جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

بين الإعلام والسياسة.. تحديات الإندماج وهجرة العقول ندوة فكرية

ندوة
الديار- أسامة مرسي -
الإسكندرية

ناقشت ندوة فكرية بعنوان «الهجرة بين الإعلام والسياسة، نحو تواصل أعمق بين الشعوب»، الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لقضية الهجرة، وتأثير الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية عن المهاجرين، ودوره في مواجهة الصور النمطية وخطاب الكراهية، إلى جانب تحديات الاندماج في المجتمعات المستقبلة، وتأثير هجرة العقول والكفاءات على الدول العربية.

نظمت الندوة لجنة الشؤون السياسية والخارجية ولجنة الشؤون الإعلامية والاتصالية بالمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي (ADICO)، والاتحاد العربي للإعلام والثقافة، عبر منصة «Zoom»،، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والأكاديميين والإعلاميين والخبراء من مصر وعدد من الدول العربية.

وأدارت الندوة الدكتورة حنان يوسف، رئيسة المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، ورئيسة الاتحاد العربي للإعلام والثقافة، حيث رحبت بالمشاركين، مؤكدة أهمية التعاون والتكامل بين لجان المنظمة والاتحاد في مناقشة القضايا التي تمس المجتمعات العربية، مشيرة إلى أن ملف الهجرة من القضايا شديدة الحساسية، لتشابك أبعاده الإيجابية والسلبية، وما يثيره من تساؤلات حول العلاقة بين الإعلام والسياسة ومدى قدرة هذه العلاقة على بناء جسور حقيقية للتقارب بين الشعوب والدول.

وأوضحت أن الإعداد للندوة شهد نقاشًا حول زاوية تناول القضية، بين التركيز على الهجرة غير النظامية وما يرتبط بها من مآسٍ وقوارب الموت، وبين تسليط الضوء على الهجرة النظامية وما تحمله من فرص إيجابية، خاصة أن الكفاءات والعقول العربية الموجودة بالخارج تمثل سفراء لأوطانها، وتسهم في نقل الخبرات والمعارف إلى المجتمعات المختلفة.

وفي مستهل المداخلات، أكد السفير الدكتور محمد الشاذلي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن الهجرة قضية متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في الجانبين الإعلامي والسياسي، إذ ترتبط كذلك بالاقتصاد والأمن وحقوق الإنسان، موضحًا أن البحث عن فرص اقتصادية وظروف معيشية أفضل يمثل أحد أبرز دوافع الهجرة.

وأشار إلى أن القضية اكتسبت أبعادًا سياسية أكثر تعقيدًا مع تصاعد الخطابات العنصرية في عدد من الدول المستقبلة للمهاجرين، رافضًا التمييز بين البشر على أساس الجنسية أو الأصول، خاصة أن دولًا أوروبية استفادت تاريخيًا من جهود المهاجرين وتضحياتهم في مراحل مفصلية من تاريخها.

واستشهد بمشاركة جنود من السنغال وشمال أفريقيا في الحربين العالميتين، ودور جنود شبه القارة الهندية في دعم بريطانيا، فضلًا عن مساهمة العمال الأتراك في إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، متسائلًا عن مدى عدالة التنكر لدور هؤلاء الذين أسهموا في بناء المجتمعات التي استقبلتهم.

وانتقد الشاذلي تصاعد الخطاب المعادي للعرب والمسلمين والأفارقة، ومحاولات ربط المهاجرين بالأزمات والمشكلات الاجتماعية، مؤكدًا أن هذه الممارسات تتعارض مع المبادئ الإنسانية والقانونية، وأن الإعلام يتحمل مسؤولية مهمة في كشف الحقائق وتصحيح الصور النمطية وتوعية الرأي العام بخطورة العنصرية والتمييز.

وأضاف أن العولمة لا ينبغي أن تتحول إلى مسار يسمح بانتقال الثروات والنفوذ من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، بينما توضع القيود أمام حركة الأفراد من الدول الفقيرة، داعيًا إلى تنسيق المواقف الدولية لمواجهة هذه التوجهات وتحقيق قدر أكبر من العدالة في التعامل مع قضية الهجرة.

ومن تونس، استعرضت الدكتورة صوفية الهمامي، الكاتبة والإعلامية التونسية ومديرة مكتب المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي بتونس، خصوصية التجربة التونسية في ملف الهجرة، موضحة أن تونس تمثل بلدًا مصدرًا للهجرة وبلد عبور واستقبال في الوقت نفسه، وهو ما يضعها أمام مسؤولية كبيرة في تقديم خطاب إعلامي يتسم بالوعي والموضوعية والبعد الإنساني.

