الديار

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عصـام عـامر

زاوية رأى

خالد الشناوي يكتب: على الله الكريم يكون قصدي

2019-08-10 11:47:51
خالد الشناوي
خالد الشناوي
خالد الشناوي

يحمل اليوم حجاج بيت الله الحرام الكثير من الاشواق والخواطر بطوافهم محرمين متوجهين إلى صعيد عرفات الذكريات .

تتحرك معهم قلوب وأرواح المشتاقين في شتى أرجاء المعمورة ممن أقعدهم العوز وعدم التوفيق للحاق بالركب الطاهر الأغر في يوم الجمع الأكبر. تتوارد الخواطر وتسيل على الخدود المآقي وألسنة بسر قد تنادي .. تغيب حتى عن الكرام الكاتبينا تسير إلى تلك البقاع الطاهرة أرواح الهائمين إلى حضرة ملكوت رب العالمين بقلوب وجلة ألحقها الشوق وأقعدها التوق تهمهم في دعاء وابتهال وتوسل: لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والملك .. لا شريك لك. تلاحق الأرواح المتعطشة هنا الركب السائر هناك وهم بين المشاعر بوشاحهم الأبيض وقد تدثروا بشارات الرضا عن الله في كل أحوالهم وقد خلعوا عنهم إزار الدنيا ومتاعها الزائف الذي لا يدوم . كيف لا ومناسك الحج والبقاع المقدسة في الحرمين الشريفين تفجر في النفس الكثير من الخواطر والذكريات والعبر والأسرار. في مكة التقى وفد الله وضيوف بيته الحرام واستقوا من فيض اللحظات المقدسة، وخلال تلك اللحظات ينقطع الاتصال الدنيوي إلّا للضرورة ويبقى الاتصال الروحاني والذي يحسه كل من كُتب له أداء الفريضة. فلا يتوانى في نقل تفاصيل هذه الأيام بلياليها إلى من عنّ بهم الشوق وتمنوا أن يكونوا من ضمن هؤلاء الذين يسّر الله لهم إتمام ركن الإسلام الخامس.

في موقف الجمع هذا تجد الغالبية العظمى منهم مشغولين بمراجعة الأذكار، وتكون الرفقة رفقة ذكر بدءاً بالعبادات وتجلياً في المعاملات.

ما أشد اندهاش المرء من ذلك التوحد العجيب، فرغم الحركة الدؤوبة في كل المواسم ممزوجة بأدعية الحجاج وتكبيرهم ودعائهم جنباً إلى جنب، ينتقل الشخص إلى عالم آخر مليء بالتسامح. قد لا يهتم الحجاج بمجيء ليل أو قدوم نهار بقدر ما يهمهم تقضية الفريضة على أكمل وجه وتمضية الوقت فيما أتوا من أجله، ولذا تجد الغالبية تترفع عن بعض الصغائر التي تفرضها الاحتكاكات بين البشر. والكثير منهم فرادى وزرافات، في الرفقة المأمونة وفي المجموعات، يقتربون من بعضهم أكثر وأكثر في توافق وليس تسابق وتنافر، لأنّ الهدف واحد، والأجر يعظم بالصبر.

رجال كبار السن ونساء كهلات، أناس في مختلف الأعمار يقرؤون ما حفظوا من الآيات القرآنية والأدعية، يلجؤون إلى كتيبات بلغاتهم لتذكرهم بما نسوا.

تختلف اللغات وتختلط اللهجات مع بعضها بعضا وتتعدد في شكل فريد، توحّد دعاؤهم رغم اختلاف اللغة.

يتحدث الجميع ويرددون أذكارهم بينما تسري نسمات الاتصال بين هذا المزيج من البشر الذي جمعته عظمة الإسلام.

نعم في كل عام، ومع اقتراب موسم الحج يشتد شوقي وحنيني لبيت الله الحرام، وأشعر أن دقات قلبي تلبي مع كل من لبى وطاف، وكل ذرة في جسدي تهفو إلى إجابة دعوة سيدنا إبراهيم -عليه السلام. ترى هل يأتي يوم أحج فيه إلى بيت الله الحرام؟! لألبي دعوة أبينا إبراهيم -عليه السلام- وأكمل الأعمدة الخمسة لإسلامي، ويلبي معي الشجر والحجر، فقد قال - صلى الله عليه وسلم-: " ما من مسلمٍ يلبِّي إلاّ لبَّى من عن يمنيه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرضُ من ها هنا وها هنا" [الترمذي].

ترى هل تنادي الملائكة من السماء: لبيك وسعديك، زادُك حلال وراحلتُك حلال؟! ؛ لأعود بحج مبرور وذنب مغفور. تُرى سأكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج الحاج حاجّا بنفقة طيبة ووضع رِجله في الغرز (وهو ركاب من الجلد) فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء (أي مَلَك): لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور" [رواه الطبراني في الأوسط].

ترى هل يأتي يوم أطوف فيه حول الكعبة، وأقبل الحجر الأسود، كما قبله النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة؟!

ترى هل يأتي يوم أسعى فيه بين الصفا والمروة، كما فعلت أمُّنا هاجر؟!

ترى هل أشد الرحال إلى مسجد رسول الله وأصلي فيه ؛ لأحظى بثواب ألف صلاة أو أكثر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه" رحلة الحج ملأى بالشوق والشجون لنداء الحق: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}. وتفيض الرحلة بتلبية النداء: «لبيك اللهم لبيك».

_في هذا اليوم يتجدد بذاكرتي وذاكرة كل مشتاق القصيدة الشعرية الكبيرة التي أنشدها الشاعر عبدالرحيم أحمد بن علي البرعي «يا راحلين إلى منى» ..... قبل 636 عاماً، بعد أن داهمه المرض والتعب وهو في طريقه للحج، حيث وافته المنية قبل أن يصل لأداء حجه. قصيدة البرعي قالها ووصلت إلى الحجاج دون وصول صاحبها، حتى إذا بلغ البيت الأخير منها لفظ أنفاسه ومات! والقصيدة أتت حافلة بصور البيان والبديع والاستعارات، والصور والوصف البديع، مما منحها جمالاً، وتدفقت معانيها ولكأنها نبع من معين الحب الصافي.

قصيدة وصلت منذ أكثر من 600 عام وصاحبها لم يصل فهو شاعر يمني من القرن الثامن الهجري ولد وعاش في «الحديدة» قرأ الفقه والنحو، وتأهل للتدريس له ديوان مطبوع ضم قصائد في الغزل وظف مقدرته على نظم الشعر في ذكر الله، وحب الله ورسوله وآل بيته الطاهرين.

قيل إنه كان مفتياً، وعلى قدر رفيع في الأدب واللغة والسيرة النبوية في آخر رحلاته للحرمين الشريفين، أحسّ بدنو أجله لما صار على بُعْد 50 ميلاً من مكة، وتوفاه الله عام 803هـ. دُفِن بـ»خيف البرعي» جهة «وادي الصفراء» بمحافظة بدر على مقربة من المدينة المنورة.

وبينما هو في مكانه ذاك الذي لا يبعد كثيراً عن مكة فإذا به يرى رفاقه من الحجاج قد وصلوا عرفات ومنى، وقد ذبحوا الذبائح، بينما هو يأخذه الندم والعجز عن اللحاق بهم. ثم إنه ليراهم وقد لبسوا الإحرام، ولم يكتف بتلك المشاهد، بل يخاطب الحجاج وكأنه على ثقة من سماعهم له! ويناشدهم أن يبلغوا سلامه لتراب تلك الأرض التي شهدت سيرة.


إرسل لصديق