مؤتمر COP17 في منغوليا يضع استعادة الأراضي ومواجهة الجفاف على رأس الأجندة العالمية
انطلقت اليوم في العاصمة المنغولية أولانباتار أعمال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17)، بمشاركة مندوبين من 196 دولة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب ممثلين عن المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والعلماء والمجتمعات المحلية.
ويأتي المؤتمر، الذي يستمر حتى 28 أغسطس الجاري، في وقت تتزايد فيه الضغوط العالمية الناجمة عن تدهور الأراضي والجفاف وشح المياه وتغير المناخ، وما تفرضه هذه التحديات من مخاطر متصاعدة على الأمن الغذائي وسبل العيش والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويضع COP17 استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف في صدارة أولوياته، مع التركيز على تحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية واستثمارات قابلة للقياس، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تدهور الأراضي والجفاف يكلفان الاقتصاد العالمي نحو 900 مليار دولار سنويًا، ويؤثران في ما يصل إلى 40% من أراضي العالم ونحو 3.2 مليار شخص. كما ارتفعت حالات الجفاف بنحو الثلث منذ عام 2000، وتتسبب حاليًا في خسائر سنوية لا تقل عن 300 مليار دولار.
من الالتزامات إلى التنفيذ
وخلال الأسبوعين المقبلين، ستناقش الحكومات مجموعة من الملفات الرئيسية، من بينها تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف، والإدارة المستدامة للمراعي والأراضي الزراعية والتربة، وحشد الموارد المالية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، إلى جانب بحث التوجه الاستراتيجي المستقبلي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
وقال رئيس وزراء منغوليا، ن. أوخرال، إن بلاده تأمل أن يمثل COP17 تحولًا من الأقوال إلى الأفعال، ومن الأهداف إلى التنفيذ، ومن الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس.
وشدد على ضرورة التعامل مع قضايا الأراضي والمناخ والتنوع البيولوجي باعتبارها تحديات مترابطة، وزيادة الاستثمارات في استعادة الأراضي، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص.
كما دعا إلى وضع القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف ضمن صميم سياسات التنمية، وإشراك الرعاة والمجتمعات المحلية ومستخدمي المراعي في صياغة السياسات العالمية لإدارة الأراضي، إلى جانب توظيف العلم والتكنولوجيا والابتكار في تطوير حلول عملية واستثمارات حقيقية.
الأراضي أساس الاستقرار
وقالت ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إن تدهور الأراضي والجفاف لم يعودا تحديات بيئية بعيدة، بل أصبحا يؤثران بصورة مباشرة في الغذاء والمياه وقدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود.
وأكدت أن الأراضي السليمة تمثل أساسًا لنظم غذائية مستقرة واقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات ومجتمعات أكثر استقرارًا، مشيرة إلى أن التحدي الرئيسي لم يعد يتمثل في غياب الحلول، وإنما في توسيع نطاق تطبيقها.
وأضافت أن نجاح COP17 يجب ألا يقاس فقط بالمقررات التي ستعتمدها الدول، وإنما بما ستحدثه هذه المقررات من تغيير ملموس في حياة المجتمعات والاقتصادات والأراضي حول العالم.
تجربة منغوليا
وتكتسب استضافة منغوليا للمؤتمر أهمية خاصة، في ظل تعرض أراضيها لضغوط متزايدة نتيجة تدهور الأراضي والجفاف وظاهرة "الدزود"، وهي ظروف شتوية قاسية تعقب أحيانًا مواسم جفاف شديدة.
وتشير البيانات الواردة في المؤتمر إلى أن نحو 77% من أراضي منغوليا تعاني التدهور، بينما يعتمد نحو واحد من كل ثلاثة منغوليين على الرعي مصدرًا للعيش.
وخلال عامي 2023 و2024، أدى تعاقب الجفاف الشديد في الصيف والشتاء القاسي المعروف بـ"الدزود" إلى نفوق أكثر من سبعة ملايين رأس من الماشية، بما يعكس هشاشة المجتمعات التي تعتمد على الأراضي والمراعي في المناطق الجافة.
وأكدت باتسيتسيغ باتمونخ، وزيرة خارجية منغوليا ورئيسة الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف، أن صحة الأراضي ترتبط بصورة مباشرة بحياة السكان وسبل عيشهم ومستقبلهم، مشيرة إلى أن بلادها تسعى إلى جعل أولانباتار منصة للحلول العملية التي تستهدف حماية الأراضي والمراعي وتعزيز قدرتها على الصمود.
خطة عالمية للجفاف
ويواصل COP17 البناء على نتائج مؤتمر الأطراف السادس عشر الذي استضافته الرياض، مع استمرار المفاوضات بشأن إطار عالمي للسياسات المتعلقة بالجفاف، بالتوازي مع تطوير أدوات عملية وشراكات وآليات تمويل تساعد الدول على تحويل خطط مواجهة الجفاف إلى إجراءات فعلية.
وتشمل المناقشات تعزيز الاستعداد لمخاطر الجفاف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتقييم قابلية التأثر، وتعزيز التعاون الدولي.
وقد أعدت أكثر من 70 دولة خططًا وطنية للجفاف حتى الآن، مقارنة بثلاث دول فقط في عام 2013، في مؤشر على تحول متزايد نحو إدارة مخاطر الجفاف بصورة استباقية بدلًا من انتظار تحولها إلى أزمات إنسانية واقتصادية.
وتشير التقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر في تعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف يمكن أن يحقق عوائد تصل إلى 10 دولارات، بينما قد تصل فوائد بعض الحلول القائمة على الطبيعة إلى 27 ضعف تكلفتها.
