الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

دينا الشافعي تكتب: عم حامد

2020-06-10 20:31:43

الصبر كان أول ما تعلمه عم حامد من الصيد . يرابط بجوار النهركل يوم يتأمل صفحته اللامعة تحت أشعة الشمس صيفاً يحتمي منها بقبعه و أحياناً منديلاً قطنياً بمربعات يربطه كباقي أبناء قريته من الفلاحين. لم يهوى عم حامد الزراعة كأخوته ولكنه هوى الصيد في النهر ومع مرور الوقت صار مصدر رزقة الوحيد ,يجلس ثم يبدأ في أخراج أدواته بتأن يرتبها بجانبه, سنارته وعلبة الطعوم من الدود الذي جمعه بيديه من أطراف الحقول الرطبة في وقت سابق و دلو يملؤه من ماء النهر يضع به محصوله من الأسماك لتظل حية أكبر وقت قبل أن يحملها إلي البيت أو إلي السوق -حسب حاجته- وحقيبة قديمة ولكنها قوية تتحمل حصيلته من الأسماك التي يجود به النهر عليه و ذلك المذياع الصغير ذو الصوت الخافت- لكي لا يزعج الأسماك- فقط وحده من يسمعه و يضبطه دائماً على إذاعة الأغاني , يتمتم لنفسه الأسماك تحب صوت عبد الوهاب و أم كلثوم كثيراً ما كان محصوله أكثر عندما كان يستمع الي أصواتهم العذبة .

في ذلك اليوم بالرغم من سطوع الشمس كان الجو بجانب النهر جميلً ونسيم الصباح الباكر عليلاً. وقر في نفسه أن محصول اليوم سيكون وفيراً بأذن الله ونذر إن كان فسوف يعرج على جارته التي تربي الأيتام ويقتسمه معها ورزقه ورزقها على الله .

ألقى بطعمه إلي أبعد ما يمكنه وجلس على كرسيه الصغير القابل للطي متأملاً جمال الطبيعة من حوله وعيناه على عوامة سنارته ويبدوا أن الهدوء من حوله والنسيم وأصوات الطيور الرقيقة مهدت لأن يداعب النعاس أجفانه وهو يقاوم إلي أن لمح تلك العوامة تغطس في الماء غطسة قوية مفاجئة فرح وقال لنفسه لابد أن تكون سمكة كبيرة تلك التي تشد خيط سنارته بمثل هذه القوة , وفي مهارة الصائد أرخى لها السلك قليلاً ثم بدأ بسحبه ياله من ثقل وهم واقفاً إنها حتماً سمكة كبيرة جداً.

ثم حان الوقت ورفع سنارته للأعلى ىلتقع عيناه على أحلى وأكبر سمكة رآها منذ أحترافه الصيد , و بالرغم من ثقلها إلا إنه انتصر عليها أخيرا ليضعها تحت قدمه ويخلص الخطاف من فمهاالذي يقطر دماً من جرح سببه. أمسكها بقوة واضعاّ أياها في دلو الماء بجانبه يا إلاهي إنها أكبر من الدلو بكثير ولو وضعها بداخله لربما قفزت وعادت إلي النهر مرة أخرى, لابأس سأضعها في الحقيبة مباشرة –هكذا قال لنفسه زاغت عيناه من انعكاس أشعة الشمس على قشورها- وقبل أن يغلق الحقيبة سمع صوتاً يناديه إلتفت خلفه ليبصر المنادي لم يجد أحداً , وكلما هم أن يغطي سمكته سمع نفس ذلك الصوت- إنتظر تمهل دعني أكلمك- ظن إنه المذياع فمد يده اليه وجده مغلقاً لم يكن قد فتحه بعد, أنصت للصوت مرة أخرى لم يصدق عيناه إنها هي هي التي تحادثه –ربما أصيب بضربة شمس أو حمى النهر-

هكذا قال لنفسه غير مصدقاً أن سمكته هي التي تحادثه. أرجوك أعدني إلي الماء-هكذا قالت- ردَّ في وجل غير مصدقاً ما يحدث له –أنا أتحدثيني أنا ولماذا أعيدك للماء ؟ أنت غنيمتي وقد رزقتك بجدي وتعبي. -من الأفضل لك أن تعيدني إلي الماء ذلك في مصلحتك.

- ضحك كثيراً في مصلحتي وكيف هذا؟ -ألا تعلم أيها الغبي أن النهر ملوث وأن لحمي ولحم كل أسماك النهر تملؤها السموم. - أنت تقولين هذا فقط كي أفلتك وتهربين من الموت.

- يال غباءكم بني البشر أنتم لا تصدقون إلا أصوات عقولكم وتكبركم على باقي مخلوقات الله يمنعكم من الإنصات اليهم. - أنا لا أتكبر ولكن لا أفهم هل لك أن تشرحي لي.

- ألا ترى ذلك المصنع الكبير المقام على الضفة الآخرى من النهر. - نعم أراه ماباله؟ - ما تظن أنه يفعل بمخلفاته ألا ترى عيناك تلك الأنابيب الضخمة الخارجة منه والمصبة في النهر .

- يا الله نعم أراها ولكنهم حتماً يضعون الفلاتر ويعالجون الماء الخارج من المصنع حاملاً مخلفات التصنيع. - وما أدراك أنهم يفعلون أنتم بني البشر كيف تثقون ببعضكم البعض يال سذاجتكم , إذا كنا نحن الأسماك لا نثق بكم أبداً ولولا حذرنا منكم وأساليبكم في الصيد لما تبقى في النهر أسماك ولكن الحذر لا يمنع قدر.

-وماذا أفعل برأيك أنا وصغاري جائعين وننتظر ما أحصل عليه من أسماك كل يومٍ لنقتات عليه ولو لم نمت من السموم لمتنا جوعاً. أفاق ليجد سنارته وقد غمزت في الماء بقوة وشدة يا الله لابد وأنها سمكة كبيرة.


إرسل لصديق