جريدة الديار
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار

محمد الصباغ يكتب قصة قصيرة بعنوان «المهاجر»

محمد الصباغ
محمد الصباغ -

قصة قصيرة I المهاجر

رأي أباه يبكي فبكي ؛ رأي أباه يبكي لأول مرة في حياته ؛ رأي أباه يبكي فعلم أن شيئا خطيرا قد أصاب أباه وقد أصابهم ؛ كان صغيرا لكنه أدرك حجم الكارثة التي حلت بهم فقد سرق " المحل " الصغير الذي كانوا يتعيشون من دخله ، كان محلا صغيرا للبقالة وسط القرية التي حطوا إليها حيث كان أبوه يعمل في المدينة القريبة المجاورة وكانت أمه تتولي شئون المحل وهو يساعدها في فترات الإنقطاع عن الدراسة وفي الفترة التي تعقب الدراسة اليومية : كانوا يعيشون في آمان بعد أن هجروا قصريا عن مدينتهم بعد أن توقف القتال العنيف في حرب عام 1967 وكان من حظهم تلك القرية الهادئة المطلة علي النيل بجوار المدينة الجميلة .

عندما فتحوا المحل في الصباح هو وأمه ؛ فقد روعهم خلوه من كثير من بضاعته ، كما أن درج حفظ أموال البيع كان مكسورا وفارغا .

احتارت أمه ماذا تفعل؟! : صرخت أولا حتي تعلن القرية بحلول الفاجعة ، وكان عليها أن تنتظر استدعاء زوجها حيث كان قد ذهب لعمله المعتاد في المدينة القريبة ، كانت القرية هي وطنهم الجديد وقد اندمجوا مع أهلها بأكثر من إندماجهم مع باق عائلات المهجرين معهم والذين كانوا قد أصبحوا يسكنون أحد أبنية مدرسة القرية .

عاد الزوج قبل أن يأتي رجل الأمن العجوز ؛ والذي أتي ظهرا ؛ وفي هذه الأثناء كانت قد راجت الأقاويل أن عصابة سرقة بعينها مكونة من ثلاثة شباب هي من قامت بالسرقة التي غيرت مصير أسرة " الصبي" .

لم يكن هناك دليلا ، ولم يكن في مقدور "العمدة " ، أو أي أحد في " البلدة " أن يأتي بثلاثي العصابة وأن يضربهم حتي يحصل منهم علي اعترافا ؛ فقد كانوا من عائلات ذات كثافة عددية في القرية ومن أصحاب النفوذ .

بعد التحقيق الذي أجراه رجل الأمن العجوز ، الذي أتي ليعاين كيف حدثت السرقة ويستجوب المشتبه بهم ؛ الذين اختفوا تماما من القرية ؛ فقد بات الفاعل المعلوم ؛ غير ممكنا الإمساك به .

بعد أيام من من حدوث السرقة ؛ رجعت الحياة إلي ما كانت عليه في القرية ؛ إلا أن أسرة الصبي قد تبدل حالها : كان المحل يسترهم إلي جانب عمل الأب ؛ بعد أن أصبحوا مقطوعين عن أهلهم الذين تشتتوا في البلاد والأقاليم ، كما أن بيتهم في مدينتهم القديمة ؛ كانت قد دمرته مدفعية العدو من ضمن ما دمرته وأبادته في المدينة .

باتت أسرة الصبي بعد سرقة المحل مهددة أكثر ؛ فقد تلقوا وعودا بدراسة الحالة من مسئول الشئون الإجتماعية للمهجرين وعليهم أن ينتظروا .

