جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

أحمد عبد الحليم يكتب : شفرة البقاء: بين لعنة البلاستيك و استدامة قدماء المصريين

أحمد عبد الحليم -

في عالمٍ يُباع فيه أكثر من مليون زجاجة مياه بلاستيكية كل دقيقة، لم تعد الأزمة مجرد مخلفات عابرة، بل تحوّلت إلى قصة مادةٍ خُلقت لتبقى في زمنٍ يستهلك كل شيء بسرعة. تخيّل لو أن مصريًا قديمًا من عصر بناء الأهرامات ترك زجاجة بلاستيكية داخل مقبرته؛ كانت ستخرج إلينا اليوم، بعد آلاف السنين، بكامل هيئتها تقريبًا وكأنها صُنعت بالأمس. هذه المفارقة الصادمة لا تكشف فقط عن تطور المواد، بل عن خللٍ بنيوي في علاقتنا مع كوكب الأرض؛ فبينما احترمت حضارات الماضي دورة الحياة، استحدث الإنسان الحديث مادةً تقاوم التحلل الطبيعي لزمنٍ طويل.
هل ندرك تمامًا حجم الأثر البيئي الذي نخلفه؟ وهل يمكن أن نستعيد التوازن مع الطبيعة قبل أن تصبح آثارنا نهائية؟

بلا شك المصريون القدماء طوروا نظامًا متقدمًا لإدارة الموارد الطبيعية، بما في ذلك المياه والزراعة. فالنيل لم يكن مجرد مصدر للحياة، بل أداة لتدوير المواد المغذية للتربة عبر الفيضانات الموسمية، ما يعكس فهمًا دقيقًا لدورة الطبيعة واستدامة الإنتاج الغذائي .

التلوث الحالي
على شواطئ البحر المتوسط، لم يعد المشهد يقتصر على أمواج و رمال، بل تختلط الزجاجات الفارغة وبقايا البلاستيك بالمياه في صورة يومية تتكرر بصمت. هنا، لا تبدو الأزمة نظرية، بل واقعًا يُرى ويُلمس؛ فنحن أمام مادة يُشتق معظمها من الوقود الأحفوري، ويتطلب إنتاجها طاقة كبيرة، ما يربطها مباشرة بانبعاثات الكربون و أزمة التغير المناخي التي تهدد النظم البيئية، ومنها دلتا النيل. إنها مفارقة قاسية: مخلفات نستخدمها لدقائق، لكنها تترك أثرًا بيئيًا سلبيًا قد يمتد لقرون.

حكمة الأجداد
وفي هذا السياق، لم تكن عبقرية المصري القديم محصورة في البناء فحسب، بل في اختياره لمواد صديقة للزمن وقابلة للعودة إلى أحضان الطبيعة بسلام؛ فقد طوع طمي النيل ليصنع فخاراً يعود إلى أصله الطيني فور تلفه، وغزل الكتان ليكون كساءً يتحلل عضوياً ليغذي الأرض التي أنبته. لقد أرسى الأجداد بذلك دعائم 'الدورة البيئية المغلقة'، حيث لا مكان للمخلفات، بل إعادة تدوير أبدية تضمن استدامة الموارد دون استنزاف. لقد فهم قدماء المصريين أن البقاء لا يتحقق بمقاومة التحلل، بل بالانسجام معه.

كما تشير الدراسات الأثرية إلى أن المصريين القدماء كانوا يعتمدون على تدوير الموارد في البناء والزراعة. على سبيل المثال، إعادة استخدام الطوب الطيني بعد الهدم في مشاريع جديدة يعكس فهمًا مبكرًا لمفهوم الاقتصاد الدائري.

إعادة التدوير
على النقيض، تقف زجاجات (PET) كرمزٍ لعصرٍ يواجه تحديًا بيئيًا مُعقدًا. وبينما تُسوّق “إعادة التدوير” كأحد الحلول، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة United Nations Environment Programme إلى أن نسبة محدودة فقط من البلاستيك عالميًا يُعاد تدويرها فعليًا (تُقدَّر بنحو 9%). كما أن البلاستيك يفقد جزءًا من جودته مع كل دورة إعادة تصنيع، ما يحدّ من إمكانية تكرار تدويره. لذلك، تظل إعادة التدوير خطوة مهمة لكنها غير كافية بمفردها، ما لم يصاحبها تقليل الإنتاج من المصدر.

استدامة القدماء: في المقابل، المصريون القدماء كانوا يصنعون أدواتهم وأوانيهم لتدوم وفق الحاجة، ويعيدون تدوير المواد عند تلفها، سواء في البناء أو الزراعة، ما يقلل من الهدر ويطيل عمر الموارد المتاحة.

الميكروبلاستيك
الأزمة لم تعد حبيسة البيئة فقط، بل امتدت إلى تفاصيل حياتنا اليومية. جزيئات تُعرف باسم الميكروبلاستيك Microplastics تم رصدها في مياه الشرب، والهواء، وبعض أنسجة جسم الإنسان، بما في ذلك الدم والمشيمة. و رغم أن الأبحاث حول آثارها الصحية لا تزال مستمرة، فإن المؤسسات العلمية تدعو إلى تطبيق مبدأ “الحيطة والحذر”، عبر تقليل مصادر التعرض قدر الإمكان، خاصة في المنتجات اليومية، وهو ما يعزز من أهمية التحول نحو بدائل أكثر أمانًا واستدامة.

استدامة القدماء: المصريون القدماء أدركوا أهمية سلامة البيئة للصحة العامة؛ فأنظمة تصريف المياه في المدن القديمة، مثل مدينة منف، صممت لتقليل التلوث وحماية المجتمع من الأمراض، وهو ما يعكس وعيًا مبكرًا بالتوازن بين الإنسان والبيئة.

الوعي والفعل
إن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب نهجًا متكاملًا يبدأ من تقليل الاعتماد على البلاستيك أحادي الاستخدام، ويمتد إلى تشجيع استخدام بدائل قابلة لإعادة الاستخدام مثل الزجاج والمعادن والورق والفخار والكتان. كما يستدعي الأمر سياسات تدعم الإنتاج المستدام، وتحدّ من المخلفات من المنبع، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأنماط الاستهلاك.

كل زجاجة نلقيها اليوم… هي أثرٌ قد يبقى طويلًا .
لقد صنع المصريون القدماء مواد تعيش بقدر حاجتهم إليها، فخلّدوا وجودهم عبر ما بنوا من قيم وعمارة، لا عبر ما تركوا من مخلفات. أما نحن، فنصنع مواد طويلة العمر لاستخدامات قصيرة، ثم نلقيها لتبقى في البيئة لفترات قد تتجاوز أعمارنا.

إن المشكلة ليست في أن البلاستيك لا يختفي سريعًا… بل في أننا نستخدم مواد طويلة الأمد في استخدامات مؤقتة، دون أن نضع في الحسبان أثرها الممتد على البيئة وصحة الإنسان. فهل سنتمكن من إعادة بناء علاقة متوازنة مع البيئة كما فعل القدماء؟ وهل يمكن أن نترك للأجيال القادمة إرثًا من قيمة، وليس عبثًا بيئيًا؟