ناقلات النفط المتهالكة: خطر يهدد شواطئ مصر واقتصادها

ناقلات نفط قديمة، وتأمينها في أحيان كتير غير واضح، وأصحابها صعب الوصول إليهم. أعداد متزايدة من السفن دي بتمر قبالة السواحل المصرية قبل دخول قناة السويس. ولو واحدة منها غرقت قدام العلمين أو الغردقة، ممكن السياحة والاقتصاد المصري يدفعوا ثمن الحادث.
في 30 مايو 2026، دخلت ناقلة النفط Caroline Bezengi قناة السويس وعلى متنها ما يقرب من مليون برميل من النفط الخام. الناقلة كان عمرها 25 سنة. أما أصحابها، اللي يُعتقد إنهم موجودين في شنغهاي، فكان من الصعب تحديد هويتهم، ومفيش معلومات واضحة عن الجهة اللي بتأمّن السفينة. ومع ذلك، مفيش حاجة منعتها من العبور.
بعد أسبوع واحد، وقع انفجار على متن الناقلة قبالة سواحل اليمن. السفينة فقدت قدرتها على الإبحار وفضلت تنجرف لحد ما جنحت على جزيرة صغيرة تابعة لسلطنة عُمان، وبدأ النفط يتسرب منها لشهور. نفس السيناريو كان ممكن يحصل قبلها بأيام قليلة قبالة بورسعيد.
حركة ملاحة بتزيد ومخاطر بتكبر
ناقلة Caroline Bezengi مش حالة استثنائية. فيه سوق كامل اتكوّن حوالين ناقلات نفط قديمة، كان أصحاب السفن التقليديين ممكن يبعثوها للتفكيك من زمان.
السفن دي بتغيّر أعلامها، وشركات مسجلة بأسماء غير واضحة بتخفي هوية المالك الحقيقي، وأجهزة التتبع الآلي (AIS) بتتوقف عن الإرسال، وشحنات النفط بتتنقل من سفينة للتانية في عرض البحر.
الصحافة المصرية نفسها أشارت السنة دي إلى ناقلات كانت في طريقها لقناة السويس، ومعاها شهادات تأمين صادرة عن جهة بتقدم نفسها على إنها شركة تأمين، لكن وجود الشركة دي من الأساس لسه محتاج إثبات.
شرق البحر المتوسط بقى واحد من أهم المسارات للناقلات دي. ورغم إن البحر المتوسط بيمثل أقل من 1% من مساحة محيطات العالم، إلا إنه بيشهد مرور ربع حركة الملاحة البحرية العالمية، و18% من عمليات تحميل وتفريغ النفط الخام، بحسب المركز الإقليمي للاستجابة الطارئة للتلوث البحري في البحر المتوسط (REMPEC).
الناقلات بتيجي من البحر الأسود أو بحر البلطيق، وتمر بمحاذاة الساحل الشمالي لمصر، وبعدها تعبر قناة السويس وتنزل للبحر الأحمر.
والحوادث التحذيرية بتتكرر.
في أكتوبر 2025، تعطلت ناقلة النفط Komander، المبنية سنة 2004، وجنحت عند الكيلومتر 47 من قناة السويس. واحتاجت خمس قاطرات عشان تتحرك من مكانها.
وفي نفس السنة، قبالة السواحل الليبية، حصل انفجار تسبب في تصدع هيكل ناقلة النفط Vilamoura، وكانت محملة بمليون برميل من النفط.
وفي مارس 2026، تعرضت ناقلة الغاز الطبيعي المسال Arctic Metagaz لحادث جنوب شرق مالطا، وفضلت تنجرف في البحر لمدة ثلاثة أسابيع، وعلى متنها نحو 700 طن من زيت الوقود والديزل في خزاناتها.
ممر ملاحي تحت ضغط
بين البحر الأحمر وشرق المتوسط، الصراعات الإقليمية بتزود احتمالات الحوادث البحرية بالقرب من مصر.
منذ إغلاق مضيق هرمز في نهاية فبراير، زادت كثافة حركة الناقلات. ففي أبريل، عبرت قناة السويس 529 ناقلة نفط، بزيادة 27.8% مقارنة بنفس الشهر من السنة اللي فاتت.