ذات يوم ليس بعيد عن حدوث السرقة ؛ رأي " الصبي" ثلاثي السرقة المشتبه بهم ، كانوا يضحكون ويلعبون في المقهي الذي اعتادوا الجلوس فيه ؛ بينما هو كان يمرق جائعا ممزق الأمعاء دائما فاقد قدرته علي السباحة في الهواء التي كانت تمتعه حين يعدو وحين يحلم وحين يواجهه شيء يخيفه وقد كان يتجاوزه بالعدو في الهواء مرتفعا قليلا عن الأرض ؛ أو سابحا في الهواء بقفز متتالي لأعلي ؛ يلمس الأرض لمسا خفيفا وكأنه يأخذ جرعة أكسجين من فوق سطح الماء ليغطس بها سابحا في الأعماق ؛ كان يلمس الأرض لمسا خفيفا ويدفع بنفسه سابحا لأعلي ويهبط ليلمس الأرض لمسته الخفيفة فيدفع نفسه لأعلي ولأقصي ما يمكنه أن يطير .

منذ وقعت السرقة وهددهم الجوع قليلا وكدرهم فقد فقد رشاقة لمس الأرض ثم السباحة بدفعتها في الهواء ؛ كانوا قد تحولوا : أبيه وأمه و هو ، فقد تكدرت أحوالهم بسبب الدين الذي ترتب علي نتائج سرقتهم ؛ ومن أجل استعواض ما سرق ؛ وقد آلمه أن ردته أمه لأول مرة رغم محنة الغربة ؛ عن طعام يشتهيه .

ما كان في مقدور أمه منذ السرقة أن تلبي له طلبا خاصا من طلباته التي لم ترفض أبدا فقد كان ولدا وحيدا : لم يعد مع الأم نقود فائضة إلا إذا استغنوا عن المسكن الخاص الذين كانوا يستأجروه ويذهبوا للإقامة المجانية في مسكن المهجرين بالمدرسة الإبتدائية التي أخليت إحدي أبنيتها لجموع المهجرين .

أصبح الصبي كلما اشتهي شيئا أو طلب شيئا من أبيه أو أمه : صمتا وكأنهما يقولان له بالصمت أننا لا نستطيع .

تذكر السرقة في مرة من مرات عدم الإجابة لأحد مطالبه البسيطة وتذكر ثلاثي السرقة وخاصة زعيمهم اللامبالي ، مروا علي باله وكأنهم هم سبب كل شقائه وحرمانه مما كان يحب في الحياة ؛ بل هم أشر من العدو الذي كان سببا في هجرتهم وتبدل حالهم وهوانهم في الغربة داخل بلدهم .

وتملكه يقين من ضرورة أن ينتقم لنفسه ولأبيه وأمه ، فقد كان الأب قد نسي الجناة المشتبه بهم وكان كل فترة يتحجج بالسرقة وآثارها للإمتناع عن تنفيذ ما يرغب فيه الصبي .

ترصد الصبي " ثلاثي السرقة " وكان من ضمن إجادات الصبي ومهاراته ؛ قدرته علي " الإصابة بالطوب" وقذفه بتمكن من لمسافة بعيدة ؛ كانت مهارته مؤكدة كلما رمي بالطوب والزلط ؛ سواء كان يرمي علي ثمر توت أو كان يرمي علي ثمر بلح أو كان يرمي علي يمام الغيطان والحقول .

اختبأ لزعيم الجناة ورماه بظلطة قاسية في شدتها من بعد ؛ دون أن يلحظه أحد فأصابه وأوقعه أرضا رغم جسامته وفجر الدم من رأسه وهكذا فعل في يوم آخر باللص الثاني والثالث .

ارتاح قليلا بالانتقام ولكن حامت شبهات إصاباتهم حوله لشهرته في إجادة الرماية بالظلط .

ولخوف أسرته من إنتقام اللصوص ؛ فقد قرروا أن يهجروا إلي المدينة القريبة في صعوبة ومحنة جديدة .

كانت الحياة في المدينة بالنسبة له أرحب وأوسع ولكنها شجعته علي أن يظل طوال عمره مهجرا أو مهاجرا ؛ يحاول مجددا إستعادة قدرته القديمة علي السباحة في الهواء بمجرد لمسة بسيطة للأرض يعقبها علو عن الأرض .

محمد الصباغ