50 دقيقة صنعت المجد.. مبارك وملحمة القوات الجوية في أكتوبر

تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء القوة المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت للجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم الرئيس الراحل حسني مبارك، والذي كان قائد القوات الجوية أثناء حرب أكتوبر.
القوات الجوية
كان للقوات الجوية المصرية دور رئيسي ومؤثر في تحقيق نصر السادس من أكتوبر، بقيادة الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، الذي تولى قيادة القوات الجوية خلال حرب أكتوبر 1973، وأسهم مع رجال القوات الجوية في تنفيذ مهام قتالية كان لها أثر بالغ في سير العمليات منذ الساعات الأولى للحرب.
وفي السطور التالية، نستعرض أبرز المحطات في حياة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ومسيرته العسكرية التي امتدت من القوات الجوية إلى قيادة واحدة من أهم مراحل تاريخها، وصولا إلى المشاركة في استعادة الأراضي المصرية ورفع العلم المصري فوق سيناء.
نشأة حسني مبارك
ولد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في الرابع من مايو عام 1928، بقرية كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية، والتحق بمدرسة المساعي الثانوية بشبين الكوم، ثم التحق بالكلية الحربية، وحصل منها على بكالوريوس العلوم العسكرية في فبراير عام 1949، وتخرج برتبة ملازم ثان.
وعقب تخرجه، التحق ضابطا بسلاح المشاة في اللواء الثاني الميكانيكي لمدة ثلاثة أشهر، قبل أن تتجه مسيرته العسكرية إلى مجال الطيران.
فمع إعلان الكلية الجوية قبول دفعة جديدة من خريجي الكلية الحربية، تقدم مبارك للالتحاق بها، واجتاز الاختبارات ضمن أحد عشر ضابطا تم قبولهم بالكلية، ليتخرج في الكلية الجوية حاصلا على بكالوريوس علوم الطيران في الثاني عشر من مارس عام 1950.
بعثات خارجية ودراسات عسكرية
واصل مبارك مسيرته في القوات الجوية، وخضع لعدد من برامج التدريب والتأهيل خارج مصر، فسافر في بعثات متعددة إلى الاتحاد السوفيتي، من بينها بعثة للتدريب على القاذفة إليوشن ـ 28، وأخرى للتدريب على القاذفة تي ـ يو ـ 16.
كما تلقى دراسات عليا بأكاديمية فرونز العسكرية في الاتحاد السوفيتي خلال الفترة من عام 1964 إلى عام 1965، ليجمع بين الخبرة العملية والتأهيل العسكري المتخصص، وهو ما أسهم في مسيرته المتدرجة داخل القوات الجوية.
التدرج الوظيفي
تدرج مبارك في المناصب القيادية داخل القوات الجوية، فأصبح قائدا للواء قاذفات قنابل، ثم تولى قيادة قاعدة غرب القاهرة عام 1966.
وفي الخامس من يونيو عام 1967، عين قائدا لقاعدة بني سويف الجوية، ثم تولى منصب مدير الكلية الجوية في نوفمبر من العام نفسه، بالتزامن مع مرحلة شديدة الأهمية شهدت حرب الاستنزاف وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية.
وفي الثاني والعشرين من يونيو عام 1969، رقي إلى رتبة العميد، ثم شغل منصب رئيس أركان القوات الجوية، قبل أن يتولى قيادة القوات الجوية في أبريل عام 1972.
وفي العام نفسه، عين نائبا لوزير الحربية، لتصل مسيرته العسكرية إلى واحدة من أكثر مراحلها أهمية، مع اقتراب المواجهة التي ستغير مسار الصراع المصري الإسرائيلي.
معركة النصر في أكتوبر 1973
وخلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، سطرت القوات المسلحة المصرية ملحمة بطولية شهد لها العالم، وجاءت أعمال قتال القوات الجوية في طليعة هذه الملحمة، بعدما نفذت عددا من المهام القتالية التي استهدفت إرباك العدو وضرب مراكز قوته منذ اللحظات الأولى للحرب.
وكانت الضربة الجوية المصرية من أبرز هذه المهام، إذ أفقدت العدو توازنه في بداية الحرب، وشكلت الضربة الجوية الرئيسية قوة مكونة من أكثر من 200 طائرة مقاتلة، استهدفت الأهداف الإسرائيلية المحددة لها داخل سيناء المحتلة.
