جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

مها بسطاوي تكتب: كيف صنعت اللغة النوبية أحد أسرار نصر أكتوبر؟

-

في تاريخ الحروب تبقى بعض القصص حبيسة الظل لسنوات طويلة، ليس لأنها أقل أهمية من المعارك الكبرى، بل لأن طبيعتها السرية تجعلها بعيدة عن أعين الناس. وبينما انشغل المؤرخون طويلاً بالحديث عن خطة العبور، وتحطيم خط بارليف، والبطولات العسكرية التي سطرها الجنود المصريون في حرب السادس من أكتوبر 1973، ظل هناك بطل آخر يعمل بصمت، بطل لم يكن دبابة ولا طائرة ولا صاروخًا، وإنما لغة قديمة حملتها ذاكرة أبناء النوبة عبر آلاف السنين. هذه اللغة التي وُلدت على ضفاف النيل في أقصى جنوب مصر تحولت في لحظة فارقة من التاريخ إلى سلاح استراتيجي أسهم في حماية أسرار الجيش المصري وأربك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية خلال واحدة من أهم الحروب في تاريخ المنطقة.

عندما نقرأ تاريخ الحروب الحديثة ندرك أن المعركة لا تُحسم فقط على خطوط القتال، بل تُحسم أيضًا في غرف العمليات وشبكات الاتصالات ومراكز جمع المعلومات. فالجيش الذي يفقد سرية اتصالاته يصبح مكشوفًا أمام خصمه مهما امتلك من أسلحة وإمكانات. ولهذا السبب كانت قضية الاتصالات العسكرية تمثل تحديًا حقيقيًا أمام القيادة المصرية بعد نكسة يونيو 1967، خاصة في ظل التفوق الإسرائيلي في مجالات التنصت الإلكتروني وتحليل الشفرات. وكانت الخبرة المتراكمة لدى إسرائيل في اعتراض الرسائل اللاسلكية تجعل أي خطة عسكرية عرضة للخطر إذا لم تُؤمَّن وسائل الاتصال بصورة تضمن السرية الكاملة. من هنا بدأ البحث عن حل غير تقليدي، حل لا يعتمد على الأجهزة وحدها، وإنما على عنصر لا يمكن توقعه أو إدراجه بسهولة ضمن حسابات الحرب الكلاسيكية.

في تلك الأثناء ظهرت فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها شديدة الذكاء. لماذا لا تُستخدم اللغة النوبية كلغة اتصال سرية بين الوحدات العسكرية؟ كانت الفكرة مختلفة عن كل ما هو مألوف في عالم التشفير. فبدلًا من تطوير رموز معقدة يمكن مع الوقت فكها أو تحليلها، جرى التفكير في استخدام لغة لا يعرفها العدو أصلًا. لغة يتحدث بها أبناء النوبة في مصر والسودان، لكنها بعيدة تمامًا عن دوائر الدراسات اللغوية والاستخباراتية التي كانت تمتلكها إسرائيل في ذلك الوقت. وهكذا تحولت إحدى أقدم لغات وادي النيل من تراث ثقافي محلي إلى أداة أمنية ذات قيمة استراتيجية عالية.

تكمن عبقرية الفكرة في طبيعة اللغة النوبية نفسها. فهذه اللغة ليست لهجة عربية كما يعتقد البعض، بل تنتمي إلى عائلة لغوية مستقلة لها تاريخ طويل يمتد إلى قرون عديدة. وقد حافظت المجتمعات النوبية على لغتها رغم التغيرات السياسية والثقافية التي شهدتها المنطقة. كما أن استخدامها ظل محصورًا إلى حد كبير داخل المجتمع النوبي، الأمر الذي جعلها بعيدة عن الاهتمام الأكاديمي العالمي مقارنة بلغات أخرى أكثر انتشارًا. لذلك فإن أي جهة تتنصت على الاتصالات التي تتم بها ستجد نفسها أمام أصوات ومفردات لا تملك مفاتيح فهمها أو تفسيرها. وكان هذا بالتحديد هو المطلوب في تلك المرحلة الحساسة من الصراع.

ورغم أهمية الفكرة نفسها، فإن القصة الحقيقية لا تكتمل إلا بذكر الرجل الذي ارتبط اسمه بها، وهو البطل النوبي أحمد محمد أحمد إدريس. فقد كان إدريس جنديًا من أبناء النوبة خدم بالقوات المسلحة المصرية وشارك في مراحل مختلفة من الصراع العربي الإسرائيلي. وبينما كان القادة العسكريون يبحثون عن وسيلة جديدة لتأمين الاتصالات بعد نجاح العدو في فك بعض الشفرات السابقة، اقترح إدريس استخدام اللغة النوبية باعتبارها لغة لا تُعرف خارج نطاق محدود جدًا من المتحدثين. وقد وصلت فكرته إلى مستويات القيادة العليا، حيث لاقت اهتمامًا كبيرًا وتم التعامل معها باعتبارها مشروعًا أمنيًا بالغ الحساسية.

تحول أحمد إدريس من جندي بسيط إلى صاحب واحدة من أكثر الأفكار ابتكارًا في تاريخ العسكرية المصرية. لم يمتلك الرجل مختبرًا للأبحاث، ولم يكن خبيرًا في علوم الاتصالات أو التشفير الإلكتروني، لكنه امتلك ما هو أهم من ذلك كله، وهو القدرة على رؤية الحل في مكان لم ينتبه إليه الآخرون. فقد أدرك أن اللغة التي نشأ عليها في قريته النوبية يمكن أن تصبح سدًا منيعًا أمام محاولات الاختراق والتجسس. وهنا تكمن قيمة الإبداع الحقيقي؛ أن ترى في الأشياء المألوفة إمكانات لا يراها غيرك.

بعد الموافقة على الفكرة بدأت مرحلة التنفيذ. لم يكن الأمر مجرد استخدام عشوائي للغة النوبية، بل احتاج إلى تنظيم دقيق وتدريب مستمر. جرى الاستعانة بعدد من الجنود النوبيين القادرين على التحدث بلغتهم الأم بطلاقة، وتم توزيعهم على مواقع الاتصال المختلفة داخل القوات المسلحة. كما جرى الاتفاق على مجموعة من المصطلحات العسكرية التي تُستخدم في تبادل الرسائل والأوامر. وبهذا أصبحت اللغة النوبية جزءًا من منظومة الاتصال التي ساعدت على تأمين المعلومات المتداولة بين الوحدات المختلفة.

وقد ارتبطت بداية الحرب ببعض الكلمات النوبية التي دخلت التاريخ العسكري المصري. فخلال الساعات الأولى من معركة العبور ترددت عبر شبكات الاتصال كلمات لم يفهمها الجانب الإسرائيلي، لكنها كانت تحمل معاني حاسمة بالنسبة للقوات المصرية. كانت تلك الكلمات بمثابة مفاتيح عمليات كاملة، ورسائل تحدد حركة الوحدات وتوقيت تنفيذ المهام. وهنا ظهرت القيمة الحقيقية للشفرة النوبية؛ إذ استطاعت أن توفر درجة عالية من السرية في لحظة كانت كل معلومة فيها تعني الفارق بين النجاح والفشل.

ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التأكيد على أن الشفرة النوبية لم تكن العامل الوحيد وراء النصر. فحرب أكتوبر كانت نتيجة منظومة متكاملة من التخطيط العسكري والاستعداد النفسي والكفاءة القتالية والعمل الاستخباراتي والخداع الاستراتيجي. لكن أهمية اللغة النوبية تكمن في أنها كانت جزءًا فعالًا من هذه المنظومة. لقد ساعدت على حماية الاتصالات، وأتاحت نقل الأوامر بعيدًا عن أعين وآذان الخصم، وأسهمت في الحفاظ على عنصر المفاجأة الذي كان أحد أهم أسرار نجاح عملية العبور.

ومن اللافت للنظر أن قصة الشفرة النوبية تكشف جانبًا مهمًا من مفهوم الأمن القومي غالبًا ما يغيب عن أذهان الناس. فالقوة الوطنية لا تعتمد فقط على حجم الجيش أو عدد الأسلحة، بل تعتمد أيضًا على قدرة الدولة على توظيف مواردها الثقافية والبشرية بصورة مبتكرة. وقد أثبتت تجربة أكتوبر أن التنوع الثقافي يمكن أن يتحول في أوقات الأزمات إلى مصدر قوة حقيقي. فاللغة النوبية التي بدت للكثيرين مجرد ميراث محلي أصبحت عنصرًا من عناصر الأمن القومي المصري في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ البلاد.

كما أن هذه القصة تعيد الاعتبار إلى أبناء النوبة ودورهم في بناء الدولة المصرية الحديثة. فعلى الرغم من أن النوبة ارتبطت تاريخيًا بالحضارة المصرية منذ أقدم العصور، فإن مساهماتها كثيرًا ما بقيت بعيدة عن الضوء الإعلامي والسياسي.

وجاءت تجربة الشفرة النوبية لتؤكد أن أبناء هذه المنطقة كانوا شركاء حقيقيين في الدفاع عن الوطن، ليس فقط بالسلاح والقتال، بل أيضًا بأحد أهم مكونات هويتهم الثقافية، وهو لغتهم القديمة. لقد ساهموا في الحرب بما امتلكوه من معرفة وتقاليد وتراث، فتحولت الهوية الثقافية إلى أداة مقاومة وطنية.

وتحمل قصة أحمد إدريس بعدًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن بعدها العسكري. فهذا الرجل ظل لسنوات طويلة ملتزمًا بسرية المهمة التي شارك فيها، ولم يسع إلى الشهرة أو الأضواء. عاش حياته باعتباره واحدًا من آلاف الجنود الذين أدوا واجبهم الوطني، قبل أن يُعاد اكتشاف دوره في السنوات اللاحقة ويتم تكريمه تقديرًا لفكرته التي خدمت الجيش المصري في مرحلة بالغة الخطورة. وتؤكد هذه القصة أن التاريخ لا يصنعه القادة وحدهم، بل يصنعه أيضًا أشخاص بسطاء قد يمتلكون فكرة واحدة قادرة على تغيير مسار الأحداث.

ومن زاوية ثقافية أوسع، تقدم تجربة الشفرة النوبية درسًا مهمًا حول قيمة اللغات المحلية. ففي عالم يتجه نحو العولمة والهيمنة اللغوية للغات الكبرى، تبدو اللغات المحلية أحيانًا وكأنها مجرد تراث مهدد بالاندثار. لكن تجربة أكتوبر أثبتت أن هذه اللغات تحمل قيمة تتجاوز البعد الثقافي البحت. فهي مخزن للهوية والمعرفة والتاريخ، وقد تصبح في لحظة معينة موردًا استراتيجيًا لا يقدر بثمن. ولو لم يحافظ النوبيون على لغتهم عبر الأجيال، لما أمكن أن تقوم بهذا الدور الذي خلدها في تاريخ العسكرية المصرية.

لقد اعتاد المؤرخون الحديث عن السلاح والاقتصاد والسياسة عند تفسير نتائج الحروب، لكن قصة اللغة النوبية تضيف عنصرًا آخر إلى هذه المعادلة، وهو الثقافة. ففي بعض الأحيان تستطيع كلمة واحدة أن تحقق ما لا تحققه أجهزة معقدة، ويتمكن تراث شعبي محلي من أداء دور يتجاوز حدود الجغرافيا التي نشأ فيها. وهذا ما حدث تمامًا عندما انتقلت اللغة النوبية من البيوت والقرى على ضفاف النيل إلى أجهزة الاتصال العسكرية على جبهة القتال.

بعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر لا تزال الشفرة النوبية تُمثل واحدة من أكثر الصفحات إثارة في تاريخ الحرب. ليس لأنها كانت سرًا عسكريًا فحسب، بل لأنها تكشف كيف يمكن للإبداع الإنساني أن يحول عناصر الهوية إلى أدوات قوة. لقد استطاع المصريون أن يوظفوا جزءًا من تراثهم الثقافي في خدمة معركة استعادة الأرض والكرامة، واستطاع أحمد إدريس أن يحول لغة أجداده إلى درع حمى الاتصالات العسكرية في لحظة مصيرية.

هكذا لم تكن اللغة النوبية مجرد وسيلة للتخاطب بين أبنائها، بل أصبحت في أكتوبر 1973 جزءًا من معركة وطن بأكمله. وفي الوقت الذي عبر فيه الجنود المصريون قناة السويس محققين واحدة من أعظم عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث، كانت الكلمات النوبية تعبر معهم، حاملة الأوامر والتعليمات والأسرار، لتؤكد أن الانتصارات الكبرى لا تصنعها القوة المسلحة فقط، وإنما يصنعها أيضًا العقل المبدع، والهوية الحية، والقدرة على تحويل التراث إلى قوة وطنية قادرة على صناعة التاريخ.