الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

محمد خليفة يكتب : ”أرميا” البكَّآء من خشية الله..هل هو نبيِّ ؟!

2020-02-26 18:04:36
الكاتب الصحفى والباحث التاريخى محمد خليفة
الكاتب الصحفى والباحث التاريخى محمد خليفة

تدور بنا عجلة التاريخ القديم الى الوراء بفترة زمنية تصل ما بين سنة" 650 إلى 585 قبل الميلاد" مع أحد أنبياء بني إسرائيل.

وقبل أنْ نقصص حكايته، لابد لنا أن نقول أنَّ الإيمان بأنبياء الله ورسله عليهم السلام أصل من أصول الإيمان ، فلا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان برسل الله جميعا .والسؤال هنا : هل أرميا نبى أم رجلا صالح؟
قال تعالى: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" البقرة- 285
وقال تعالى: "وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ" النساء- 164 .

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ذكر اسم "أرميا"، ولا إثبات أنه من الأنبياء ، وإنما هو أمر ذكره المؤرخون .


وهذا لا يلزمنا تصديقه ، لاحتمال أنه من أكاذيب أهل الكتاب ، ولا يجوز لنا تكذيبه لاحتمال أنَّه نبي حقًّا ، بل لابد أنْ نتوقف فى شأنه والله أعلم بحقيقته .

ولا يخفى أن ما جاء في قصته على لسان بنى إسرائيل التى لم يثبت فيها أحاديث عن نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم، ومع هذا فلا خلاف او اخطاء في روايتها لأنها لا تخالف شيئاً من شريعة الإسلام..

ذكر علماء التاريخ أنَّ " أرميا " عليه السلام ، نبى من أنبياء بنى إسرائيل ، وقد قيل إنه عزير، وقيل هو الخضر، والصحيح أنَّه لا هذا ولا ذاك كما ورد فى كتب التفاسير الصحيحة . قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله:
"
أرميا بن حلقيا " من سبط لاوى بن يعقوب ؛ من أنبياء بنى إسرائيل . " تاريخ دمشق " ج 8 ص 27. ..
وقال ابن كثير:
"
هو أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا مِنْ نسل لَاوِى بْنِ يَعْقُوبَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الْخَضِرُ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ حديث غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ "البداية والنهاية" ج 2 ص 360" إذا فأرميا كما يقول ابن كثير ليس من نسل ابن يعقوب عليهما السلام ..

وقيل ايضاً هو " أرمياء، أويرميا، أو رميا بن حليقا، كما يعرف بحزقيا من نسل نبى الله يعقوب عليه السلام، وقيل من سبط هارون بن عمران شقيق نبى الله موسى بن عمران عليهما السلام.

ويعد أحد أنبياء بني إسرائيل بعد شيعا عليه السلام، وهناك من اعتبره نبي الله عزير ونبى الله الخضر عليهما السلام، وقيل، إنَّ الخضر لقب من ألقابه. كان تلك السطور هي ما جاءت عبر كتب كثيرة ومراجع لم يقدم اصحابها الأدلة على نبوة " أرميا" إلاّ أنّ الرجل كان مؤمناً، صالحاً، ، زاهداً، قديساً، كثير البٌكاء من خشية الله، فعرف بالبَكَّاء.

تقول القصص عنه:

بعثه الله إلى بنى إسرائيل بعد أن عصوا الله، وأظهروا المعاصى، وقتلوا الأنبياء والصالحين؛ ليهديهم ويرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحذرهم غضب الله الواحد القهار الجبار، فوقف بكل حزم أمام شركهم ومظالمهم الاجتماعية، فكانت رحلتهٌ معهم 41 سنة، قابلوه خلالها بالعصيان والتمرد والتكذيب، ثم ألقوا القبض عليه وسجنوه، وذلك في عهد ملكهم "صدقيا"، وبعد أن مكث في السجن عشر سنين أرسل الله عليهم الملك "نبوخذ نصر" وجحافل من جيشه، فنزل في أراضيهم، وبطش بهم، وقتل منهم جمعاً غفيراً، وخرَّب ديارهم، وسبى الآلاف منهم، ثم أمر بهدم بيت المقدس، وأسر حاكمهم "صدقيا الملك.