ونفذت الضربة الجوية في صمت لاسلكي تام، لتجنب أي عمليات تصنت معادية يمكن أن تكشف الهجوم المصري، فيما حلقت التشكيلات الجوية على ارتفاعات منخفضة جدا، وفي مسارات جرى اختيارها بعناية لتفادي وسائل كشف الدفاع الجوي المعادي.
وكان لهذا المرور الجوي فوق تشكيلات القوات المسلحة والقوات البرية أثر كبير في رفع معنويات الجنود المقاتلين على الأرض، كما مثل مؤشرا واضحا على بدء ملحمة مشتركة من البطولة خاضتها مختلف أفرع القوات المسلحة المصرية.
وعبرت الطائرات في توقيت متزامن خط القناة، واستهدفت مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة أم مرجم، بهدف منع سيطرته وعزله عن قواته، ثم توالت الضربات على الأهداف المخطط التعامل معها، بنسبة نجاح تجاوزت 90%.
واستهدفت الضربة ثلاثة ممرات رئيسية في ثلاثة مطارات هي المليز و بيرتمادا و رأس نصراني، بالإضافة إلى ثلاثة ممرات فرعية في المطارات نفسها، كما دمرت عشرة مواقع لبطاريات الدفاع الجوي من طراز هوك، وموقعي مدفعية، ومركزا للحرب الإلكترونية، إلى جانب عدد من مواقع الشؤون الإدارية.
واستمرت الضربة نحو 30 دقيقة، ونظرا لنجاحها في تنفيذ أكثر من 90% من المهام المكلفة بها، ألغيت الضربة الجوية الثانية، لعدم وجود حاجة إلى تنفيذها.
معركة المنصورة الجوية
واصلت القوات الجوية المصرية أداء مهامها القتالية بكفاءة واقتدار طوال حرب أكتوبر، وخاضت معاركها منذ البداية وحتى النهاية، إلا أن يوم الرابع عشر من أكتوبر شهد واحدة من أبرز صفحات البطولة الجوية، فيما عرف بمعركة المنصورة الجوية.
ففي ذلك اليوم، شن العدو هجمة جوية على مطارات الدلتا، بهدف التأثير على كفاءتها القتالية ومنع الطائرات المصرية من التدخل ضد قواته، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها خلال العمليات.
وتصدت مقاتلات القوات الجوية المصرية للهجوم انطلاقا من قاعدتي المنصورة وأنشاص، ودارت اشتباكات جوية متواصلة شارك فيها أكثر من 150 طائرة من الجانبين، أظهر خلالها الطيارون المصريون مهارات عالية في القتال الجوي.
واستمرت المعركة أكثر من 50 دقيقة، وتعد من أطول المعارك الجوية، حيث تمكنت القوات الجوية المصرية من إسقاط 18 طائرة للعدو، رغم التفوق النوعي والعددي لطائراته.
ولم يجد باقي طائرات العدو أمامه سوى إلقاء حمولاتها في البحر والفرار، وهو ما تكرر خلال أيام أخرى من الحرب، ومن هنا جرى اختيار الرابع عشر من أكتوبر عيدا للقوات الجوية المصرية، باعتباره أحد أهم أيام القتال الجوي خلال حرب أكتوبر 1973.
وشهد العالم للمخطط المصري روعة التخطيط في حرب أكتوبر، كما أثبت الطيار المصري خلال المعارك صلابة معدنه وشدة بأسه في القتال، وقدم معدلات أداء عالية بما تيسر له آنذاك من إمكانات وتسليح، خاض بها معارك البطولة والتضحية والفداء.
ويبقى من أبرز وجوه هذه المسيرة أن طياري اليوم هم تلاميذ طياري حرب أكتوبر، يحملون إرث مدرسة قتالية صنعت واحدة من أهم صفحات تاريخ القوات الجوية المصرية.
رفع العلم المصري فوق سيناء
وبعد سنوات من انتهاء العمليات العسكرية، جاء مشهد رفع العلم المصري فوق سيناء تتويجا لمسيرة طويلة من الصراع والجهد العسكري والسياسي.
ففي الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، قام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك برفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها كاملة من إسرائيل.
وفي التاسع عشر من مارس عام 1989، رفع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك علم مصر على طابا المصرية، ليكتمل بذلك مشهد استعادة الأرض المصرية.
وكان ذلك المشهد هو الأخير في سلسلة طويلة من الصراع المصري الإسرائيلي، انتهت باستعادة الأراضي المصرية كاملة، بعد مسار طويل امتزجت فيه المواجهة العسكرية بالتحرك السياسي والدبلوماسي، وصولًا إلى رفع العلم المصري فوق كامل التراب الوطني.

