جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

صدمة طاقة جديدة تضرب أوروبا.. هرمز يرفع أسعار النفط والغاز ويهدد بعودة التضخم

الديار -

يواجه الاقتصاد الأوروبي موجة جديدة من ضغوط الطاقة، مع استمرار الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز والحرب في الشرق الأوسط، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتراجع إمدادات الوقود المكرر، وهو ما يهدد بزيادة الضغوط على التضخم وتكاليف النقل والإنتاج والاستهلاك في القارة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوز فيه سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 140% على أساس سنوي، مع استمرار المخاوف بشأن الإمدادات ومستويات التخزين قبل دخول فصل الشتاء.

عجز في وقود الطائرات

ولا تقتصر تداعيات اضطرابات الطاقة على النفط والغاز، إذ تواجه سوق وقود الطائرات في أوروبا فجوة كبيرة بين العرض والطلب خلال الربع الأخير من العام.

وتقدر شركة "إنرجي أسبيكتس" حجم العجز المتوقع بنحو 510 آلاف برميل يوميًا، في ظل تراجع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، بالتزامن مع الاضطرابات التي أثرت على حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

وتسعى الدول الأوروبية إلى تعويض جزء من هذا النقص من موردين بعيدين، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية، التي ارتفعت صادراتها من وقود الطائرات إلى أوروبا خلال سبتمبر إلى نحو 129 ألف برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2022، وفق بيانات شركة "كيبلر".

ويعكس ارتفاع الواردات الأوروبية من الأسواق الآسيوية مدى اعتماد القارة على الإمدادات العالمية في ظل تعرض مصادرها التقليدية للاضطراب.

مخزونات وقود الطائرات عند مستويات منخفضة

وتزداد حساسية سوق وقود الطائرات الأوروبية مع تراجع المخزونات في مركز أمستردام-روتردام-أنتويرب إلى أدنى مستوى لها في سبع سنوات خلال الأسبوع المنتهي في 10 سبتمبر، ما يجعل السوق أكثر عرضة لأي تأخير جديد في الشحنات أو زيادة في الطلب.

وفي المقابل، رفعت كوريا الجنوبية إنتاجها من وقود الطائرات إلى أعلى مستوى في سبع سنوات خلال يوليو، بالتزامن مع زيادة نشاط تكرير الخام.

كما ساهم اتساع الفارق السعري بين الأسواق الآسيوية والأوروبية في تشجيع توجيه المزيد من الشحنات إلى أوروبا، للاستفادة من ارتفاع العوائد التصديرية.

الغاز يضاعف الضغوط على أوروبا

ولا تبدو سوق الغاز الأوروبية أقل تأثرًا بالاضطرابات، خاصة مع اقتراب موسم الشتاء وارتفاع الطلب على التدفئة والطاقة.

وتجاوزت الأسعار المرجعية للغاز في هولندا مستوى 80 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال سبتمبر، في وقت جاءت فيه مخزونات الغاز الأوروبية عند مستويات أقل من المعتاد قبل موسم الطلب المرتفع.

ويرى البنك المركزي الأوروبي أن ارتفاع أسعار الغاز أصبح ينتقل إلى التضخم في منطقة اليورو بوتيرة أسرع مقارنة بفترة أزمة الطاقة السابقة، نتيجة التغيرات التي طرأت على العقود والأسواق الأوروبية وسرعة انتقال أسعار الجملة إلى المستهلكين.

وسجل التضخم في منطقة اليورو 3.3% خلال أغسطس، مقابل 2.9% في يوليو، بينما ارتفعت أسعار الطاقة بأكثر من 14% على أساس سنوي.

ولا يقتصر تأثير ارتفاع الغاز على فواتير الكهرباء والتدفئة، إذ تمتد تداعياته إلى الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة وقطاعات النقل والخدمات، وصولًا إلى أسعار السلع النهائية التي يتحملها المستهلك.

الطاقة تعيد التضخم إلى الواجهة

ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز والوقود المكرر، تعود الطاقة لتحتل موقعًا رئيسيًا في معركة التضخم الأوروبية، بعد أن شهدت معدلات التضخم تراجعًا خلال الفترة الماضية.

وتكمن خطورة الصدمة الحالية في أنها لا ترتبط بارتفاع سعر سلعة واحدة، وإنما باضطراب سلسلة متكاملة من الإمدادات، تبدأ من النفط والغاز وتمتد إلى الوقود والكهرباء والنقل والإنتاج، وهو ما يزيد احتمالات انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى قطاعات اقتصادية متعددة.

معادلة صعبة أمام البنك المركزي الأوروبي

وتضع هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة نقدية معقدة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، الأمر الذي قد يتطلب استمرار سياسة نقدية أكثر تشددًا، في حين أن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يزيد الضغوط على الشركات والأسر ويؤثر في الاستثمار والاستهلاك.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.5% في سبتمبر، محذرًا من أن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة قد يجعلان التضخم أكثر استمرارًا مما كان متوقعًا.

كما رفع البنك توقعاته لمتوسط التضخم في منطقة اليورو خلال 2026 إلى نحو 3%.

وتشير توقعات البنك إلى أن السيناريو الأكثر سوءًا قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 130 دولارًا للبرميل، والغاز إلى حوالي 130 يورو لكل ميجاواط/ساعة خلال الربع الأخير من 2026، إذا طال أمد الصراع واضطربت الإمدادات بصورة أكبر.

وفي المقابل، يفترض السيناريو الأساسي مستويات أقل من ذلك، بما يعكس حجم ارتباط مسار التضخم الأوروبي بتطورات أزمة الطاقة في الشرق الأوسط.

مضيق هرمز في قلب أزمة الطاقة

ويظل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمية، خاصة مع تراجع حركة سفن السلع عبره بصورة كبيرة خلال الأيام الأخيرة.

وسجلت 17 سفينة للسلع عبور المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقابل 37 سفينة في الأسبوع السابق، مقارنة بمتوسط سابق للحرب بلغ نحو 125 سفينة يوميًا.

ويزيد تراجع حركة السفن من مخاوف الأسواق بشأن استمرار تدفقات النفط والغاز والسلع المرتبطة بالطاقة، خاصة مع اعتماد الأسواق العالمية على الممر البحري في نقل كميات كبيرة من إمدادات الطاقة.

أوروبا أمام اختبار مزدوج

وتواجه أوروبا في الوقت الحالي سلسلة مترابطة من الضغوط تبدأ بارتفاع أسعار النفط والغاز، وتمتد إلى الوقود المكرر ووقود الطائرات، ثم إلى تكاليف النقل والكهرباء والإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلكون.

وكلما طال اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ازدادت صعوبة احتواء هذه التأثيرات، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب الأوروبي على الطاقة.

وتترقب الأسواق أي انفراجة سياسية يمكن أن تساعد على عودة تدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية وتخفيف الضغوط على الأسعار، بينما يظل الاقتصاد الأوروبي أمام اختبار مزدوج يتمثل في تأمين احتياجاته من الطاقة والحد من عودة التضخم إلى مستويات مرتفعة.

وفي المقابل، يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه أمام تحدي الموازنة بين مواجهة التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي وتجنب زيادة الضغوط على اقتصاد منطقة اليورو.