جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

واقعة فتاة البيرة.. حين تتحول الحرية إلى غياب للمسؤولية

الديار - مسعد قاسم -

لم تعد واقعة السيدة التي ظهرت في مقطع فيديو وهي تتعدى على سائق إحدى سيارات النقل الذكي مجرد مشادة عابرة بين راكبة وسائق، بل تحولت إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وفتحت الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بالسلوك، والتربية، وحدود الحرية والمسؤولية.

وبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، فقد تلقت الأجهزة الأمنية بقسم شرطة التجمع الخامس بلاغًا من سائق سيارة تابعة لأحد تطبيقات النقل الذكي، أفاد خلاله بأنه فوجئ أثناء الرحلة بقيام الراكبة بتناول مواد كحولية داخل السيارة، وعندما اعترض وطلب منها النزول وإلغاء الرحلة، نشبت مشادة بينهما.

ووفقًا للرواية الأمنية، قامت السيدة بالتعدي عليه بالسباب والضرب، وألقت زجاجة المواد الكحولية عليه، كما قامت بتمزيق ملابسه، قبل أن تنجح الأجهزة الأمنية في تحديد هويتها وضبطها، وبمواجهتها أقرت بارتكاب الواقعة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

لكن بعيدًا عن تفاصيل المحضر والتحقيقات، والتي تظل في النهاية من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، يبقى السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى أن يصبح الاعتداء على الآخرين والتجاوز في السلوك أمرًا يمكن تبريره أو الدفاع عنه؟

الأكثر إثارة للدهشة أن بعض التصريحات المتداولة على لسان محامٍ أو أحد أفراد أسرة الفتاة حاولت تقديم الأمر من زاوية مختلفة، بل إن حديث والدها عن أن ابنته كانت تتنزه برفقة صديقها السعودي وأنها "متربية" فتح بابًا آخر للنقاش.

فالتربية الحقيقية ليست كلمة تُقال وقت الأزمات، ولا تُقاس بالخروج والتنزه أو بالمستوى الاجتماعي.

التربية تُقاس وقت الغضب.. وقت الاختلاف.. وقت غياب الرقابة.. وعندما يخطئ الإنسان في حق شخص آخر.

أن تكون ابنتك حرة في اختياراتها لا يعني أن تكون فوق القانون، وأن تدافع عنها كأب أمر طبيعي، لكن الدفاع الحقيقي عن الأبناء لا يكون بتبرير الخطأ، وإنما بمساعدتهم على إدراكه وتحمل مسؤوليته.

والأب تحديدًا له دور كبير في غرس معنى المسؤولية والاحترام وضبط النفس، لأن غيرة الأب على ابنته ليست مجرد خوف عليها من كلام الناس، وإنما خوف عليها من أن تفقد احترامها لنفسها وللآخرين، وأن تجد نفسها يومًا في موقف تدفع ثمنه اجتماعيًا وقانونيًا.

أما أن يتحول النقاش إلى تبرير كل تصرف لمجرد أن صاحبه "ابنتي"، فهنا نحن لا نحمي أبناءنا.. بل قد نضعف قدرتهم على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.

فلنحكم على الواقعة بالقانون، ولندع جهات التحقيق والقضاء تقول كلمتها، لكن في الوقت نفسه لنسأل أنفسنا جميعًا: أين نحن من التربية؟ وأين مسؤولية الأسرة عندما يتجاوز أبناؤنا حدود الاحترام؟

الحرية حق، لكن معها مسؤولية..

والدفاع عن الأبناء واجب، لكن تبرير الخطأ ليس تربية..

اتقوا الله في أبنائكم.. وربّوهم على أن احترام الناس والقانون ليس خوفًا من العقاب، وإنما قيمة وأخلاق.