وأشارت إلى أن عدد التونسيين المقيمين بالخارج يتجاوز مليوني مواطن، يتركز أغلبهم في الدول الأوروبية، وأن تحويلاتهم تسهم بأكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لما أعلن عنه البنك المركزي التونسي، معتبرة أن هذه الجاليات تمثل ثروة وطنية مهمة، لم تحظ قصص نجاحها بالاهتمام الإعلامي الكافي، خاصة نماذج الأطباء والمهندسين والباحثين والعلماء الذين حققوا إنجازات في مختلف دول العالم.

وانتقدت تركيز جانب من التغطيات الإعلامية التونسية والغربية على حوادث غرق القوارب وتوقيف المهاجرين غير النظاميين وربط بعضهم بالجريمة، مقابل محدودية الاهتمام بالنماذج الإيجابية التي رفعت اسم تونس في الخارج.

ولفتت إلى دور الدراما التونسية في معالجة القضية، مستشهدة بمسلسل «الحرقة»، الذي أسهم في توعية الأسر والشباب بمخاطر الهجرة غير النظامية، وتقديمها باعتبارها رحلة محفوفة بالمخاطر وليست بطولة أو مغامرة، وقد تنتهي بفقدان الحياة.

كما تناولت تصاعد ظاهرة هجرة الأدمغة والكفاءات، خاصة في القطاعين الصحي والهندسي، موضحة أن عددًا من خريجي الجامعات التونسية يتجهون إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل أفضل، دون العودة إلى بلادهم، وهو ما ينعكس على توافر الكوادر والخبرات داخل الدولة، وأرجعت ذلك إلى عوامل اقتصادية ومعيشية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب من أصحاب الشهادات العليا.

وأكدت ضرورة أن يتجاوز الإعلام عرض المآسي إلى إبراز قصص النجاح، والتعريف بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة، مع تجنب المصطلحات التي تحمل دلالات سلبية أو تكرس التمييز، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، وإنتاج مواد وثائقية توضح مسارات الهجرة الآمنة والبدائل القانونية المتاحة أمام الشباب.

ومن جانبها، أكدت الوزيرة الدكتورة مشيرة خطاب، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان سابقًا، أن الإعلام لا يتحمل وحده مسؤولية الصورة التي تتشكل عن الهجرة، فهو ينقل الواقع، وإن كانت بعض التغطيات قد تتسم بالمبالغة أحيانًا، مشددة على أن المسؤولية الأساسية تبدأ من الدول المصدرة للهجرة، التي يتعين عليها توفير حياة كريمة وفرص عمل مناسبة لمواطنيها.

وأوضحت أن البحث عن حياة أفضل حق إنساني مفهوم، ولا يمكن لوم الإنسان الذي يسعى إلى تحسين ظروفه، لكن على الدول أن تعمل على معالجة الأسباب التي تدفع مواطنيها إلى المخاطرة بحياتهم عبر طرق غير قانونية.

وأضافت أن الدول المستقبلة تواجه بدورها تحديات تتعلق بتوفير السكن والعمل والخدمات للمهاجرين، خاصة مع وصول أعداد منهم دون ترتيبات قانونية، مشيرة إلى أن مصر تستضيف أكثر من 9 ملايين مهاجر، وفقًا لما ذكرته خلال الندوة، وهو ما يستدعي التعامل مع القضية باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الدول.

وأكدت أن الحل المستدام يرتبط بتعزيز التعاون الدولي بين الدول المصدرة والمستقبلة للهجرة، وتوفير فرص العمل والتدريب داخل الدول المصدرة، بما يحفظ كرامة المواطنين ويجنبهم مخاطر الهجرة غير النظامية، مشيرة إلى ما يتعرض له المهاجرون غير النظاميين من استغلال وانتهاكات قد تصل إلى الاتجار بالبشر.

وفي تعقيبها، أكدت الدكتورة حنان يوسف أن الإعلام لا يستطيع معالجة جميع جوانب قضية الهجرة بمفرده، لكنه قادر على تقديم خطاب مهني مسؤول لا يؤجج الأزمات، ويسهم في تعزيز التفاهم بين المجتمعات، إلى جانب تنبيه الحكومات إلى مسؤولياتها تجاه مواطنيها.

وفي محور هجرة العقول، أكد الدكتور يسري الجمل، وزير التعليم المصري الأسبق ومستشار رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، أن مصر حققت خطوات مهمة في مواجهة الهجرة غير النظامية، مشيرًا إلى تقدير دول حوض البحر المتوسط للجهود المصرية في هذا الملف.

