على حركة الغلاف الجوي، ويمكن أن يعيد تشكيل مسارات الرياح وأنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق بعيدة جدًا عن المحيط الهادئ.
والنتيجة قد تكون جفافا في منطقة، وأمطارا غزيرة أو فيضانات في منطقة أخرى.
نينيو أقوى يقترب
بحسب أحدث تحديثات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يتطور حاليا نينيو قوي، مع توقعات باستمرار اشتداده خلال الفترة بين أغسطس وأكتوبر 2026.
وتشير التوقعات إلى إمكانية تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في مناطق واسعة من العالم، بالتزامن مع تغيرات ملحوظة في أنماط هطول الأمطار.
وفي الولايات المتحدة، تسير التوقعات في الاتجاه نفسه؛ إذ يشير مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي إلى احتمال استمرار النينيو حتى أوائل ربيع 2027 بنسبة تصل إلى 97%.
والأكثر إثارة للانتباه أن التقديرات تشير إلى احتمال يبلغ 81% لوصول الظاهرة إلى مستوى "قوي جدًا" خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026.
النينيو يصل إلى كوكب أكثر حرارة
النينيو ظاهرة طبيعية تكررت مرات عديدة عبر التاريخ لكن العالم الذي تظهر فيه اليوم لم يعد هو العالم نفسه الذي شهد الظاهرة قبل عقود.
فدرجات الحرارة الأساسية أصبحت أعلى نتيجة الاحترار العالمي، ما يعني أن الزيادة المؤقتة في الحرارة التي قد يضيفها النينيو تأتي فوق أرضية مناخية أكثر سخونة أصلًا.
وهنا تكمن المخاوف العلمية ماذا يحدث عندما تجتمع ظاهرة طبيعية دافعة للحرارة مع مناخ أصبح أكثر سخونة بسبب النشاط البشري؟
الخطر لا يقاس بدرجة الحرارة فقط
المشكلة قد لا تكون في مقياس الحرارة وحده فتغير أنماط الأمطار الذي يرافق النينيو يمكن أن يضرب قطاعات أساسية مثل الزراعة والمياه والطاقة، ويزيد مخاطر الجفاف والفيضانات في مناطق مختلفة من العالم.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من سيناريو قد يدفع نينيو شديد القوة نحو 49 مليون شخص إضافي إلى مواجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية 2027 في 45 دولة معرضة لتداعيات الظاهرة.
لكن هذا الرقم يبقى سيناريو تقديريًا وليس توقعًا مؤكدًا، إذ يعتمد على قوة النينيو الفعلية وتأثيراته على الأمطار والمحاصيل.
وتبرز جنوب القارة الأفريقية وأمريكا الوسطى وأجزاء من أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي ضمن المناطق التي تحظى باهتمام خاص، حيث يمكن للجفاف واضطراب مواسم الأمطار أن يتحولا سريعًا إلى أزمة غذاء وارتفاع في الأسعار.
فهل يكون صيف 2026 مجرد مقدمة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة علمية قاطعة، المؤكد أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة وتكرارًا مع ارتفاع حرارة الكوكب، والمؤكد أيضًا أن النينيو يتجه إلى مزيد من القوة خلال الأشهر المقبلة.
أما شكل المواجهة بين العاملين، والمناطق التي ستتأثر أكثر من غيرها، وحجم التداعيات، فما زالت جميعها موضع متابعة وتحديث مستمر.

