مها بسطاوي: رعمسيس الثاني لم يتغير.. لكن العالم رآه أخيرًا

من ميدان مزدحم إلى واجهة الحضارة، لم يكن تمثال رعمسيس الثاني مجرد قطعة حجرية ضخمة تتوسط أحد أشهر ميادين القاهرة، بل كان شاهدًا صامتًا على مفارقة غريبة تتكرر في حياة الأمم والأفراد على السواء.
فعلى الرغم من أن التمثال يجسد واحدًا من أعظم ملوك مصر القديمة وأكثرهم شهرة وتأثيرًا، فإنه ظل لسنوات طويلة محاصرًا وسط ضجيج المدينة وزحامها اليومي.
آلاف السيارات كانت تمر من حوله كل ساعة، ومئات الآلاف من الناس كانوا يشاهدونه يوميًا دون أن يتوقفوا لحظة للتأمل أو التفكير في القيمة التاريخية والحضارية الهائلة التي يمثلها. كان الجميع يعرف أنه تمثال رمسيس الثاني، لكن القليل فقط كان يراه حقًا.
ما الذي تغير؟
عندما اتخذ قرار نقل التمثال إلى موقعه الجديد بالقرب من المتحف المصري الكبير، انشغل كثيرون بالجوانب الهندسية واللوجستية لعملية النقل الضخمة، لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر أهمية من عملية النقل نفسها. فجأة بدأ الناس ينظرون إلى التمثال بطريقة مختلفة تمامًا.
الصور القادمة من موقعه الجديد أظهرت مهابته وعظمته بصورة لم يألفها الجمهور من قبل. أصبح جزءًا من تجربة حضارية متكاملة، وتحول إلى أحد أبرز المشاهد التي تستقبل الزائرين القادمين للتعرف على تاريخ مصر العريق، لم يزد ارتفاع التمثال سنتيمترًا واحدًا، ولم تتغير ملامحه، ولم يكتسب قيمة جديدة لم تكن موجودة فيه من قبل، لكن البيئة المحيطة به تغيرت، ومعها تغيرت نظرة الناس إليه.
المكان يصنع جزءًا من الصورة
هذه القصة تحمل معنى يتجاوز الآثار والتاريخ بكثير. فالحقيقة التي تؤكدها تجارب الحياة أن القيمة وحدها لا تكفي دائمًا لكي ترى، فكثير من الناس يمتلكون الموهبة والمعرفة والكفاءة، لكنهم يقضون سنوات طويلة في أماكن لا تسمح لهذه القدرات بالظهور.
قد يعمل شخص مبدع داخل مؤسسة لا تعترف بالإبداع أصلًا، وقد يعيش باحث موهوب في بيئة لا تمنح البحث العلمي أي اهتمام، وقد تمتلك امرأة طموحة قدرات استثنائية لكنها محاطة بأشخاص ينظرون إلى طموحها باعتباره مشكلة بدلًا من كونه ميزة.
في مثل هذه الحالات لا تكون الأزمة في الشخص نفسه، بل في المكان الذي يحاول أن يُظهر نفسه من خلاله.
عندما نخلط بين التقدير والقيمة
المشكلة أن الإنسان بطبيعته يربط بين قيمة ما يقدمه وبين مستوى التقدير الذي يحصل عليه، فإذا تجاهله الآخرون ظن أن قيمته قليلة، وإذا لم يجد الاعتراف الذي ينتظره بدأ يشك في قدراته وإمكاناته.
لكن الواقع مختلف تمامًا، فالتاريخ مليء بقصص أشخاص لم تتغير قدراتهم بقدر ما تغيرت الظروف المحيطة بهم، هناك من انتقل من مؤسسة إلى أخرى فأصبح نجمًا في مجاله، وهناك من غادر مدينة أو بلدًا كاملًا ليكتشف أن ما كان يُقابل بالإهمال في مكان ما أصبح محل تقدير واحترام في مكان آخر. القيمة لم تتغير، وإنما تغيرت زاوية الرؤية فقط.
الدرس الذي يقدمه تمثال رعمسيس
ربما لهذا السبب تلامس قصة تمثال رعمسيس الثاني قلوب الكثيرين، فبعيدًا عن كونها حكاية أثر أثري انتقل من مكان إلى آخر، فإنها تقدم درسًا إنسانيًا بالغ العمق. فالتمثال لم يكن بحاجة إلى أن يصبح أعظم مما هو عليه، ولم يكن محتاجًا إلى إعادة نحته أو منحه قيمة جديدة.
كل ما احتاجه هو مكان يكشف للناس ما كان موجودًا فيه منذ البداية، وهذا بالضبط ما يحتاجه كثير من البشر، أحيانًا لا يكون الحل في بذل المزيد من الجهد لتغيير أنفسنا، بل في البحث عن البيئة التي تسمح لما نملكه أصلًا بأن يظهر ويزدهر.
في عالم يطالبنا باستمرار أن نكون أفضل وأقوى وأكثر تطورًا، ننسى أحيانًا سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: ماذا لو لم تكن المشكلة فينا أصلًا؟ ماذا لو كنا نمتلك كل ما نحتاجه بالفعل، لكننا نقف في المكان الخطأ؟
تمثال رعمسيس الثاني يقدم إجابة على هذا السؤال، فقد ظل عظيمًا سواء كان في الميدان أو في محيط المتحف، لكن العالم لم يدرك حجم تلك العظمة إلا عندما وُضع في المكان الذي يليق بها.
وهكذا هي الحياة أحيانًا؛ ليس المطلوب دائمًا أن تتغير، بل أن تجد المكان الذي يسمح لقيمتك الحقيقية بأن تُرى. وعندما يحدث ذلك، لن تحتاج إلى إثبات نفسك كل يوم، لأن قيمتك ستتحدث عنك من تلقاء نفسها.

