أحمد عبد الحليم يكتب : شفرة البقاء: الذكاء الاصطناعي وآثار القدماء

بين جدران معبد أبيدوس الضاربة في عمق التاريخ، حيث تحولت العقيدة إلى حجر، والنقوش إلى رسائل بقيت عبر آلاف السنين، تقف ملامح الملك سيتي الأول شاهدًا على براعة الفن المصري القديم ودقة صُنّاعه.
لكن هذه الشواهد لا تزال تخوض معركة أخرى مع الزمن؛ معركة لا تُرى دائمًا بالعين المجردة، وتشارك فيها عوامل بيئية وتغيرات مناخية وملوثات يمكن أن تتراكم آثارها ببطء على الأسطح الأثرية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تُظهر أدوات لم يعرفها الإنسان القديم: المسح الرقمي، والاستشعار، والرؤية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز.
إنها ليست محاولة لاستبدال الماضي بالتكنولوجيا، بل محاولة لاستخدام أحدث ما وصل إليه العلم في حماية ما تَبقى من الماضي.
ومن هنا يظهر السؤال: هل يمكن أن تساعدنا الآلة في اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى تلف لا يمكن عكسه؟
التهديدات الحديثة على الأسطح الأثرية
لم تعد عوامل التعرية الطبيعية وحدها موضع اهتمام المُتخصصين في الحفاظ على التراث؛ فالمواقع الأثرية تتعرض أيضًا لتغيرات في درجات الحرارة والرطوبة، وترسبات الأملاح، والمُلوثات المحمولة جوًا، والجسيمات الدقيقة، وغيرها من العوامل التي قد تؤثر في المواد الأثرية بمرور الزمن.
وتشير أبحاث الحفاظ على الحجر إلى أن التغيرات البيئية والمُلوثات يمكن أن تُسهم في عمليات مُعقدة من التجوية والتدهور، ولذلك أصبحت مُراقبة حالة الأثر بصورة دورية جزءًا مهمًا من الوقاية.
أما الميكروبلاستيك، فهو من المخاطر البيئية الناشئة التي بدأت الدراسات العلمية تبحث عن وجودها وتأثيراتها في بيئات مختلفة، لكن لا توجد — في حدود ما تثبته الدراسات المُتاحة — أدلة مُباشرة تسمح بالقول إن له تأثيرًا مُثبتًا على معابد أبيدوس تحديدًا.
وهنا تكمن أهمية المنهج العلمي: لا ننتظر ثبوت الضرر في موقع بعينه حتى نبدأ التفكير في الوقاية، وفي الوقت نفسه لا ننسب إلى موقع أثري خطرًا لم تثبته الدراسات الخاصة به.
وفي مواقع تراثية حول العالم، بدأت أنظمة الاستشعار والمسح الرقمي، إلى جانب خوارزميات الذكاء الاصطناعي، في تحليل التغيرات البيئية ومظاهر التدهور بدقة عالية وعلى فترات زمنية مُتكررة، بما يساعد المُتخصصين على اكتشاف التغيرات مُبكرًا واتخاذ قرار التدخل عندما تدعو الحاجة.
خوارزميات الترميم الذكي
شهد توثيق الآثار وتحليل حالتها تطورًا ملحوظًا مع استخدام تقنيات التعلم العميق والرؤية الحاسوبية.
ففي دراسة منشورة في مجلة التراث الثقافي Journal of Cultural Heritage، استخدم باحثون نموذج Mask R-CNN لاكتشاف وتصنيف مظاهر التدهور في الموقع الأثري غوموشلر بتركيا، وحققت الدراسة متوسط دقة بلغ نحو 98.186% في المُهمة التي اختبرها الباحثون. كما أظهرت دراسة سابقة للفريق نفسه نتائج مرتفعة في التعرف إلى أنواع التجوية في الآثار الحجرية.
هذه النتائج لا تعني أن الخوارزمية تستطيع أن "ترمم الأثر" بمفردها، لكنها تكشف إمكانًا مُهمًا: أن تساعد الآلة المُتخصص في تحديد مناطق التلف وتصنيفها ومقارنتها بمرور الوقت، وإنشاء خرائط رقمية يمكن أن تدعم قرارات الترميم.
