هدية الجمهورية الجديدة للبحيرة.. أول كلية طب ومستشفى جامعي في تاريخ المحافظة ينهي غربة المرضى والطلاب

عقود من الانتظار تنتهي
تخيل أنك تعيش في محافظة يقطنها أكثر من 7 ملايين مواطن، لكنك إذا مرضت بمرض يستدعي تخصصاً دقيقاً فعليك أن تحزم حقائبك وتسافر لمحافظة أخرى، وإذا تفوق ابنك في الثانوية العامة وحلم بأن يكون طبيباً فعليه أن يغترب بعيداً عنك.
. هذا بالضبط كان واقع محافظة البحيرة لعقود طويلة.اليوم هذا الواقع يتغير من جذوره، مع اقتراب اكتمال أهم مشروع خدمي وتنموي في تاريخ المحافظة الحديث، إنشاء أول كلية طب ومستشفى جامعي بجامعة دمنهور، في عهد الجمهورية الجديدة.
قرار من مجلس الوزراء يحسم الجدل
الخطوة الحاسمة جاءت من العاصمة، حيث وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على تعاقد جامعة دمنهور لتنفيذ الأعمال المستجدة لمشروع كلية الطب والمستشفى الجامعي، وفقاً لأحكام المادة 78 من قانون تنظيم التعاقدات رقم 182 لسنة 2018.وهذا القرار لا يعني مجرد موافقة روتينية، بل يعني أن الدولة رصدت الاعتمادات وحسمت أمرها باستكمال المشروع حتى التشغيل، وعدم تركه كهيكل خرساني، وهو ما كان يمثل التحدي الأكبر لأي مشروع ضخم.
المستشفى الجامعي ثورة في العلاج
ما الذي يميز المستشفى الجامعي عن أي مستشفى عام؟ الإجابة ببساطة أنه يجمع ثلاث وظائف في مبنى واحد: يقدم علاجاً متخصصاً لا يتوفر في المستشفيات العادية، ويدرب أجيالاً جديدة من الأطباء، ويجري أبحاثاً علمية تطور أساليب العلاج.المشروع في دمنهور مصمم على هذا الأساس، بطاقة استيعابية تعكس مدينة طبية متكاملة:
273 سريراً للإقامة الداخلية، و72 سريراً للعناية المركزة، و25 سريراً للطوارئ، و10 غرف عمليات كبرى، و20 عيادة خارجية، و18 ماكينة غسيل كلوي، و12 حضانة للأطفال المبتسرين، و5 غرف للولادة، بالإضافة إلى بنك دم ومعمل مركزي و3 غرف مناظير ووحدات أشعة وعلاج إشعاعي وعلاج طبيعي وسكن مجهز للأطقم الطبية.الرسالة واضحة: مريض البحيرة سيجد الخدمة المتقدمة بجوار منزله.كلية الطب..
استثمار في الإنسانإذا كان المستشفى يعالج اليوم، فكلية الطب تبني الغد. غياب الكلية كان يعني أن طلاب البحيرة المتفوقين مجبرون على الالتحاق بجامعات الإسكندرية وطنطا وكفر الشيخ، بما يحمله ذلك من أعباء مالية ونفسية على أسرهم.الكلية الجديدة تنهي هذه الغربة، فهي تستهدف قبول 300 طالب في الدفعة الواحدة، وتضم مدرجاً رئيسياً يسع 600 طالب و8 مدرجات فرعية و38 قاعة دراسية و8 قاعات للتدريس العملي و10 معامل متخصصة و11 معملاً للمهارات السريرية و5 مشارح تعليمية مجهزة ومعملاً حديثاً للحاسب الآلي.هنا سيتعلم الطالب الطب النظري والسريري في نفس الحرم الجامعي، من الكتاب إلى سرير المريض مباشرة
5 مليارات ليست مجرد رقم
القيمة الاستثمارية المعلنة للمشروع تقترب من 5 مليارات جنيه، وتحديداً 4.8 مليار جنيه، وهو رقم يعكس حجم الرهان على البحيرة. لكن العائد الحقيقي ليس مادياً فقط، بل هو عائد اجتماعي وتنموي: توفير آلاف فرص العمل للأطباء والتمريض والفنيين، وتخفيف الضغط عن مستشفيات المحافظات المجاورة، وتوطين البحث العلمي في قضايا صحية تخص بيئة البحيرة الزراعية.
الطريق لم يكتمل بعد
النجاح الحقيقي للمشروع لن يقاس بافتتاح المباني، بل بتشغيلها بكفاءة. فالمستشفى الجامعي يحتاج إلى استقطاب أساتذة كبار، واعتماد أكاديمي، وتكامل ذكي مع مستشفيات وزارة الصحة والتأمين الصحي بالمحافظة، حتى لا يكون جزيرة منعزلة، بل قاطرة تقود تطوير المنظومة كلها.ومع ذلك، فإن ما تحقق حتى الآن يمثل نقلة تاريخية.
البحيرة التي كانت بلا كلية طب، أصبحت على بعد خطوات من امتلاك صرح يجمع بين التعليم والعلاج والبحث، صرح يجسد فلسفة الجمهورية الجديدة في توزيع التنمية بعدالة، وأن الخدمة المتقدمة لم تعد حكراً على العاصمة والمدن الكبرى.