وأوضح أن مواجهة الهجرة غير النظامية يجب أن ترتبط بخطط تنموية توفر للشباب فرص التعليم والتدريب والتأهيل، وتساعدهم على الوصول إلى سوق العمل من خلال القنوات القانونية.

وشدد على أن هجرة العقول ليست بالضرورة ظاهرة سلبية، خاصة أن عددًا من الدول المتقدمة يعاني نقصًا في أعداد الشباب ويحتاج إلى الكفاءات المؤهلة في قطاعات متعددة، وهو ما يتيح فرصًا أمام العمالة العربية المدربة.

وأشار إلى أن مصر تمتلك نحو 130 جامعة، إلى جانب الجامعات التكنولوجية والمؤسسات التعليمية التي تعمل على إعداد كوادر في تخصصات يحتاج إليها سوق العمل الدولي، وفي مقدمتها الطب والتمريض والتكنولوجيا.

واستشهد بالتجربة الهندية في تأهيل الكفاءات للعمل في أسواق التكنولوجيا العالمية، موضحًا أن وجود أبناء الدول بالخارج يمكن أن يحقق فوائد متعددة من خلال التحويلات المالية ونقل الخبرات والمساهمة في خلق فرص عمل جديدة.

وأكد ضرورة عدم وضع عراقيل أمام الكفاءات الراغبة في العمل بالخارج عبر الطرق القانونية، بالتوازي مع الاهتمام بتنمية القدرات البشرية والفنية داخل مصر، بما يضمن تلبية احتياجات سوق العمل المحلي.

وعقبت الدكتورة حنان يوسف بالتأكيد على أهمية استمرار التواصل بين العقول المهاجرة وأوطانها، حتى لا تتحول الهجرة إلى انقطاع كامل عن المجتمع الأصلي، مشيرة إلى أن تبادل الخبرات والمعرفة يمثل أحد أهم سبل الاستفادة من الكفاءات الموجودة بالخارج.

وفيما يتعلق بدور الإعلام، أكدت الدكتورة منى الحديدي، أستاذة الإعلام، أهمية مراجعة المصطلحات المستخدمة في تناول قضايا الهجرة، مشيرة إلى أن استخدام تعبيري «الهجرة القانونية» و«الهجرة المقننة» قد يكون أكثر دقة في بعض السياقات من تعبير «الهجرة الشرعية».

ولفتت إلى تأثير السينما الأمريكية في تشكيل الصورة الذهنية عن الهجرة من خلال الترويج لما عُرف بالحلم الأمريكي، وتصوير الحياة بالخارج باعتبارها سهلة ومليئة بالفرص، وهو ما أثر في طموحات أجيال من الشباب، خاصة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وأكدت أن الإعلام والاتصال، خصوصًا في عصر الإعلام الرقمي، مطالبان بدور توعوي تجاه الشباب الراغبين في الهجرة، من خلال تعريفهم بقوانين الدول المختلفة وشروط الإقامة والعمل، والتحذير من إساءة استخدام تأشيرات السياحة للبقاء خارج المدد القانونية المسموح بها.

وشددت على أهمية إلمام المهاجر بلغة الدولة التي يتجه إليها وثقافتها وعاداتها، باعتبار ذلك من أساسيات الاندماج في المجتمع الجديد، مع ضرورة تقديم نماذج النجاح المرتبطة بالهجرة القانونية، وتوضيح العوامل التي ساعدت أصحابها على تحقيق أهدافهم.

كما دعت إلى تعزيز التواصل مع المصريين والعرب بالخارج والاستفادة من خبراتهم، مستشهدة بالمؤتمرات التي تنظمها مصر للعقول المصرية المهاجرة، والتي تتيح فرصًا للتعاون ونقل الخبرات وإقامة المشروعات داخل الوطن، مشيرة إلى أهمية الاستفادة من مدونة السلوك الإعلامي التونسية الخاصة بتناول قضايا الهجرة وتعميم التجارب الجيدة على المستوى العربي.

ومن العراق، أكد الدكتور عبد الكريم الوزان، أستاذ الإعلام ورئيس جامعة سابق، أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في تشكيل الصورة الذهنية والتأثير في اتجاهات الرأي العام، ولا يمكنه التنصل من دوره تجاه القضايا الدولية، وفي مقدمتها الهجرة.

وأوضح أن التطورات التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، زادت من مسؤولية المؤسسات الإعلامية، وأتاحت أدوات أكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي وتوجيه الرسائل الإعلامية.

