جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

مدحت الشيخ يكتب: جماعة الحوثي.. خطر يتمدد ويضع أمن المنطقة على المحك

-

لم تعد التحركات العسكرية لجماعة الحوثي مجرد فصل من فصول الأزمة اليمنية الممتدة، بل أصبحت جزءًا من مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية، وتتجاوز تداعياته حدود اليمن لتضع أمن دول المنطقة ومصالحها الاستراتيجية أمام اختبارات صعبة.

فالخطر الحقيقي الذي تمثله الجماعة لا يرتبط فقط بامتلاكها السلاح أو سيطرتها على أجزاء من الأراضي اليمنية، وإنما بقدرتها على نقل الصراع إلى محيط إقليمي واسع، وتهديد مصالح دول الجوار، والتأثير في أمن الممرات البحرية التي تمثل شرايين أساسية للتجارة العالمية.

وفي هذا السياق، تأتي التهديدات والاعتداءات التي تطال المملكة العربية السعودية لتؤكد أن أمن الخليج لم يعد بمنأى عن تداعيات الصراع اليمني، وأن استمرار امتلاك الجماعات المسلحة قدرات عسكرية متطورة خارج إطار الدولة يفتح الباب أمام مخاطر تتجاوز الحسابات التقليدية للصراعات الحدودية.

فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا في المنطقة، وأي تهديد لأمنها أو لمنشآتها الحيوية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا سعوديًا، بل يمثل تهديدًا لاستقرار الخليج والمنظومة العربية بأكملها، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين أمن الطاقة والتجارة والاستثمار وحركة الملاحة الدولية.

لكن الصورة الأكثر خطورة تتجلى في الموقع الجغرافي لليمن، المطل على البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتحول القدرات العسكرية الحوثية إلى مصدر تهديد يتجاوز حدود المواجهة البرية. فالممرات البحرية ليست مجرد طرق لعبور السفن، وإنما أوراق استراتيجية ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية كبرى، وأي اضطراب فيها ينعكس على العالم بأسره.

ويمثل باب المندب نقطة بالغة الحساسية في حركة التجارة الدولية، كما يرتبط أمن البحر الأحمر بصورة مباشرة بالمصالح المصرية، وفي مقدمتها قناة السويس التي تشكل أحد أهم مصادر الدخل القومي، وأحد أبرز الممرات التي تربط الشرق بالغرب.

ومن ثم، فإن استمرار التهديدات للملاحة البحرية لا يقتصر تأثيره على شركات النقل والسفن التجارية، بل يمتد إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإعادة توجيه مسارات التجارة، وزيادة الضغوط على الاقتصادات، فضلًا عن انعكاساته على أسعار السلع والطاقة واستقرار الأسواق.

وهنا تظهر خطورة تحويل الممرات البحرية إلى أدوات للضغط السياسي والعسكري، لأن السماح لأي جماعة مسلحة بفرض معادلات نفوذ بالقوة في هذه المناطق يخلق سابقة تهدد حرية الملاحة الدولية، ويجعل الاقتصاد العالمي عرضة لتقلبات مرتبطة بقرارات التصعيد في مناطق الصراع.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن طبيعة التوازنات الإقليمية والدور الإيراني في دعم الحوثيين، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن استخدام الجماعة ضمن حسابات استراتيجية أوسع. فكلما ازدادت قدراتها العسكرية واتسعت مساحة تحركاتها، أصبحت احتمالات توظيف الأراضي اليمنية في صراعات إقليمية أكثر تعقيدًا، بما يضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية متزايدة.

والأخطر أن استمرار هذا الوضع يهدد مفهوم الدولة الوطنية، ويعزز نفوذ الكيانات المسلحة التي تفرض واقعًا عسكريًا وسياسيًا خارج المؤسسات الشرعية، وهو ما يجعل الوصول إلى تسويات مستقرة أكثر صعوبة، ويمنح الصراعات قابلية دائمة للتجدد.

إن المنطقة لا تحتاج إلى جبهات جديدة أو سباقات تسلح أو مغامرات عسكرية تستهلك مقدرات الشعوب، وإنما تحتاج إلى منظومة أمن إقليمي تحترم سيادة الدول، وتمنع استخدام أراضيها منصات لتهديد الجيران، وتحمي الممرات البحرية من أي محاولات للابتزاز أو تعطيل حركة التجارة.

ومن هنا، فإن مواجهة الخطر الحوثي تتطلب تحركًا يتجاوز ردود الفعل المؤقتة، من خلال تعزيز التنسيق العربي، وتطوير آليات حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتصدي لانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، إلى جانب دعم مسار سياسي يعيد لليمن مؤسساته وقدرته على إدارة شؤونه بعيدًا عن هيمنة الجماعات المسلحة.

كما أن حماية المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وتأمين البحر الأحمر، والحفاظ على استقرار قناة السويس، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في معادلة واحدة عنوانها الأمن القومي العربي. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يترك آثاره على بقية الأطراف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول التهديدات المتكررة إلى أمر معتاد، وأن تتعايش المنطقة مع وجود جماعة مسلحة تمتلك القدرة على التأثير في أمن الدول والممرات الدولية دون أن تتحمل مسؤولية التداعيات التي تترتب على تصعيدها.

فالخطر الحوثي لم يعد محصورًا في حدود اليمن، والتهديدات التي تواجه السعودية ليست معزولة عن أمن الخليج، وما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب يمس بصورة مباشرة المصالح المصرية والعربية والدولية. إنها معركة حماية الاستقرار وسيادة الدول وحرية الملاحة، والتعامل معها باعتبارها قضية أمن قومي مشترك لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتحدياتها.