الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

سناء تيسير الشرافي تكتب: «أردوغان».. ولعنة «أيا صوفيا»

2020-10-20 01:38:51
  سناء تيسير الشرافي
سناء تيسير الشرافي

منذ أن تولى الرئيس رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا أقحم بلاده في معارك وخصومات جنت لها مشاكل لا أول لها ولا آخر، ودخل في مواجهات مع دول عظمى من بينها فرنسا، كما حاول تعزيز الإسلام السياسي من خلال جماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية، الأمر الذي فسر على أنه تجسيد لحلم عودة الإمبراطورية العثمانية، وفتح جبهات في العراق وسوريا وليبيا واليونان وأذربيجان، وكسب عداء السعودية ومصر والإمارات، ولم يبق له من حليف سوى قطر.

أردوغان والأزمة مع اليونان

بدأت أزمة تركيا مع اليونان بعد أن أبرمت تركيا وليبيا اتفاقيتين تخصان التعاون البحري والعسكري وتتيحان لأنقرة توسيع حدودها البحرية والقيام بعمليات تنقيب في السواحل الليبية.

غير أن هاتين الاتفاقيتين كانت لهما أبعاد أخرى هي تجاوز الجرف الإقليمي للجزر اليونانية، وتجلى هذا عندما أرسلت أنقرة في شهر أغسطس 2020 سفينة تنقيب ترافقها قطع حربية للسواحل القبرصية على اعتبار أن قبرص التركية تابعة لها، متجاوزة بذلك عدة جزر يونانية، أبرزها جزيرة كريت.

الخطوة أثارت غضب أثينا وانتقادات دولية وحركت المياه الراكدة للاتحاد الأوروبي الذي يراقب التحركات التركية بحذر شديد، ولوح بفرض عقوبات مؤلمة على تركيا.

غير أن تركيا راهنت على الإنقسامات بين دول الاتحاد الأوروبي وارتباط بعضها، على غرار ألمانيا، بمصالح اقتصادية كبيرة معها.

كما راهنت على ثقلها داخل عدد من المؤسسات الدولية ومن بينها حلف شمال الأطلسي وعلى قوتها العسكرية مازالت تراهن على اقتناع عدد من الدول والمنظمات الدولية على حقها القانوني في تقاسم مياه الجرف القاري مع اليونان وليس مع الجزر اليونانية المنتشرة على مسافة قريبة جدا من شواطئها.

في نفس الوقت يبدو أن تركيا تريد من خلال مهمات التنقيب جس نبض حدود التحرك الأوروبي والأمريكي، كما تريد إسراع عملية التفاوض مع أثينا تحت رعاية أوروبية أمريكية بما يرفع عنها الظلم الذي وقع عليها من خلال إتفاقية "لوزان" التي وقعت عليها عام 1923، توسيع حدودها البحرية بما يزيد عن 40% عما هي عليه حاليا، وهذا يؤمن حاجتها من الغاز الذي تستورد أكثر من 90% منه من الخارج ويكلفها سنويا 41 مليار دولار.

خلافات أردوغان مع مصر وتدخله في ليبيا

تفاقمت الأزمة بين القاهرة وأنقرة بعد دعم الأخيرة لجماعة "الإخوان" في مصر منذ سقوطها في عام 2013 لتصبح تركيا الملاذ الآمن لحوالي 20 ألف شخص ينتمون لجماعة الإخوان المصنفة إرهابية في مصر، من بينهم عدد من القيادات.

وسمحت لهم بفتح قنوات تلفزيونية لمخاطبة الرأي العام العربي والمصري تحديدا، وأكثر من ذلك، دعمت تركيا التيارات الإسلامية المحسوبة على الإخوان المسلمين في كل من تونس والجزائر وليبيا وحتى في أوروبا، الأمر الذي فسره الباحثون بسعي الرئيس رجب طيب أردوغان وراء تحقيق حلم عودة الإمبراطورية العثمانية من خلال تكريس حكم الإخوان في الإقليم، فيما ترى جماعة الإخوان في سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان نموذج الخلافة الإسلامية.