فجوة تمويلية ضخمة
ويعد التمويل أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة COP17، إذ تشير التقديرات إلى الحاجة لنحو 355 مليار دولار سنويًا لمواجهة تدهور الأراضي والجفاف، مقابل استثمارات حالية تقدر بنحو 77 مليار دولار فقط، بما يترك فجوة تمويلية سنوية تصل إلى 278 مليار دولار.
وفي الوقت نفسه، لا يوفر القطاع الخاص سوى نحو 6% من التمويل العالمي الموجه لاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف، رغم اعتماد قطاعات اقتصادية واسعة على الأراضي السليمة وإمدادات المياه الموثوقة.
ومن المنتظر أن تبحث الدول خلال المؤتمر سبل جذب مصادر جديدة للتمويل، وتعزيز الحوافز للاستثمار في الإدارة المستدامة للأراضي، وتقليل مخاطر الاستثمار، وتحسين التنسيق بين التمويل العام والخاص.
كما يسلط المؤتمر الضوء على مبادرة "الأعمال من أجل الأرض" (Business4Land)، التي تستهدف زيادة مشاركة القطاع الخاص في استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف.
ومن المقرر أن يجمع منتدى الأعمال من أجل الأرض، في 24 أغسطس، الحكومات والشركات والمستثمرين بهدف تسريع الاستثمارات في المناظر الطبيعية المتجددة. وقد التزمت المؤسسات المشاركة في أجندة العمل بشأن المناظر الطبيعية المتجددة بأكثر من 9 مليارات دولار عبر مساحة تتجاوز 210 ملايين هكتار.
المراعي في صدارة الاهتمام
وينعقد COP17 خلال السنة الدولية للمراعي والرعاة، ما يمنح هذا الملف حضورًا بارزًا في المفاوضات الدولية.
وتغطي المراعي نحو 54% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، وتدعم سبل عيش نحو ملياري شخص، بينهم قرابة 500 مليون راعٍ، كما توفر نحو سدس الغذاء العالمي ونحو 70% من أعلاف الثروة الحيوانية.
ورغم أهميتها، تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى نصف مراعي العالم تعرض بالفعل للتدهور أو أصبح معرضًا لخطره، بينما يقع نحو 78% من هذه المراعي في المناطق الجافة التي تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الجفاف وتغير المناخ والاستخدام غير المستدام للأراضي.
ومن المتوقع أن تبحث الحكومات إطارًا جديدًا للسياسات المتعلقة بالمراعي والرعاة، إلى جانب إطلاق المبادرة الرئيسية بشأن المراعي، وهي شراكة عالمية تستهدف زيادة الاستثمارات طويلة الأجل في الإدارة المستدامة للمراعي وتحسين سبل عيش المجتمعات الرعوية.
من الرياض إلى أولانباتار
ويبني مؤتمر الأطراف السابع عشر على نتائج COP16 في الرياض، وما تحقق منذ ذلك الحين من تقدم في مجالات مواجهة الجفاف، والإدارة المستدامة للأراضي، والتمويل، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
وقال أسامة فقيها، وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية ومستشار رئاسة COP16، إن مؤتمر الرياض أسهم في تعزيز الوعي العالمي بمخاطر تدهور الأراضي والجفاف، ودفع العمل نحو شراكات واستثمارات جديدة.
وأشار إلى أن أجندة عمل الرياض، التي ضمت 35 مبادرة عند إطلاقها في COP16، توسعت لتشمل أكثر من 100 مبادرة، بالتوازي مع تنامي الاستعداد لمواجهة الجفاف وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
أربعة أيام للعمل
وبالتوازي مع المفاوضات الرسمية، تتضمن أجندة عمل COP17 أربعة أيام رئيسية تربط بين الحوار السياسي والعمل التنفيذي، هي:
24 أغسطس – يوم التمويل: حشد الاستثمارات العامة والخاصة لاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف.
25 أغسطس – يوم المياه: تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف وتطوير التعاون حول العلاقة بين الأراضي والمياه.
26 أغسطس – يوم الأرض والشعوب: إبراز دور الرعاة والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والنساء والشباب في استعادة الأراضي وإدارتها بصورة مستدامة.
27 أغسطس – يوم النظم الغذائية وصحة التربة: دعم صحة التربة والنظم الغذائية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش القادرة على الصمود.
كما يشهد المؤتمر إطلاق عدد من التقارير والمنشورات العلمية والسياساتية، من بينها تقارير حول اقتصاديات استعادة المراعي، والجفاف بالأرقام لعام 2026، وتوقعات الأراضي العالمية، وصحة التربة والجدوى الاقتصادية للاستثمار فيها.
نتائج منتظرة
ومن المقرر أن يختتم COP17 أعماله في 28 أغسطس، مع توقع اعتماد مجموعة من المقررات التي ستوجه عمل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر خلال السنوات المقبلة.
ويأمل المشاركون أن تسهم نتائج المؤتمر في الانتقال من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ، عبر زيادة الاستثمارات، وتعزيز الشراكات، واستعادة الأراضي المتدهورة، وحماية المراعي والتربة، ومواجهة التصحر والجفاف.
وبذلك يسعى مؤتمر أولانباتار إلى وضع قضية الأراضي في قلب أجندة التنمية العالمية، باعتبارها قضية تتجاوز حماية البيئة لتتصل مباشرة بالأمن الغذائي والمائي، والاستقرار الاقتصادي، وسبل العيش، وقدرة المجتمعات على مواجهة أزمات المستقبل.

