الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

فاديا عيسي قراجة تكتب: آخر ما قالته شهرزاد

2020-04-09 14:06:32

بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي السديد أنه في ليلة عاصفة غاب قمرها و نعق فيها الغراب ,عانى حكم الدين من آلام مبرّحة .. تقلب فوق سريره الغالي المصنوع من أخشاب الأبنوس الذي قدمه له سفير الهند لدى مملكة الريحان, بعد أن أعجبه صوت الوزير حكم الدين .. كانت الآلام تشبه ما تشعر به المرأة أثناء المخاض وقد خبر هذه الآلام أثناء وضع زمردة جاريته, ولدها السفاح مع عبده مبروك الذي كان يظنه مخصيّاً .. بعد ليل طويل هدأت المواجع واستيقظ حكم الدين وتحسس إليته فوجد تحتها بيضة ذهبية تبرق أكثر من خد جاريته .. الآن عرف سبب تشنج عضلات بطنه واتساع أمعائه وهو يحاول إخراج البيضة من دبره ..
صاح مثل ديك جريح .. أمسك بالبيضة وقلّبها فوق كفيه وهو لا يصدق ما جرى ..
هبّ من فراشه كالملسوع .. والريح تعربد وراء نوافذ غرفته فتنحني أشجار الكرز والتفاح بألم وانسحاق , وتتخلى عن ثمارها غير الناضجة و تتدحرج ضاربة زجاج نافذته المعشق بأبهج التشكيلات الفارسية.. شاركت الكلاب الريح معلنة خوفها بعواء بطيء , ممطوط مولول
دار حول سريره .. أطفأ الشموع .. قام ثم قعد .. وعيناه تزوغان هنا وهناك وترمشان بحدة وحيرة ..قال في سره : من سيصدق ؟ من سيستمع إلى أسخف حكاية ؟
لقد وضعت بيضة بحجم بيضة النعامة, بلون الذهب .. لكن ماذا لو كانت ذهباً حقيقياً ؟ أنا حكم الدين .. أنا من أشرّع في هذه المملكة .. أنا من أغيث الملهوف .. هل تكون لعنة الشقية زمردة التي تنال الآن عقوبتها في سقيفة باردة .. لقد هددتني بدموع حارقة وقالت بأنني سأندم .......
كان يتحدث يا مولاي وبيده البيضة يفركها ويقلبها .. فجأة أضاءت غرفته بضياء أبيض ودخان مغبرّ......... سمع همهمة ذليلة .. وخرج من البيضة مارد كبير .. لم يقهقه كعادة المردة, ولم يقل (شبيك لبيك) بل وقف بين يدي حكم الدين و بدأ بالبكاء ..
أسقط بيد الرجل وجلس على السرير مبهوراً .. بل الأفضل أن نقول أنه تداعى على السرير بعد أن فقد وعيه ..
اقترب منه المارد وجلس على ركبتيه حتى أصبح بين يديه .. وصاح بصوت كالرعد :
أنت .... ه ...ي ......ي.......... اسمعني وساعدني فالساحر الشرير الذي سجنني في هذا العماء الذهبي تنبأ بأنني سأخرج من رحم الذهب على يدي منقذ تنطبق صفاته عليك ......... لقد اقترفت ذنباً عظيماً أيها الحكيم .. بعد أن كنت صاحب تجارة أسافر بين البلدان , وأربح المال الوفير ..
وقد أعطاني الله اللسان الحلو يسيل الكلام منه سيلان العسل من القفير .. أفاوض زبائني بلغة لم يسمعوها .. وأجادل النساء بحركات لم يألفوها .
تململت شهرزاد وكأنها تريد أن تتوقف منتظرة إشارة من الديك .. لكن الملك كمم فم الديك فأكملت شهرزاد وقد بدا الإعياء على محياها .. داعب الملك خدها الأسيل ومسّد فوق أصابعها الحرير فتدفق الدم على وجنتيها, وقرّب من شفتيها كأس النبيذ الأبيض الذي تعشقه...
استعادت ناصية الكلم بعد أن كرعت كأس النبيذ دفعة واحدة..وهزت جذعها كنخلة تنوي طرح الرطب ..