وما زاد الطين بلة إبرام الرئيس اردوغان عام 2019 اتفاقيتين للتعاون البحري والعسكري مع حكومة فايز السراج في ليبيا، ودفع أردوغان بقوات عسكرية إلى ليبيا بحجة دعم حكومة فايز السراج وحماية المصالح التركية، الأمر الذي أثار غضب مصر التي هددت بالتدخل إذا تجاوزت تركيا خط سرت- الجفرة، خاصة بعد أن كشفت تقارير استخباراتية وإعلامية عن نقل تركيا لمئات المرتزقة من مختلف الجنسيات إلى ليبيا.

الآلة العسكرية التركية في سوريا والعراق

قامت تركيا في السنوات الأخيرة بعدة عمليات عسكرية في دول الجوار، حيث تحجج أردوغان بأنه ينوي القضاء على قدرات حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية وإنشاء منطقة أمنة على الحدود السورية التركية.

وكانت العملية العسكرية الأولى "درع الفرات" في عام 2016 من خلال توغل بالدبابات في الأراضي السورية المحاذية للشريط الحدودي مع تركيا، ثم عملية "غُصن الزيتون" في 2018 التي إدعى أردوغان أنها تهدف إلى إنهاء وجود القوات الكُردية في مناطق الحدود بين البلدين والتي انتهت بإحتلال تركيا لعدد من المُدن في الشمال السوري، ثم عملية "درع الربيع" في مارس أذار 2020 التي هدف إلى منع الجيش السوري من التقدم في مُحافظة إدلب.

أما في العراق، فأطلق الجيش التركي عملية عسكرية سميت بعملية "مخلب النمر"، وقال إنها تستهدف معاقل حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق.

وتجلت نيات تركيا التوسعية بعد إعلانها عن إقامة عشر قواعد عسكرية شمال العراق بحجة الحفاظ على أمنها القومي والقضاء على جيوب حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه منظمة إرهابية.

إتفاقية "لوزان" بين التمديد وإنتهاء الصلاحية لم يتوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن التأكيد على ضرورة مراجعة معاهدة لوزان التاريخية، التي ساهمت في تكوين دولة تركيا الحديثة بحدودها الحالية على أنقاض الدولة العثمانية، ولم يتوقف عن التذكير بأن عهد تركيا القديمة سينتهي بحلول 2023.

كما أكد على أنه سيقود تركيا الجديدة، فهو يعتبر أن هذه الإتفاقية تسببت في خسائر كبيرة لبلاده وأدت إلى فقدان بلاده لبعض الجزر التي تقع على مسافة صرخة من تركيا على حد تعبيره.

اختار أردوغان تاريخ توقيع هذه الإتفاقية في 24 من يوليو تموز 1923 (الذكرى 97 لمعاهدة لوزان) ليكون موعدا لتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد وأداء الصلاة فيه رغم الانتقادات الدولية.

ولاشك وأن تركيا تعرضت للمساومة وكانت في حالة ضعف ولم تكن لديها خيارت عندما وقعت على إتفاقية لوزان، لكن الطريقة التي يحاول بها الرئيس طيب أردوغان معالجة هذه الخطأ التاريخي لا تخلو من المخاطرة، إذ يسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد الذي ستتمدد فيه دولة تركيا الكبرى في أراضي العراق وسوريا وليبيا، مستغلا ضعف الدول العربية، لكنه نسي أن أحلامه يرصدها الرادار الأمريكي والأوروبي والروسي والصيني، وأن أي تجاوز لأطماع هذه الدول وحساباتها الاقتصادية من قبل أردوغان ستكون نتائجه كارثية على تركيا وعلى حلم الإمبراطورية العثمانية.

سياسة الرئيس رجب طيب أردوغان أفقدته العمق الإسلامي والعربي وأدخلته في عداء غير مسبوق مع مصر والإمارات والمملكة العربية السعودية، وزجت به في نزاعات مع دول الجوار، سوريا والعراق واليونان، وأثارت غضب وسخط بعض الدول الأوروبية التي كانت تنتقد سياسته الداخلية في ما يتعلق بحقوق الإنسان، وهي اليوم تراقب من كثب أطماعه التوسعية.

في حين كان بإمكانه أن يحافظ على قوة تركيا وتماسكها، ويعزز علاقات بلاده بمحيطها الإسلامي والعربي، والاستفادة من عضويتها في حلف شمال الأطلسي في مجموعة العشرين ومن موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب من خلال سياسة حكيمة ومحايدة تمكنه من لعب دور الوسيط النزيه في الأزمات الدولية.


إرسل لصديق