وفي حالة معبد أبيدوس، يمكن لمثل هذه الأدوات — متى طُبقت ميدانيًا وفق منهج علمي — أن تساعد في تحليل الصور والمسوح الرقمية للنقوش والأسطح، بما في ذلك العناصر التي تعرضت للتآكل، ثم اقتراح تصورات رقمية للأجزاء المفقودة دون أن يعني ذلك إضافة أي شيء إلى الحجر نفسه.
وهنا يصبح الترميم الرقمي مرحلة بحثية تسبق التدخل المادي، لا بديلًا عنه.
الواقع المعزز يُعيد الألوان
هناك فرق جوهري بين حماية الأثر وبين إعادة تقديمه بصريًا للزائر.
فالواقع المُعزز لا يعيد طلاء الحجر، ولا يضع مادة فوق النقش، وإنما يستطيع أن يضيف طبقة رقمية إلى الصورة التي يراها الزائر، فيظهر له تصور افتراضي لشكل الأثر أو ألوانه المُحتملة دون لمس المادة الأصلية.
وهذه الفكرة لم تعد مُجرد تصور مستقبلي.
ففي مشروع Egypt Augmented الذي أطلقه متحف اللوفر بالتعاون مع Snap عام 2023، استُخدمت تقنيات الواقع المُعزز لإعادة تصور عناصر وألوان لبعض الآثار المصرية بصورة رقمية، اعتمادًا على الأبحاث الخاصة بها.
أما تقنيات التصوير المُتخصصة، مثل التصوير باللمعان المرئي بالأشعة تحت الحمراء VIL، فقد استُخدمت أيضًا للكشف عن بقايا أصباغ لا تظهر بسهولة بالعين المُجردة، ومنها الصبغة المعروفة باسم "الأزرق المصري" في أعمال فنية قديمة.
وقد استخدم المتحف البريطاني هذه التقنية في دراسة بقايا الألوان على منحوتات البارثينون.
لكن من المهم التمييز بين الأمرين: نجاح التقنية في الكشف عن أصباغ أثرية في موقع ما لا يعني تلقائيًا أنها ستكشف بالضرورة ألوان ملامح سيتي الأول في أبيدوس.
إنما تكشف هذه التقنيات عن إمكان علمي مهم: أن بعض الألوان التي اختفت بصريًا قد تترك آثارًا يمكن البحث عنها بوسائل تصوير وتحليل مُتخصصة.
التوأم الرقمي الأثري
ومن أكثر الأفكار طموحًا في هذا المجال مفهوم التوأم الرقمي Digital Twin.
والفكرة ببساطة هي إنشاء نموذج رقمي بالغ التفصيل للأثر، ثم ربطه — متى أمكن — ببيانات المسح ثلاثي الأبعاد والتصوير والمستشعرات البيئية، بحيث لا يكون النموذج مُجرد صورة ثابتة، وإنما سجلًا يمكن تحديثه ومقارنة حالته عبر الزمن.
وقد وضعت مبادئ إشبيلية التي أقرها المجلس الدولي للآثار والمواقع ICOMOS إطارًا مُهمًا للتعامل مع النمذجة الافتراضية للتراث، بما في ذلك توثيق مصادر البيانات والتمييز بين الأصل التاريخي وإعادة البناء الافتراضية.
وهناك تطبيقات فعلية لهذا الاتجاه في مواقع تراثية خارج مصر.
ففي مدينة جنوة الإيطالية، يعمل مشروع EN-HERITAGE على دمج النماذج الرقمية للتراث مع بيانات بيئية ومُراقبة عوامل مثل الحرارة والرطوبة والمُلوثات، بهدف فهم عمليات التدهور ودعم التنبؤ والصيانة الوقائية.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتوأم الرقمي: فإذا تغير جزء من الأثر بمرور السنوات، يُمكن مُقارنة حالته الجديدة بسجله الرقمي السابق، بدل الاعتماد على الذاكرة أو الصور المُتفرقة فقط. وبذلك يصبح التوثيق الرقمي نوعًا من "الذاكرة الاحتياطية" للتراث.
إرث الأجداد والتقنية
لم يكن بقاء آثار مصر القديمة آلاف السنين نتيجة عامل واحد.
