53 عاما على نصر أكتوبر.. معجزة الـ6 ساعات وكسر أسطورة الجيش الذي لا يقهر

تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية العريقة، فقد تبارت فيها جميع التشكيلات والقيادات في أن تكون مفتاحا لنصر مبين، دفع فيه المصريون أثمانا غالية من دمائهم الطاهرة، ليستردوا جزءا غاليا وعزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء، بعدما قدم المصريون في سبيل ذلك دماء طاهرة وتضحيات لا تزال حاضرة في ذاكرة الأمة.
ففي السادس من أكتوبر عام 1973، أثبتت القوات المسلحة أن الإرادة حين تقترن بالتخطيط والإعداد والتضحية قادرة على كسر أصعب القيود، وتجاوز أكثر التحديات تعقيدا، وإعادة رسم معادلات القوة في المنطقة.
وتمر علينا الذكرى الثالثة والخمسون لنصر السادس من أكتوبر عام 1973، فقد حققت مصر في حرب أكتوبر معجزة بكل المقاييس، ستظل خالدة في وجدان الشعب المصري وفي ضمير الأمة العربية، وقام جيل حرب أكتوبر برفع راية الوطن على ترابه المقدس، وأعاد للعسكرية المصرية الكبرياء والشموخ في النصر العظيم.
خطة الخداع الاستراتيجي
سبق حرب أكتوبر خطة خداع استراتيجي للداخل والخارج، أشرف عليها الرئيس الراحل أنور السادات بصورة شخصية، وبالتنسيق مع أجهزة الدولة والقوات المسلحة، حيث تم اتخاذ مجموعة من الخطوات التي كانت تهدف إلى تضليل العدو الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973، وكان أهمها تمرير رسالة بأن الرئيس السادات والجيش المصري لا يفكران في الحرب على الإطلاق، واستمرار الوضع على ما هو عليه، وهو "اللاحرب واللاسلم".
كما اعتمدت خطة الخداع تسريح 30 ألف مقاتل مصري ورفع درجة الاستعداد في القواعد الجوية، كذلك تكرار إجراء التعبئة العامة والاستدعاء ثم تسريح القوات، والتدرب على عبور قناة السويس تحت سمع وبصر قوات العدو، وإنشاء ساتر ترابي على الضفة الغربية لقناة السويس، وتحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية، وخداع الأقمار الصناعية.
كما أن اختيار ساعة الصفر نفسها كان من أكبر عمليات التمويه التي قام بها الرئيس السادات، وذلك لعدة أسباب، منها أن العدو لن يخطر بباله أن الجيش سيخوض الحرب في شهر الصوم وفي أكتوبر تحديدًا، وكذلك انشغال إسرائيل بعيد الغفران اليهودي.
التوجيه الاستراتيجي لتحرير سيناء
في الخامس من أكتوبر عام 1973، أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات "التوجيه الاستراتيجي" للفريق أول أحمد إسماعيل، وزير الحربية، قال فيه السادات: "بناء على التوجيه السياسي العسكري الصادر لكم مني في أول أكتوبر 1973، وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسي والاستراتيجي، قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الاستراتيجية الآتية: إزالة الجمود العسكري الحالي بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973، وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة والمعدات، والعمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة، وأن تنفذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية".
200 طائرة تفقد العدو توازنه
وجاءت حرب أكتوبر، حيث كانت أعمال قتال قواتنا الجوية في طليعة معارك وبطولات الحرب المباركة، إذ نفذت القوات الجوية ضربة رئيسية مكونة من أكثر من 200 طائرة عبرت كلها في وقت واحد خط القناة، ونجحت في ضرب مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة "أم مرجم"، كما نجحت في ضرب 3 ممرات رئيسية في 3 مطارات هي "المليز - بيرتمادا - رأس نصراني"، بالإضافة إلى 3 ممرات فرعية في ذات المطارات، كما نجحت القوات الجوية في تدمير 10 مواقع لبطاريات الدفاع الجوي من طراز "هوك"، ومواقع للمدفعية، ومركز حرب إلكترونية، والعديد من مواقع الشؤون الإدارية، وقد تمت الضربة في صمت لاسلكي تام لتجنب أي عمليات تنصت معادية يمكن أن تكشف الهجوم المصري.
وكان من أبرز مظاهر تألق قواتنا الجوية يوم 14 أكتوبر خلال "معركة المنصورة الجوية"، حيث دارت تلك المعركة فوق منطقة الدلتا بين نسور مصر والقوات الجوية للعدو، واستمرت أكثر من 50 دقيقة، وتم إسقاط 18 طائرة للعدو خلالها، رغم التفوق النوعي والعددي لطائراته، ولم يكن أمام باقي طائرات العدو إلا أن تلقي بحمولتها في البحر وتلوذ بالفرار.
2000 مدفع يحولون جبهة العدو إلى جحيم
وبعد دقائق من الضربة الجوية، نفذت المدفعية المصرية أكبر تمهيد نيراني عرفه التاريخ العسكري الحديث بطول الجبهة المصرية، حيث أطلق ما يقرب من 2000 مدفع على طول خط القناة قذائفه ضد تمركزات ومواقع العدو في الضفة الغربية من القناة، ونجحت المدفعية المصرية في استهداف مراكز القيادة والسيطرة ومحطات الرادار الخاصة بالعدو، وذلك بعد الضربة الجوية المركزة التي قامت بها القوات الجوية على طول خط بارليف.
عبور المشاة للضفة الشرقية لقناة السويس
وبالتزامن مع قصف المدفعية، عبرت القوارب المحملة بعشرات الآلاف من الضباط والجنود إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وسط صيحات "الله أكبر" التي زلزلت كل أرجاء المعركة، وقبل انتهاء اليوم الأول من القتال، أتمت القوات المسلحة عملية نقل 5 فرق إلى سيناء عبر الكباري العائمة التي تم نصبها على ضفتي القناة، وذلك بعد ملحمة هدم الساتر الترابي بمضخات المياه.
تحطيم الذراع الطولى لإسرائيل
وكان لقوات الدفاع الجوي دور كبير وفعال في معركة أكتوبر، حيث نجحت في إسقاط أكثر من 25 طائرة خلال يومي 6 و7 أكتوبر، وعلى ضوء ذلك، أصدر قائد القوات الجوية الإسرائيلية أوامره للطيارين بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة أقل من 15 كم، وخلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، فقد العدو الإسرائيلي في سلاحه الجوي أكثر من ثلث طائراته وأكفأ طياريه الذين كان يتباهى بهم.
إغلاق مضيق باب المندب وقصف أهداف العدو
كما لعبت القوات البحرية المصرية أيضا دورا محوريا في تحقيق نصر أكتوبر، حيث كانت هناك مهام عديدة ملقاة على عاتقها واستطاعت تحقيقها بنجاح، ومنها معاونة أعمال قتال الجيوش الميدانية في سيناء، سواء بالنيران أو بحماية جانب القوات البرية المتقدمة بمحاذاة الساحل، وقد انتشرت نحو خمسين قطعة بحرية مصرية في البحرين المتوسط والأحمر، كما نفذت إبرارا بحريا لعناصر القوات الخاصة على الساحل الشمالي لسيناء، كما أغلقت البحرية المصرية مضيق باب المندب، وقامت بالإغارة على الموانئ والمراسي والأهداف الساحلية في إسرائيل.
قوات المظلات والصاعقة
وخلال حرب أكتوبر، نجحت قوات المظلات في تدمير مواقع وأهداف تابعة لقوات العدو في مضيقي متلا والجدي، ومنعت تقدمه من خلالهما، كما نجحت القوات في احتلال المصاطب الموجودة غرب القناة، ومعاونة وحدات وتشكيلات القوات المسلحة في الاستيلاء على النقط القوية وتأمين رؤوس الكباري ضد هجمات العدو المضادة، كما قامت بتنفيذ مهام قتالية لصالح تشكيلات ووحدات شرق القناة، لتأمين الموجات الأولى للعبور.
كما كانت هناك بطولات لقوات الصاعقة، مثل البطولات الخاصة بالمجموعة 129 صاعقة، حيث نجحت خلال الساعات الأولى من الحرب في تدمير 28 دبابة و12 عربة مجنزرة، كما استطاعت المجموعة 127 صاعقة أن تحاصر النقطة الحصينة في لسان بورتوفيق حتى استسلم لها الجنود، وتم أسر 37 فردًا من قوات العدو في يوم 13 أكتوبر، كما تم الاستيلاء على 3 دبابات سليمة وجميع الأسلحة التي كانت موجودة في هذه النقطة القوية.
أبرز معارك الحرب
ومن أبرز المعارك التي خاضتها القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر: معركة تبة الشجرة، ومعركة عيون موسى، ومعركة القنطرة شرق، ومعركة الفردان، ومعركة المنصورة الجوية، والمزرعة الصينية.