السعودية بقت بتصدر الجزء الأكبر من نفطها الخام عن طريق ميناء ينبع على البحر الأحمر، بكميات وصلت لما يقرب من خمسة ملايين برميل يوميًا.
لكن في الجنوب، مضيق باب المندب، اللي عرضه حوالي 30 كيلومتر، بقى منطقة مواجهة. وفي يوليو، أعلن الحوثيون في اليمن فرض حصار على السفن السعودية، ومن وقتها اتعرضت عدة ناقلات نفط لهجمات، وصلت لحد المياه القريبة من ينبع.
والتوتر وصل كمان للسواحل المصرية، لما اشتعلت النيران في سفينتين لنقل الغاز عند محطة دمياط في نهاية يوليو.
في المياه دي، اللي بتشهد حركة ملاحة كثيفة، أي ناقلة نفط تتعرض لهجوم أو تصادم أو حتى عطل فني ممكن تتسبب في خسارتين كبيرتين لمصر: كارثة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والشواطئ، وضربة قوية لقطاع السياحة اللي بيعتمد بشكل أساسي على نظافة البحر وجماله.
السياحة هتكون أول المتضررين
السياحة واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المصري.
مصر استقبلت رقمًا قياسيًا يقرب من 19 مليون سائح في 2025. وبحسب البنك المركزي المصري، وصلت إيرادات السياحة إلى 16.7 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025.
والقطاع ده بيُعتبر ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية، بعد الصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
ولو حسبنا تأثيره المباشر وغير المباشر، فهو بيمثل 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وبيوفر نحو 2.7 مليون فرصة عمل، بحسب المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC).
والمشكلة إن ناقلات النفط دي بتمر بالقرب من أهم منطقتين للسياحة الشاطئية في مصر.
على البحر الأحمر، الغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم بيعتمدوا بشكل كبير على الشعاب المرجانية. ومصر بتحتل المركز الأول عالميًا من حيث حجم اقتصاد السياحة المرتبطة بالشعاب المرجانية.
أما على البحر المتوسط، فالساحل الشمالي بقى واحد من أكبر الرهانات السياحية والاقتصادية للبلد.
أي تسرب نفطي كبير ممكن تكون له آثار فورية.
في فبراير 2021، وصلت بقع من المواد النفطية إلى أكثر من 160 كيلومتر من السواحل الإسرائيلية، واضطرت السلطات هناك لإغلاق كل شواطئ البحر المتوسط.
ومصر نفسها مرت بتجربة مشابهة. ففي سنة 2010، تسبب تسرب نفطي شمال الغردقة في تلويث عشرات الكيلومترات من الساحل، ووصل التلوث للجزر المحمية في شمال البحر الأحمر، واضطرت فرق التنظيف لإزالة النفط يدويًا.
وعلى الشعاب المرجانية، ممكن النفط يخنق المرجان ويسبب أضرار تستمر لسنوات.
أما في البحر المتوسط، وهو بحر شبه مغلق وملوثاته صعب تتبدد بسرعة، فالتسرب ممكن يوصل للشواطئ الرملية البيضاء والبحيرات الساحلية ومناطق الصيد في دلتا النيل.
والخسائر مش هتقف عند الفنادق.
مراكز الغوص، والمطاعم، والمرشدين السياحيين، والسائقين، والصيادين، كلهم ممكن يتأثروا بشدة.
لن تقتصر الفاتورة على الفنادق. فمراكز الغوص والمطاعم والمرشدون السياحيون والسائقون والصيادون سيتضررون بشدة. وإذا وقع الحادث عند مدخل القناة، فستتلقى مصر ضربة مزدوجة تطال اثنين من أهم مصادر النقد الأجنبي لديها، هما السياحة وقناة السويس، في وقت واحد. غير أن هذا السيناريو ليس قدرًا محتومًا: فبتشديد الرقابة على تأمين السفن التي تعبر مياهها، تستطيع مصر استبعاد أخطرها، وضمان أن يكون المُلوِّث، لا الدولة، هو من يدفع الفاتورة في حال وقوع أي حادث.