فالمواد المُستخدمة، وطبيعة البيئة، والتصميم المعماري، ومهارات البناء والنقش، والظروف التاريخية التي مر بها كل موقع، كلها عوامل ساهمت بدرجات مُختلفة في حفظ ما وصل إلينا.
وتوفر المعابد والمقابر والمُنشآت المصرية القديمة اليوم مادة استثنائية لدراسة علاقة الإنسان القديم بالحجر واللون والعمارة والبيئة.
لكن من الخطأ تحويل هذه الحقيقة إلى مُقارنة مُطلقة تقول إن المصريين القدماء امتلكوا وحدهم أسرارًا جعلت آثارهم أكثر استدامة من آثار جميع الحضارات الأخرى.
فالحفاظ على الأثر ليس مسابقة بين الحضارات؛ إنه نتيجة تفاعل مُعقد بين المادة والبيئة والتصميم والظروف التاريخية. أما التكنولوجيا الحديثة فتضيف شيئًا مختلفًا تمامًا.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات ضخمة من الصور والبيانات، والمساعدة في اكتشاف الأنماط، ومُقارنة التغيرات، ومُحاكاة سيناريوهات مُحتملة، بينما يستطيع المسح ثلاثي الأبعاد تسجيل الحالة الهندسية للأثر بدرجة عالية من التفصيل.
وبذلك لا يأتي الذكاء الاصطناعي ليحل محل خبرة الإنسان القديم، ولا ليحل محل المُرمم الحديث، وإنما ليضيف طبقة جديدة من المعرفة إلى عملية الحفاظ.
من العلاج إلى الوقاية
ربما يكون التحول الأهم الذي تصنعه التكنولوجيا في مجال التراث هو الانتقال من سؤال:
"كيف نصلح الضرر؟" إلى سؤال أكثر أهمية:"هل يمكن اكتشاف بدايات الضرر قبل أن يصبح إصلاحه أكثر صعوبة؟"
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للوقاية.
فالخوارزمية تستطيع مقارنة صور ومسوح مأخوذة في أوقات مختلفة، واكتشاف تغيرات قد يصعب على العين البشرية ملاحظتها عند النظر إلى كل صورة مُنفردة.
ويمكن للبيانات البيئية أن تضيف طبقة أخرى من المعلومات، فتساعد المُتخصصين على فهم العلاقة بين الرطوبة والحرارة والمُلوثات وبين تغير حالة المادة.
لكن القرار النهائي يظل مسئولية الإنسان المُتخصص.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يقول: "هناك تغير يستحق الفحص"، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده من يقرر: "اكسر هذا الجزء، أو أعد بناء ذلك الجزء، أو أضف مادة إلى الحجر".
وهذه النقطة بالذات هي ما يجعل استخدام الذكاء الاصطناعي في التراث أكثر أمانًا عندما يكون مساعدًا للخبير، لا بديلًا عنه.
ذاكرة لا تموت
في النهاية، لا يقف الذكاء الاصطناعي في مواجهة عظمة الأجداد، بل يمكن أن يصبح امتدادًا حديثًا لفكرة قديمة جدًا: الحفاظ على الذاكرة.
فالمصري القديم نقش صورته وكلماته على الحجر ليقاوم النسيان.
واليوم نحاول نحن أن نحفظ هذا الحجر نفسه بالتصوير والمسح الرقمي والبيانات والخوارزميات.
من النقش على الجدار إلى النموذج ثلاثي الأبعاد، تغيرت الأدوات، لكن الهدف واحد: ألا تضيع المعرفة.
وربما تكون "شفرة البقاء" الحقيقية ليست في آلة تستطيع أن تمنح الأثر حياة جديدة، وإنما في منظومة علمية تستطيع أن تكتشف الخطر مُبكرًا، وتوثق حالة الأثر، وتُساعد المُتخصصين على اتخاذ القرار الصحيح قبل فوات الأوان.
وفي معبد أبيدوس، كما في غيره من مواقع التراث الإنساني، يبقى التحدي مفتوحًا:
هل نستطيع أن نستخدم أدوات عصرنا لحماية ما وصل إلينا من آلاف السنين، قبل أن يكتب الزمن والتلوث سطرًا جديدًا لا يمكن محوه؟

