نميرة نجم: صحوة أفريقية تعيد توازن عقود الاستثمار الاستخراجي
قالت السفيرة الدكتورة نميرة نجم خبيرة القانون الدولي والهجرة إن الدول تسعى إلى تحقيق توازن بين سيادتها على مواردها الطبيعية وبين اتفاقيات الاستثمار القديمة بما يحقق المنفعة العامة لتلك الدول مع الحفاظ على حقوق المستثمرين.
وأوضحت أن بعض الدول الأفريقية ألغت بالكامل الاتفاقيات القديمة للاستثمار بينما فضلت دول أخرى التفاوض من أجل تحسين شروطها، مشيرة إلى أنه يمكن القول إن هناك صحوة أفريقية في هذا المجال بعدم قبول الشروط المجحفة من المستثمرين وفرض شروط أكثر تحقيقا للمنفعة العامة سواء من ناحية التنمية المجتمعية أو من جانب تحسين قدرات العاملين المحليين في مجالات التعدين واستخراج الموارد الطبيعية.
جاء ذلك في كلمتها الافتراضية عبر الإنترنت إجابة لطرح الموجه إليها كمتحدث رئيسي من واقع خبراتها المتعددة السياسية والدبلوماسية والقانونية الأفريقية والدولية، وذلك خلال مؤتمر أسبوع التحكيم في باريس 2026 الذي نظمته الأكاديمية الأفريقية لممارسة القانون الدولي (AAILP) بالاشتراك مع مكتب Hogan Lovells تحت عنوان «النزاعات في قطاع الصناعات الاستخراجية الأفريقية: آليات ذكية تتجاوز التحكيم».
وكان السؤال يتعلق بما إذا كانت الحكومات قد غيرت طريقتها في التعامل مع عقود الصناعات الاستخراجية والنزاعات مقارنة بالماضي، وهل أصبحت الدول اليوم أكثر تركيزا على تصحيح الاختلالات في الاتفاقيات القديمة أم على إيجاد حلول عملية لإدارة النزاعات، وذلك في إطار تبادل رفيع المستوى للمشاركة في صياغة رؤية جماعية تتناسب مع طموحات القانون الدولي المعاصر، والارتقاء بالمناقشات إلى مستوى الاستشراف الاستراتيجي اللازم لمواجهة التحديات واغتنام الفرص التي تواجه القارة الأفريقية وشركائها الدوليين.
وأشارت نجم في كلمتها إلى أهمية العنصر المحلي في هذه العقود الاستثمارية وفقا للمادة 17 من مشروع المدونة النموذجية للاتحاد الأفريقي للاستثمار الأجنبي، موضحة أن الدول تأخذ العناصر المفيدة لها في هذا الإطار. فعلى سبيل المثال تفرض نيجيريا استخدام المشتريات المحلية، وغانا لديها قائمة مشتريات واضحة، بينما تشترط تنزانيا استخدام نظامها البنكي والتأميني. واعتبرت أن هذا يمثل نجاحا للعنصر الوطني ويساهم في تنمية قطاعات مختلفة داخل الدولة، بينما تستفيد الشركات المستمرة من الوضوح في القواعد الذي يقلل الخلافات في التنفيذ.
وأوضحت السفيرة أن الاختلاف في تفسيرات الضرورة والقوة القاهرة يمثل عقبة في حل النزاعات بعيدا عن التحكيم، كما أن هناك أنظمة لا تسمح بدفع تعويضات إلا عبر أحكام قضائية. وأشارت إلى أن هذا ما تغير في بعض البلدان ومنها مصر، إذ تفادت عبر التفاوض غرامات باهظة في تحكيمات متعلقة بعقود الغاز والبترول بسبب التغيرات في الظروف عند تنفيذ العقود.
وأكدت أنه كلما وضحت القواعد في اتفاقات الاستثمار تفادت الدول التحكيمات المجحفة، وأوضحت أنها بعد اعتماد اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية عكفت على عقد دورات تدريبية للمسؤولين الأفارقة الذين يتفاوضون على اتفاقات الاستثمار في بلدانهم للتدريب على إعداد الاتفاقات من جانب وعلى قواعد التحكيم من جانب آخر.
ونوهت كذلك إلى أن هناك تصاعدا في استخدام الدول للآليات التحكيمية الأفريقية بدلا من الدولية، وهو ما يمنح الثقة في تلك الآليات ليس فقط من قبل المستثمرين الأفارقة بل والمستثمرين من خارج القارة أيضا.
وقد شهد المؤتمر مشاركة نخبة متميزة من الخبراء والمتخصصين، منهم البروفيسورة لورانس بواسون دو شازورن، محكمة دولية و أستاذة القانون الدولييم الدولي والمدير التنفيذي لأكاديمية التحكيم الأفريقية، جان و باتيست هاريليمانا رئيس الأكاديمية الأفريقية لممارسة القانون الدولي ، و ميليسا أوردونيز، و إيريس سوفانياك من هوغان لوفيلز، ولويز مارغولين، رئيس تحرير افريكا بيزنيس بلس .
ويعد المؤتمر منتدى رفيع المستوى فكريا ودبلوماسيا، حيث يجمع نخبة من الحقوقيين وصناع السياسات والدبلوماسيين والممارسين الدوليين لدراسة المخاطر الاستراتيجية والقانونية والجيوسياسية المتعلقة بإدارة المعادن الحيوية التي باتت محورية في التحولات العالمية في مجالات الطاقة والتحول الرقمي والصناعي، وأمن سلاسل التوريد والحقوق السيادية للدول المنتجة والأطر المعيارية الدولية المتطورة ودور التحكيم في إدارة المصالح المتضاربة والنزاعات الناشئة، و سُبل تمكين الدول الأفريقية من تحويل الصناعات الاستخراجية إلى محركات للنمو المستدام والمسؤول، في ظل ما تمتلكه القارة من ثروات معدنية حيوية تدعم التحول العالمي في مجالات الطاقة، مع التركيز على تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية واليقين القانوني، وتعزيز الربحية المسؤولة، ودعم خلق قيمة مضافة محلية داخل الدول الأفريقية.





