جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

مها بسطاوي تكتب: نيلسون.. الجزيرة التي دفن فيها التاريخ أكثر من مرة

-

في البحر، لا توجد أماكن صغيرة، أحيانًا تكون قطعة صخر لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار، لكنها تحمل من الحكايات ما لا تحمله مدن كاملة، هذه هي حكاية جزيرة نيلسون في خليج أبي قير شرق الإسكندرية، جزيرة صغيرة لدرجة أن كثيرًا من أبناء المدينة نفسها لم يزوروها يومًا، ومع ذلك مر فوق أرضها الفراعنة والإغريق والبطالمة والبريطانيون، وتركت كل حضارة أثرًا يشهد أنها كانت هنا يومًا ما.

المثير أن معظم الناس يعرفون الجزيرة بسبب اسمها فقط، نيلسون، القائد البريطاني الشهير، لكن الحقيقة أن نيلسون هو آخر الضيوف في قصة بدأت قبله بأكثر من ٢٠٠٠ عام، فالجزيرة لم تولد مع المعركة البحرية التي حملت اسمه، ولم يبدأ تاريخها مع المدافع البريطانية، بل كانت موجودة قبل ذلك بقرون طويلة، تراقب السفن وهي تدخل وتخرج من أحد أهم خلجان البحر المتوسط.

عندما تنظر إلى موقع الجزيرة على الخريطة تدرك فورًا سبب أهميتها، فهي تقع في قلب خليج أبي قير، ذلك الخليج الذي كان يومًا أحد أكثر مناطق مصر حيوية، هنا كانت مدن مزدهرة مثل هيراكليون وكانوب، وهما مدينتان غرق معظم تاريخهما تحت الماء، وهنا أيضًا كانت تمر الطرق البحرية التي تربط مصر بالعالم المتوسطي.

ولأن الموقع كان استراتيجيًا، لم يكن غريبًا أن تتحول الجزيرة إلى نقطة جذب متواصلة للبشر، فمنذ العصور المتأخرة من التاريخ المصري القديم استخدمت الجزيرة كجبانة، لم تكن مدينة ولا ميناءً بالمعنى التقليدي، بل مكانًا يدفن فيه الموتى القادمون من المراكز الحضرية القريبة، واليوم لا تزال المكتشفات الأثرية تؤكد هذا الاستخدام المبكر.

وفي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد حدث تحول كبير، وصل الإغريق إلى مصر، وتأسست الدولة البطلمية، وبدأت الجزيرة تدخل مرحلة جديدة من حياتها، بدلًا من أن تكون موطنًا للموتى فقط، أصبحت مكانًا للحياة.

فقد بنى الإغريق فوقها مستوطنة كاملة، منازل وشوارع ومنشآت عامة ومرافق لتخزين المياه، ولم يكن اختيار الموقع عشوائيًا، فالجزيرة كانت تمنح من يقف عليها قدرة استثنائية على مراقبة حركة الملاحة في الخليج، ومن فوقها كان يمكن رؤية السفن القادمة والمغادرة من الموانئ المجاورة.

ولأن الجزيرة كانت ذات قيمة استراتيجية، استثمر البطالمة فيها بشكل واضح، وكشفت الحفريات عن جدران حجرية ضخمة وأبنية عامة وصهاريج مياه هائلة، أحد هذه الصهاريج كان قادرًا على تخزين كميات كبيرة من المياه تكفي مجتمعًا صغيرًا بأكمله، وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، فالمياه العذبة كانت دائمًا مفتاح البقاء في المواقع البحرية المعزولة.

والأكثر إثارة أن بيوت المستوطنة لم تكن بدائية كما قد يتخيل البعض. فقد أظهرت الحفريات وجود مطابخ وغرف نوم وحمامات وتجهيزات معمارية متقدمة نسبيًا، تخيل المشهد للحظة رجال ونساء وأطفال يعيشون فوق هذه البقعة الصغيرة منذ أكثر من ألفي عام، يمارسون حياتهم اليومية بينما تمر حولهم سفن التجارة والحرب، لكن ما يصنع التاريخ ليس الازدهار فقط، بل الاختفاء أيضًا.

ففي مرحلة ما من القرن الثالث قبل الميلاد هجرت المستوطنة فجأة لأسباب لا يعرفها العلماء على وجه اليقين حتى الآن، لا توجد رواية مؤكدة تفسر ما حدث. هل تغيرت طرق التجارة؟ هل تعرض الموقع لكارثة طبيعية؟ هل حدث تحول سياسي أو اقتصادي أفقد الجزيرة أهميتها؟ لا أحد يملك إجابة نهائية.

ومع مرور القرون تراجعت أهمية الجزيرة، لكن موقعها ظل يجذب القوى التي تسعى للسيطرة على شرق المتوسط، كل من أراد التحكم في هذا الجزء من الساحل المصري كان عليه أن يراقب خليج أبي قير بعناية.

ثم جاءت نهاية القرن الثامن عشر، وحدث ما جعل اسم الجزيرة مشهورًا عالميًا، في عام 1798 وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون إلى مصر، كان نابليون يحلم بقطع الطريق على بريطانيا نحو الهند وبناء إمبراطورية فرنسية جديدة في الشرق، لكن بريطانيا لم تكن مستعدة لمشاهدة ذلك بصمت.