وأشار إلى ضرورة تبني خطاب إعلامي منضبط يستطيع الوصول إلى الجمهور وصناع القرار، مؤكدًا أن التنسيق بين السياسة والإعلام يساعد على اتخاذ قرارات أكثر نضجًا في ملف الهجرة.

كما حذر من الشائعات والدعاية التي قد تدفع الشباب إلى الهجرة، ومن استغلال الظروف الاقتصادية والنفسية للمهاجرين في محاولات الاختراق الأمني والتأثير على الأمن القومي للدول، داعيًا إلى إدراج التوعية بمخاطر الهجرة والاختراقات الأمنية ضمن المناهج التعليمية.

ومن واقع تجربته الشخصية، استعرض الدكتور حسين الأنصاري، المفكر العراقي المقيم في السويد منذ نحو 25 عامًا، جانبًا من التحديات التي يواجهها المهاجرون في المجتمعات الأوروبية، موضحًا أن الهجرة ترتبط بعوامل متعددة، من بينها سوق العمل والسكن واللغة والخلفيات الثقافية والدينية والتغيرات في قوانين الإقامة والجنسية.

وأشار إلى أن العراق شهد موجات هجرة واسعة بعد الحروب والأزمات التي مر بها، موضحًا أن السويد تضم نحو 3 ملايين شخص من أصول أجنبية من إجمالي عدد سكان يبلغ قرابة 10.7 مليون نسمة، وفقًا للأرقام التي أوردها خلال مداخلته.

وتناول تحدي تعدد الأجيال داخل المجتمعات المهاجرة، موضحًا أن الجيل الأول غالبًا ما يحتفظ بصلته بالوطن الأصلي، بينما قد تضعف هذه الصلة لدى الأجيال التالية، خاصة الجيل الثالث، الأمر الذي يستدعي اهتمام الأسر بالحفاظ على اللغة والهوية والتواصل مع الجذور الثقافية.

كما استعرض التغيرات التي شهدتها سياسات الهجرة في السويد، وما صاحبها من تشديد بعض شروط الإقامة والجنسية، وتوسيع إجراءات الترحيل والعودة الطوعية، مؤكدًا أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال إلى مجتمع جديد له قوانينه وثقافته وظروفه، وهو ما يتطلب استعدادًا نفسيًا وثقافيًا ولغويًا مسبقًا.

وعقبت الدكتورة مشيرة خطاب بالتأكيد على أهمية توعية الراغبين في الهجرة بضرورة احترام ثقافة البلد المستضيف وعاداته وتقاليده، وأن يكون كل مهاجر سفيرًا مشرفًا لوطنه، موضحة أن بعض التصرفات غير المسؤولة التي تصدر عن أفراد بالخارج قد تؤثر سلبًا على صورة الجاليات العربية والأفريقية بأكملها.

ودعت إلى تفعيل دور السفارات والقنصليات في تنظيم لقاءات توعوية للمواطنين بالخارج، وتعريفهم بكيفية الاندماج واحترام القوانين والعادات المحلية، مؤكدة أن المهاجر لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل معه صورة بلده وثقافته.

ومن لبنان، استعرض الدكتور علي عواض، أستاذ الإعلام بالجامعة اللبنانية وعضو الاتحاد العربي للإعلام والثقافة، خصوصية التجربة اللبنانية، موضحًا أن عدد اللبنانيين المقيمين بالخارج يتجاوز عدد المقيمين داخل البلاد.

وأشار إلى أن التقديرات التي عرضها خلال الندوة تتحدث عن وجود نحو 15 إلى 16 مليون لبناني بالخارج، مقابل قرابة 5 ملايين داخل لبنان، لافتًا إلى أن موجات الهجرة ارتبطت بالحرب الأهلية والأزمات الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح أن دراسات للرأي العام تناولت الشباب اللبناني أظهرت أن أكثر من 70% منهم يفكرون في الهجرة أو يسعون إليها أو ينتظرون فرصة للسفر، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها البلاد.

وتطرق إلى انتشار اللبنانيين وأصحاب الأصول اللبنانية في دول مثل البرازيل والأرجنتين وكندا وأستراليا، مشيرًا إلى أن أجيالًا جديدة لم تعد تحتفظ باللغة أو الثقافة أو الصلة المباشرة بلبنان، رغم امتداد جذورها العائلية إليه.

وأكد أن الهجرة تحمل جوانب إيجابية يمكن الاستفادة منها، خاصة عندما ينجح المهاجر في الحفاظ على صلته بوطنه والعمل بصورة قانونية، مستشهدًا بوصول أصحاب الأصول العربية إلى مواقع أكاديمية ومهنية بارزة في الجامعات والمؤسسات الدولية، فضلًا عن أهمية تحويلات المغتربين بالنسبة للاقتصاد اللبناني.

