جريدة الديار
السبت 9 مايو 2026 08:36 مـ 23 ذو القعدة 1447 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

فتوى نميرة نجم تحسم مسار انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقي لصالح الجزائر

في انتخابات حملت أبعادًا تتجاوز مجرد تغيير القيادة داخل المؤسسة التشريعية القارية، نجحت الجزائر في انتزاع رئاسة البرلمان الإفريقي، بعد انتخاب البرلماني الجزائري الدكتور فاتح بوطبيق رئيسًا للبرلمان الإفريقي لعهدة تمتد من 2026 إلى 2029، في اقتراع وصفته دوائر إفريقية بأنه “اختبار حقيقي لترسيخ قدرة الاتحاد الإفريقي على فرض قواعده الجديدة بعد سنوات من الاضطراب المؤسسي”.

وجاء انتخاب بوطبيق خلال الدورة الاستثنائية للولاية التشريعية السابعة التي انعقدت في ميدراند بجنوب إفريقيا، ضمن منظومة الاتحاد الإفريقي، حيث جرت الانتخابات وفق مبدأ التناوب الإقليمي، الذي بات منذ أزمة 2021 القاعدة الأساسية المنظمة لتوزيع المناصب القيادية داخل البرلمان.

وأشارت تقارير إعلامية إلى حصول المرشح الجزائري على 119 صوتًا من أصل ١٨٥ صوتًا معبرًا عنه داخل الجلسة العامة، في فوز عكس حجم التوافقات السياسية التي سبقت عملية التصويت القاري.

لكن معركة انتخابات رئاسة البرلمان الإفريقي لم تبدأ داخل القاعة العامة، بل انطلقت داخل “كوكس شمال إفريقيا”، حيث جرت مفاوضات مطولة بين وفود الجزائر والمغرب وليبيا، مع تداول اسم مصري في مراحل أولية من النقاشات السياسية.

ووفق ما نشرته تقارير إعلامية، فإن فاتح بوطبيق حسم المنافسة داخل المجموعة الجيوسياسية لشمال إفريقيا بعد حصوله على 19 صوتًا، مقابل 4 أصوات لمنافسه المغربي، و4 أصوات لمنافسه الليبي، خلال التصويت الداخلي للإقليم، وهو التصويت الذي منح الجزائر صفة “مرشح التوافق الإقليمي” قبل الانتقال إلى الجلسة العامة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الجزائر خاضت حملة دبلوماسية وبرلمانية مكثفة لدعم مرشحها فاتح بوطبيق لرئاسة البرلمان الإفريقي، شملت تحركات واسعة داخل المجموعات الجيوسياسية الإفريقية.

وقد شهدت المنافسة داخل الإقليم الشمالي تداول أسماء عدة مرشحين، أبرزهم فاتح بوطبيق من الجزائر، ولحسن حداد من المغرب، ويوسف الفاخري من ليبيا، ضمن مشاورات الإقليم.

كما جرى تداول اسم الدكتور المهندس شريف الجبلي كمرشح مصري، إلا أنه يبدو أنه انسحب من السباق في المرحلة النهائية من التوافقات قبل التصويت، بينما حسمت التوازنات داخل الإقليم والدعم الذي حشدته الجزائر داخل الكوكس السباق مبكرًا قبل الوصول إلى التصويت القاري.

وبعد هذا الحسم، دخل بوطبيق إلى الجلسة العامة باعتباره المرشح الموحد لشمال إفريقيا، في نظام انتخابي لم يعد يقوم على منافسة مفتوحة بين عدة مرشحين، بل على تزكية المرشح الذي ينجح أولًا في انتزاع توافق إقليمه.

وأسفرت الانتخابات عن تشكيل مكتب جديد للبرلمان الإفريقي يضم ممثلين عن الأقاليم الخمسة، هم: فاتح بوطبيق – الجزائر رئيسًا، وآشبير ولدجيورجيس غايو – إثيوبيا نائبًا أول، والدكتورة زانيتور أغييمان رولينغز – غانا نائبًا ثانيًا، وهي رئيسة لجنة الأمن والاستخبارات في البرلمان الغاني، وجدة مامار محمد – تشاد نائبًا ثالثًا، بعد حصوله على 150 صوتًا من أصل 185 صوتًا، وعضوة البرلمان أرليت بورغيس – أنغولا نائبًا رابعًا.
وفاز النائب المصري محمد حلاوة، رئيس لجنة التجارة والصناعة والمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس الشيوخ، برئاسة لجنة التجارة والجمارك والهجرة بالبرلمان الأفريقي.

ويعكس هذا التوزيع استمرار تأكيد اعتماد قاعدة “التوازن الجغرافي” داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، بحيث لا تحتكر منطقة واحدة قيادة المؤسسة، وهي القاعدة التي تعد نتاجًا مباشرًا للفتوى القانونية التي قدمتها السفيرة نميرة نجم، المستشار القانوني السابق للاتحاد الإفريقي، والتي لعبت دورًا محوريًا في إعادة صياغة قواعد الانتخابات داخل البرلمان.