هنا دخل هوراشيو نيلسون إلى المسرح، فلقد قاد القائد البريطاني أسطولًا بحريًا لملاحقة الفرنسيين حتى عثر عليهم في خليج أبي قير، وفي أغسطس 1798 وقعت واحدة من أشهر المعارك البحرية في التاريخ الحديث، المعركة التي يسميها البريطانيون "معركة النيل" ويسميها كثير من المؤرخين العرب "معركة أبي قير البحرية".

كانت نتيجة المعركة كارثية بالنسبة للفرنسيين. دُمّر معظم أسطولهم، وفقد نابليون وسيلته الأساسية للاتصال بفرنسا، ومنذ ذلك الوقت أصبح اسم نيلسون مرتبطًا بالمكان كله.

لكن المفارقة أن الجزيرة التي تحمل اسمه لم تكن يومًا ملكًا له، ولم يعش فوقها، بل ارتبطت به رمزيًا بسبب الانتصار الذي تحقق في المياه المحيطة بها.

بعد سنوات قليلة استخدمت القوات البريطانية المنطقة خلال عملياتها العسكرية في مصر، وتُشير الاكتشافات الأثرية إلى وجود قبور لجنود وبحارة بريطانيين دفنوا في الجزيرة خلال تلك الفترة، وهكذا أضيف فصل جديد إلى السجل الطويل للمكان.

الأمر اللافت أن كل طبقة من تاريخ الجزيرة لم تمحِ ما قبلها. بل تراكمت الطبقات فوق بعضها بعضًا. فعندما ينقب عالم الآثار في أرض الجزيرة اليوم، فإنه لا يعثر على تاريخ واحد، بل على تواريخ متعددة متجاورة، قطعة فخارية من العصر الفرعوني قد تظهر بجوار بقايا مبنى بطلمي، وعلى مسافة قصيرة قد يوجد قبر لجندي بريطاني من القرن التاسع عشر، كأن الجزيرة تحولت إلى أرشيف مفتوح لحضارات المتوسط.

ولهذا السبب جاءت أهمية أعمال التنقيب الحديثة، ففي أواخر القرن العشرين بدأت بعثة إيطالية بقيادة عالم الآثار باولو جالو حفائر واسعة في الموقع، وكانت النتائج مدهشة.

فقد كُشف عن مئات القطع الأثرية التي ساعدت الباحثين على إعادة رسم صورة الحياة فوق الجزيرة في العصور القديمة: أدوات منزلية، ومبانٍ، ونقوش، وشواهد دفن، وبقايا معمارية نادرة.

في العادة يعتمد علماء الآثار على أجزاء متناثرة من المباني لمحاولة تخيل شكل المدن القديمة. أما في جزيرة نيلسون فقد كانت بعض البيوت محفوظة بدرجة سمحت بفهم تفاصيل الحياة اليومية بصورة أفضل، ماذا كان الناس يأكلون؟ كيف كانوا يخزنون المياه؟ كيف بُنيت مساكنهم؟ كلها أسئلة أصبحت الإجابة عنها أكثر وضوحًا بفضل هذه الاكتشافات، وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للجزيرة.

ليست أهميتها في أنها شهدت معركة شهيرة فقط. فالعالم مليء بساحات المعارك. وليست في أنها حملت اسم قائد بحري معروف. فهناك أماكن كثيرة تحمل أسماء مشاهير.

قيمة جزيرة نيلسون أنها تختصر تاريخ شرق المتوسط كله تقريبًا، وإنها مكان بدأت قصته مع المصريين القدماء، ثم مر بالإغريق، ثم البطالمة، ثم الرومان والبيزنطيين، ثم العصور الإسلامية، ثم الصراع الفرنسي البريطاني في العصر الحديث، وكأن الجزيرة مرآة صغيرة للتاريخ الكبير.

ولهذا السبب يشعر الزائر بشيء غريب عندما ينظر إليها. فهي تبدو هادئة إلى حد الملل. مجرد بقعة أرض وسط الماء، لا قصور شاهقة ولا أسوار ضخمة ولا أبراج عملاقة، لكن تحت هذا الهدوء تختبئ قرون من الحركة والصراع والتجارة والحياة والموت.

ربما لهذا السبب تستحق الجزيرة أن تُروى قصتها أكثر من مرة، فكل قراءة لها تكشف زاوية جديدة، مرة تراها كجبانة فرعونية، ومرة كمستوطنة يونانية، ومرة كحصن يراقب حركة السفن. ومرة كمقبرة لجنود سقطوا في صراع إمبراطوري، ومرة كموقع أثري يساعد العلماء على فهم عالم اختفى منذ زمن بعيد.

وفي النهاية تبقى المفارقة الأجمل أن ملايين الناس يعرفون اسم نيلسون، بينما القليل جدًا يعرفون الجزيرة نفسها.

لكن لو أن التاريخ يستطيع الكلام، فربما أخبرنا أن القائد البريطاني لم يمنح الجزيرة شهرتها، بل الجزيرة هي التي منحت اسمه مكانًا دائمًا في ذاكرة البحر المتوسط.

فقبل نيلسون كانت هناك جزيرة، وبعد نيلسون بقيت الجزيرة، وما زالت حتى اليوم تقف وسط المياه كحارس قديم يرفض أن يبوح بكل أسراره دفعة واحدة.