قالت : يا مولاي بقي المارد يشرح قصة تحوله أمام حكم الدين الذي كان يلاقي كلام المارد في نفسه الصدى الكبير .. فهو سيدخل رحم الذهب لأنه أغوى زمردة بكل ما لديه من فحولة ومال وسلطان,هو من سرقها من عالمها وحرمها حبيبها, وحارب بكل أسلحته كي يشتريها من تاجر أسود يضع ريشة طاووس على عمامته ذات اللون الجزري .. وبيده سوط مزركش بكل الألوان, تنتهي بشرائط تسلخ الجلد .. قال النخّاس : هذه الجارية قادمة من بلاد الروم .. جسدها غض بض .. ساقاها حليب مسكوب بقوارير من بلور .. صدرها بستان من رمان فارسي .. صوتها بحة ناي .. لا يدري كم أهدر من مال الخزينة حتى تمكن من شرائها .. ولم يعرف بأنه أحضر الشيطان بذاته إلى قصره ..
في الليلة الأولى اشترطت على حكم الدين أن يشتري لها ديكاً رومياً .. وفي الليلة الثانية اشترطت أن يتعرى أمامها كي يمشي الديك على جسده, وينقر أماكنه الحميمة .. وفي الليلة الثالثة يا مولاي لم يواقعها حكم الدين فقد اشترطت أن يشتري لها جدياً عمره يوم .. وفي الليلة الرابعة اشترطت أن يأكل الحشيش مع الجدي .. ولا زالت تشترط حتى قبض عليها حكم الدين وأوثقها بالحبال الغليظة وطلب من خادمه مبروك أن يودعها في السقيفة المعتمة حتى تقرضها القوارض .. وللسقيفة حديث يشيب من هوله الولدان
كان المارد يشكو لحكم الدين عما فعله بأهل بيته بعد أن اغتنى ..وكيف طرد ولده الوحيد من قصره,وكيف بدأ يبدل النساء كما يبدل بضاعته ففي كل ليلة طعم ولون يتمرغان فوق فراشه,وكيف لجأت امرأته إلى الجني الأحمر الذي سجنه في بيضة الذهب المنحوسة كانت شهقاته تقطع سلسلة أفكار حكم الدين .. ثم يعود تدريجياً إلى السقيفة .. ثم يتذكر غياب مبروك عن قصره دون أن يحاول البحث عنه.... ثم يعيده صوت المارد الباكي الشاكي ........ ثم يتوه عن كل شيء ويسقط في كوخ يطن فيه النحل ويطن الذباب ويدب النمل ....... ولا من يسمع صريخه وهذيانه .....
إلى أن توقف المارد عن الكلام . وأنهك حكم الدين وخرج صوت الديك المكمم يعلن توقف الكلام المباح ..
هرولت شهرزاد قاصدة باب المخدع المفضي إلى الحرية , لكن شهريار مد عصاه النارية التي التفت حول رقبتها فالتفتت إليه والألم باد عليها وقالت: ألا تخاف من لعنة البيض .......
قهقه شهريار وخلص عنق شهرزاد من عصاه القاتلة وقال: لن تصيبني قبلك هيا عودي فقد شوقتني ....
جلست شهرزاد أمامه وقد أصابها البكم .. ركع شهريار عند قدميها وقال : أنا أعرف أن هذه قصتنا وأعرف عشقك الساذج لعبدي مسرور ..
وأعرف أكثر وأخطر من ذلك .. فأنا مذ أسكنتك قصري أصبحت أسير حروفك وهرطقاتك وهذيانك .. فكل حكاية أسمعها أقلبها وأفككها وأبعثر أبطالها ثم أضربهم بسيفي كي يستنطقوك .. ما رأيت امرأة مشغولة بالسرد ومشغوفة بالحكي مثلك ....
ربما ظلمتك .. ربما سرقت منك عالمك .. لكني منحتك ما لم يمنحه رجل لأنثاه .. فأنا وضعت كنوز علي بابا بين يديك بل أعطيتك كلمة سر مغارة علي بابا.. أنا من جعلت النساء تقلدك في مشيتك .. في جلستك .. في شرابك .. في صوتك .. في خوفك ودلالك


إرسل لصديق

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر