الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

الإسلاموفوبيا في فرنسا .....

2019-02-21 15:27:27
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي
د. إبراهيم عبدالرحمن الشرقاوي

الإسلاموفوبيا كلمة مستحدثة ، تتكون من كلمتي إسلام وفوبيا ، ويُقصد بها الخوف أو الرهاب غير العقلاني من شيء يتجاوز خطره الفعلي المفترض . "الإسلاموفوبيا" مفهوم يَعني الخوف الجماعي المرضي من الإسلام والمسلمين، إلا أنه في الواقع نوع من العنصرية والكراهية والتحامل والتمييز قوامه جملة من الأفعال والمشاعر والأفكار النمطية المسبقة المعادية للإسلام والمسلمين .
ويشار به إلى غير المسلمين الذين يرون في الإسلام ديناً غير قابل للتعايش مع الحضارة المادية الحديثة ، وغير قابل للتأثر بها أوالتأثير فيها ، وأنه دين يبرر استخدام العنف لتبرير أهدافه .
استعمل هذا المفهوم في ثلاث فترات ، فقد كانت الفترة الأولى والتي تعد أول ظهور للمفهوم في بداية العشرينيات من القرن الماضي فقد استعمله علماء اجتماع فرنسيون لوصف رفض جزء من الإداريين الفرنسيين ومعاداتهم للمجتمعات المسلمة التي كانوا يتولون إدارة شؤونها في زمن الاحتلال ، وهذا الرفض وتلك الكراهية مصدرهما عنصري بالدرجة الأولى ، ثم ثقافي ونفسي مردُّه إلى الخطاب الاستعماري نفسه الجاهل بالإسلام والمخوف منه ومن المسلمين ، بحكم سابقِ ريادةِ الحضارة العربية الإسلامية للعالم في القرون الوسطى .
عاد مفهوم الإسلاموفوبيا للظهور في فترة ثانية مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ، وما صاحبها من أحداث في التعامل مع السفارات الغربية وفرض الحجاب وغيرها .
وقد أدى سقوط المعسكر الشرقي وانهياره نتيجة لسقوط الاتحاد السوفيتي ، إلى انفراد المعسكر الغربي بقيادة العالم دون منافس ، فبدأ البحث عن خصم جديد لمعاداته وبدء الحرب ضده ، فوجد الغرب ضالته في الإسلام المتنامي .
شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول كبير في مفهوم الإسلاموفوبيا في المرحلة أو الفترة الثالثة ، 11 سبتمبر كشفت للولايات المتحدة أن لها "عدوا" آخر طالما بحثت عنه منذ سقوط المعسكر الشرقي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، وأظهرت هذه الأحداث تحولات كبيرة على المستوى الثقافي والفكري لدى الأمريكيين والغرب بصورة عامة وأدت إلى ظهور ما يعرف ب"صراع الحضارات" فقد أصبح الإسلام من خلال هذه النظرية عدو الحضارة والسلام لأنه يمثل حسب أصحاب هذه النظرية من المحافظين المتشددين "المشكلة الحقيقة" وراء ظهور الإرهاب في العالم، وهو الأمر الذي انعكس فكريا وثقافيا على صورة المسلمين والعرب ومجتمعاتهم في أوروبا والولايات المتحدة وبقية دول العالم ، حيث تم ربط الإسلام مباشرة بالإرهاب بعكس المرتين السابقتين ، فعند الحديث عن الإرهاب فالإسلام هو المعني وأتباعه المسلمون .
وأصبح الخوف المرضي من الإسلام والمسلمين حقيقة واقعة ، وعاما وشاملاً لجميع الدول غير الإسلامية ، سواء من ناحية سياساتها الداخلية أو الخارجية خاصة في الغرب ، أو على صعيد العلاقات الدولية وخاصة منها ما يربط الغرب بالعالم العربي والإسلامي .
كما أصبح مفهوم الحرب على الإرهاب ( الإسلام ) المحور الأول في العلاقات الدولية تحت ضغط الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر .
وقد استغلت الولايات المتحدة تلك الأحداث في شن الحرب على أفغانستان والعمل على تقسيم دول الشرق الأوسط .
تنامى الخوف من الإسلام والمسلمين في الغرب في ظل تنامي أعداد المسلمين فيها ، ففي فرنسا مثلا ذات الوجود الإسلامي الكبير فيها ، أصبحت أعدادهم هاجساً مرعباً بأنه سيأتي اليوم الذي يسيطر فيه المسلمون على مقاليد السلطة في البلاد ، وهذا ما دعا السلطات الفرنسية إلى فرض شروط مشددة على الهجرة والمواطنة فيها تحديداً ضد المسلمين ، كما استغلت الأحزاب اليمينية المتطرفة الإسلاموفوبيا للحصول على دعم الفرنسيين في الإنتخابات .
الكثير من الكتابات المنتشرة ، وذات الصيت في فرنسا تتحدث عن تشويه المجتمع الفرنسي بسبب أعداد المسلمين الكبيرة ، فالإعلامي "إريك زمُّور " ألف كتابًا أسماه “انتحار فرنسا” تحدث فيه عن أهمية ترحيل المسلمين من فرنسا ، الكتاب بيع منه 400 ألف نسخة خلال أسبوعين ، وصدرت رواية تحت اسم “الخضوع” يتخيل فيها الكاتب وصول رئيس حزب إسلامي إلى رئاسة فرنسا ، وفرضه الحجاب وإتاحة تعدد الزوجات ، كاتب الرواية يُحسب على اليمين المتطرف وقد صرح سابقًا بأن الإسلام هو أسوأ الأديان .
كلما اقترب موعد انتخابي في فرنسا استعر لهيب الحملة الانتخابية وتصاعدت وتيرة استعمال موضوعات الإسلام والمهاجرين والهوية الوطنية في الخطاب السياسي للمتنافسين ، كوسيلة لتعبئة الكتلة الناخبة واستثارة عواطفها ، ولم تعد هذه المواضيع حكرا على حزب اليمين المتطرف .
هذا الخطاب والمزايدة بين الأحزاب على بعضها في إصدار ووضع مشاريع القوانين التي تنتقص من حرية مزاولة العقيدة الإسلامية ومظاهرها وحظر رموزها في المجتمع الفرنسي بدءًا بمنع الحجاب بالمدارس والنقاب بالأماكن العامة إلى تقليص الدعم المقدم لبناء المساجد ووضعية الأئمة المسلمين والحملة الاقتصادية و التربوية على المنتوجات “الحلال” .
في الحقيقة فإن وضع المسلمين في فرنسا مقلق على المستوى المستقبلي ، وغير ثابت ، هذا ما يؤكده الجميع .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل


إرسل لصديق