وفي سياق الحوار، تناول المشاركون أهمية التواصل بين السفارات والمواطنين بالخارج، حيث أوضحت الدكتورة منى الحديدي أن بعض المهاجرين غير النظاميين قد يترددون في التواصل مع السفارات والقنصليات خوفًا من وضعهم القانوني، بينما قد لا يبادر بعض المهاجرين النظاميين إلى تسجيل بياناتهم بسبب قصر مدة إقامتهم أو انشغالهم بالعمل.

وأكدت الدكتورة حنان يوسف أن السفارات والقنصليات تحتاج إلى مبادرة المواطنين بتسجيل بياناتهم والتواصل معها، داعية المهاجرين إلى إبلاغ بعثاتهم الدبلوماسية بأماكن وجودهم ووسائل الاتصال بهم، بما يتيح تقديم الدعم والمساعدة عند الحاجة.

وفي تعقيبها، أكدت الدكتورة مشيرة خطاب أن السفارات والقنصليات يمكنها مساعدة المواطنين الساعين إلى توفيق أوضاعهم القانونية، مشيرة إلى أن التواصل مع البعثات الدبلوماسية وطلب المساعدة يمثلان وسيلة مهمة للحماية من الاستغلال وعصابات الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء.

ومن جانبها، أشارت الدكتورة صوفية الهمامي إلى أن تونس تعمل على إعداد استراتيجية وطنية للهجرة بالتعاون مع جمعيات معنية بالهجرة وحقوق الإنسان، كما استعرضت تجربة القنصليات التونسية في تقديم الخدمات للمواطنين بالخارج، موضحة أن جائحة كورونا شهدت تدخلات إنسانية للبعثات التونسية لمساعدة مواطنيها الذين واجهوا ظروفًا صعبة، من خلال توفير الطعام والرعاية الصحية ومساعدتهم في الوصول إلى المستشفيات.

وفي ختام المداخلات، شدد الدكتور يسري الجمل على ضرورة تركيز الإعلام على قصص نجاح المهاجرين، وتوضيح العوامل التي ساعدتهم على تحقيق النجاح، وفي مقدمتها تنمية القدرات الشخصية والمهنية.

ووجه رسالة إلى الشباب الراغبين في السفر والعمل بالخارج، مؤكدًا أهمية تعلم اللغات وإتقان مهارات الحاسب الآلي ومواكبة التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنمية المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، حتى يكون الشباب مؤهلين للمنافسة والحصول على فرص مناسبة عبر الطرق القانونية.

واختتم السفير الدكتور محمد الشاذلي التعقيبات بالتأكيد على أن الاندماج في المجتمعات الجديدة يتطلب جهدًا من المهاجر نفسه، من خلال تعلم اللغة وفهم العادات والتقاليد واحترام ثقافة البلد المستضيف، مشيرًا إلى أن الانتقال إلى مجتمع جديد يستلزم شغفًا بالتعلم ورغبة حقيقية في فهم الآخر.

واستعرض تجربة شخصية لأبنائه خلال إقامتهم في أستراليا، حيث تعرضوا للتنمر في المدرسة وهم في سن الرابعة والخامسة، قبل أن تتدخل المدرسة لتعريف زملائهم بمصر وحضارتها وتقديم صورة إيجابية عنها، وهو ما ساعد على تغيير نظرة الأطفال إليهم، مؤكدًا أهمية دور المؤسسات التعليمية في تعريف الأطفال بثقافات بعضهم البعض ومواجهة الصور النمطية منذ الصغر.

واختتمت الدكتورة حنان يوسف الندوة بالتأكيد على أن الهجرة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر أو عبور حدود جغرافية، بل هي انتقال بين ثقافات وقيم وعادات وسياسات مختلفة، وتتطلب وعيًا متبادلًا بين المهاجر والمجتمع المستضيف والحكومات.

وشددت على أن نجاح تجربة الهجرة لا تقع مسؤوليته على طرف واحد، وإنما يتطلب وعي المهاجر بحقوقه وواجباته واحترامه للمجتمع الذي يعيش فيه، بالتوازي مع دور الحكومات والمؤسسات في توفير بيئة مناسبة للتواصل والاندماج وحماية الحقوق.

ودعت إلى استمرار الحوار العربي حول ملف الهجرة، وفتح مزيد من النقاشات المتخصصة بشأن أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، بما يسهم في تحويل الهجرة من مصدر للأزمات والتحديات إلى فرصة للاستفادة من الخبرات والكفاءات، وتعزيز التعاون بين الدول، وبناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب.