جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

سيد بدري يكتب: درع الوطن وفجر الكرامة.. قراءة في الأبعاد الاستراتيجية والإنسانية لحرب أكتوبر المجيدة

-

تُعد حرب السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان 1393هـ) نقطة تحول كبرى في تاريخ العصر الحديث، ولم تكن مجرد معركة عسكرية عابرة لاسترداد أرض سيناء الحبيبة، بل كانت ملحمة إنسانية واستراتيجية أعادت رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط وأسست لمفهوم جديد للأمن والاستقرار الإقليمي.

1- صفعة استراتيجية وانهيار أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"

كسر الغرور العسكري: أدت العبقرية والتخطيط الدقيق وخداع العدو إلى اجتياز مانع قناة السويس وتحطيم خط بارليف المانع الحصين خلال ساعات معدودة.

إعادة التوازن الميداني: أثبتت المعركة أن التفوق التقني المطلق لا يُغني عن الإرادة القتالية، والكفاءة التخطيطية، وقوة الجندي المصري.

اهتزاز الثقة الداخلية للكيان المحتل: أحدثت الصدمة زلزالاً سياسياً وعسكرياً داخل إسرائيل، مهدت لاحقاً لإدراك استحالة دوام الاحتلال بالقوة المطلقة.

2- استرداد الروح والكرامة الوطنية

لقد أثبت الفرد المصري أنه قادر على صنع المعجزات متى توفرت له القيادة، والإرادة، والعدالة الاجتماعية.

محو آثار هزيمة 1967: تحولت حالة الانكسار النفسي الجمعي إلى فخر وطني وثقة مطلقة بالنفس.

توحيد الجبهة الداخلية: التفاف الشعب المصري بكافة طوائفه خلف القوات المسلحة، ليصبح الشعب هو الظهير الحقيقي لكل إنجاز.

استعادة الهوية: عاد المصري لينظر إلى مرآة التاريخ بعين الواثق القادر على صناعة مستقبل.

3- التحول الاستراتيجي والاستقرار بعيد المدى

بناء السلام القائم على القوة: أثبتت أكتوبر أن السلام الحقيقي لا يُنتزع إلا من موقع القوة؛ فقد مهدت المعركة الطريق لاسترداد كامل تراب سيناء عبر التفاوض المدعوم ببطولة السلاح.

ترسيخ السيادة: تثبيت أركان الدولة المصرية كقوة إقليمية مركزية تصنع الاستقرار وتحميه في محيط مضطرب.

4- البعد الاقتصادي: من اقتصاد الحرب إلى آفاق الانفتاح والتنمية

إعادة فتح قناة السويس (1975): شريان التجارة العالمية الذي عاد لنبضه، محققاً عوائد مالية مباشرة لدعم الاقتصاد القومي.

استعادة الثروات الطبيعية: استعادة حقول النفط في سيناء، مما خفف الضغط عن ميزان المدفوعات والطاقة.

إعادة إعمار مدن القناة: تحويل بورسعيد والإسماعيلية والسويس إلى مراكز نمو وعجلة تنشيط تجاري وعمراني.

5- التأثير العالمي: إعادة تشكيل التوازنات الدولية

سلاح النفط العربي: أثبتت حرب أكتوبر أن الإرادة العربية المشتركة قادرة على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بفاعلية عالمية.

نهاية الأحادية القطبية في الأزمة: فرضت القضية الفلسطينية والعربية كأولوية دولية، وأجبرت القوى الكبرى على إعادة تقييم حساباتها تجاه المنطقة.

إرساء قواعد دبلوماسية جديدة: تحولت مصر إلى محور أساسي لأي تسوية سياسية عادلة وشاملة في الشرق الأوسط.

الخلاصة

لم تكن حرب أكتوبر حرب استرداد أرض فقط، بل كانت إعلاناً بميلاد إرادة أمة أثبتت أن الكرامة الوطنية هي رأس المال الحقيقي للتنمية، وأن الاستقرار المستدام يبدأ بيقين شعب لا يقبل الهوان ولا يفرط في الحق.