ولما علِم "نبوخذ نصر" بظهور أرميا فى أحد سجون بني إسرائيل ، وكونه من الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم ليرشدهم ويهديهم طريق الحق والصواب، ولكنَّهم كذَّبوه وعذَّبوه ثم حبسوه، فأمر بإطلاق سراحه من السجن، وأحضره عنده وقال له: أكنت تحذر قومك مما أصابهم؟ فقال أرميا: نعم، فإنَّ الله أرسلنى إليهم فكذبونى، قال "نبوخذ نصر" : كذبوك وضربوك وسجنوك؟ قال عليه السلام: نعم، قال نبوخذ نصر: بئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، ثم خيره بين المجيء معه أو البقاء فى فلسطبن، ففضَّل أرميا عليه السلام البقاء في بلاده، فتركه بعد أن أحسن إليه.

وبعد رحيل نبوخذ نصرعن بيت المقدس اجتمع أرميا مع من بقى من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا له : نحن قد أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا، فدعا أرميا عليه السلام ربه، فأوحى الله اليه أنَّه غير قابل توبتهم، فإن كانوا صادقين في أقوالهم فليقيموا معك في بيت المقدس، فأخبر قومه بما أمره الله به، فقالوا: لانقم بهذه البلدة التى غضب الله على أهلها.

"تاريخ الطبري" ج1ص538-589"، و"تاريخ دمشق" ج 8ص29-41" وفى "البداية والنهاية" ج 2- 361-372"
قال ابن كثير :
"
وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، رغم ما َفِيهِ من حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ .

وكان أرميا قد تنبأ لبني إسرائيل بسقوط أورشليم وخرابها وتدمير هيكل سليمان عليه السلام، فدعاهم للخضوع والاذعان لنبوخذ نصر فكذبوه واضطهدوه.

ويقال، أنَّه خاف في أول الأمر من الملك نبوخذ نصر عندما هجم على بيت المقدس، فاخذ تابوت السكينة وخبأه في مغارة؛ خوفا من أن يقضى عليه الجنود.

عاصر أرميا من ملوك بني إسرائيل كلا من "يوشيا، ويواحاز، ويهوياقيم، وصدقيا، وعاصر الملك الفارسي لهراسب".

كان أكثر الناس تصديقا وإخلاصا إليه تلميذه اليمنى "باروخ بن نريا الكاتب، وتتلمذ عليه زرادشت، ثم قام زرادشت" بعمل أغضب فيه أرميا، فدعا عليه فبرص، فعند ذاك فارق أستاذه وقام بالدعوة لدين المجوسية أو الديانة الزرادشتية.

ويقال إنَّ أرميا انتقل إلى مصر فألقى اليهود القبض عليه وسجنوه في بئر، ثم أخرجوه ورجموه حتى استشهد، فدفنوه في مصر، وفى عهد الاسكندرالأكبر نقل تابوته إلى الاسكندرية ودفنوه بها، ويقال أنَّه رجع من مصر إلى بيت المقدس وعاش فيها 300 سنة ثم توفى.

توفي فى حدود سنة 586 ، وقيل حوالى سنة 570 قبل الميلاد، وكانت ولادته بمدينة عثاتوث سنة 626 قبل الميلاد، وقيل فى سنة 650 قبل الميلاد، وقيل سنة 640 قبل الميلاد.

القرآن الكريم وأرميا عليه السلام

أوحى الله إليه، أن اخرج إلى بيت المقدس إني عامرها، فخرج إليها فرآها خرابا، فقال: متى يعمَّرها الله ومتى يحييها بعد أن خربت ومات أهلها، فوضع رأسه ونام، فمكث في نومه سبعين عاما ثم استيقظ وكان نبوخذ نصرقد مات، فرأى المدينة قد عمَّرت، وسكنها الناس، ثم أنامه الله حتى مكث في نومه مائة عام، ثم بعثه الله وهو يظن أنه ما نام أكثر من ساعة، فقال: أعلم أنَّ الله على كل شيء قدير، فنزلت فيه، وقيل في غيره الآية 259 من سورة البقرة: "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا . فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ . قَالَ كَمْ لَبِثْتَ . قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ . وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ . وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا . فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يقول الإمام محمد متولى الشعراوى قال البعض: إنه هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزير، وقد قلنا من قبل: إنه إذا أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأي أحد أن يحدث معه هذا.

المراجع:

1- ابن عاشور في التحرير والتنوير

2- تاريخ الطبري" ج1ص538-589

3- البداية والنهاية" لابن كثير" ج 2 ص361-372

4- "البداية والنهاية" ج 2 ص 360

5- سورة البقرة- 285

6- سورة النساء/ 164

7- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزى باب قصة أرمياء.

8- الآية 259 من سورة البقرة


إرسل لصديق