وأكدت في تفسير القانوني أن رئاسة البرلمان تخضع لمبدأ التناوب الإقليمي الإلزامي، وأنه لا يجوز لإقليم سبق له شغل المنصب أن يحتفظ به خارج نظام الدور الجغرافي. و التي اعتمدت نفاذها لأول مرة أثناء تطبيقها في انتخابات البرلمان الأفريقي عام ٢٠٢٢، بعدما أدى تطبيق فتوى السفيرة نميرة نجم خلال انتخابات 2021 إلى انفجار خلافات حادة داخل البرلمان، بعدما اعتبرت بعض الوفود أن قواعد الترشح تغيرت بصورة مفاجئة، وهو ما انتهى إلى إلغاء الانتخابات ، بعد أزمة عنيفة تحولت خلالها جلسة انتخاب القيادة إلى فوضى غير مسبوقة داخل القاعة ومشاجرات وتشابك بالأيدي حدث بين البرلمانيين وتعطيل للجلسات واتهامات متبادلة بين الوفود خلال وقائع الجلسة العامة للبرلمان في 31 مايو و1 يونيو 2021 وصولا إلى قطع الأمن الكهرباء عن القاعة البرلمان لفضها من الاشتباكات النواب. فبموجب الفتوى القانونية للسفيرة د. نميرة نجم، المستشار القانوني السابق للاتحاد الإفريقي، استبعد ترشح ممثلي دول الغرب الإفريقي بانتخابات البرلمان الإفريقي، الأمر الذى رفضه عدد من الأعضاء ونشبت أحداث عنف داخل قاعة البرلمان أدت الى تأجيل الانتخابات أثناء الجلسة ثم تعليق اعمال البرلمان لمدة سنة ، لأن الفتوي نجم رجحت عدم أحقية ترشح أعضاء البرلمان من دول المناطق الجغرافية التي سبقت وأن تولت رئاسة البرلمان ومنها غرب ووسط وشرق إفريقيا وذلك لإتاحة الفرصة لمرشحي المنطقتين الشمال والجنوب بتولي الرئاسة أسوة بما هو معمول به في كل أجهزة الاتحاد وتنفيذًا لقرارات المجلس التنفيذي للإتحاد التي سبق وطالبت البرلمان بتطبيق هذا المبدأ.

ولم يكن هذا التفسير مجرد رأي قانوني عابر، بل تحول إلى قاعدة سياسية حاكمة أعادت رسم توازنات القوة داخل البرلمان الإفريقي، وأنهت عمليًا مرحلة فوضي المنافسة المفتوحة.
وبعد تلك الأزمة، تحول نظام التناوب الانتخابي بين الأقاليم إلى جزء ثابت من النظام الانتخابي، وأصبح يشار إليه داخل الأوساط البرلمانية الإفريقية باعتباره “قاعدة فتوى نجم”، حيث بات اختيار الرئيس يتم أولًا داخل كل إقليم، قبل عرض مرشحه الموحد على الجلسة العامة للتصديق وكذلك نواب الرئيس .
وكان وفد البرلماني المغربي قد اعتراض رسميا خلال جلسات الانتخابات الإقليمية والجلسة العامة، مطالبًا بأن يتم انتخاب رئيس البرلمان عبر تصويت جميع أعضاء الدول داخل الجلسة العامة، وليس فقط عبر تصويت أعضاء الإقليم المعني، غير أن لجنة الانتخابات رفضت الاعتراض باعتباره مخالفًا للقواعد الانتخابية المعمول بها داخل البرلمان و المعروفة بقاعدة نجم .

ويضم البرلمان الإفريقي أعضاء يختارون من البرلمانات الوطنية بواقع خمسة نواب لكل دولة، مع إلزام بوجود امرأة واحدة على الأقل ضمن كل وفد، بما يضمن حضورًا نسائيًا داخل العضوية، وإن لم يمتد ذلك بالقدر نفسه إلى مواقع القيادة. فجميع المرشحين للرئاسة هم في الأصل نواب وطنيون في برلمانات دولهم بعد استيفاء الشروط القانونية وأداء اليمين.

ويتكون إقليم شمال إفريقيا داخل الاتحاد الإفريقي من سبع دول هي: مصر، الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، موريتانيا، والجمهورية الصحراوية، ويمثل هذا الإقليم داخل البرلمان نحو 35 نائبًا بواقع خمسة نواب لكل دولة، وهو الرقم الذي يصنع المعادلة الحاسمة داخل “الكوكس”.

وتعد التنزانية السفيرة والوزيرة جيرترود مونجيلا أول رئيسة للبرلمان الإفريقي، بعدما انتخبت عام 2004 مع تأسيس المؤسسة، ثم أعقبها التشادي إدريس نديلي موسى بين 2009 و2012، يليه النيجيري بيثيل نناميكا أمادي بين 2012 و2015، ثم الكاميروني روجيه نكودو دانغ بين 2015 و2020، وبعده الزيمبابوي فورتشن شارومبيرا، وصولًا إلى الجزائري فاتح بوطبيق، الذي أصبح أول جزائري وأول عربي من شمال إفريقيا يتولى رئاسة البرلمان الإفريقي في ظل نظام التناوب الإقليمي المعتمد داخل الاتحاد الإفريقي.

ويرى مراقبون أن انتخابات 2026 مثلت أول اختبار حقيقي لنموذج “التوافق الإقليمي المنظم” الذي تأسس بعد أزمة 2021، وأن نجاح العملية دون انفجار سياسي جديد يعكس حجم التحول الذي أحدثته القواعد القانونية الجديدة داخل المؤسسة القارية.

وقال رئيس البرلمان الإفريقي المنتخب فاتح بوطبيق عقب فوزه إن انتخابه “يعكس إرادة إفريقية موحدة” لتعزيز دور البرلمان القاري وتقريبه من شعوب القارة، متعهدًا بالعمل على تقوية صوت المؤسسة داخل منظومة الاتحاد الإفريقي، وجعلها أكثر فاعلية في ملفات التكامل والحكم القاري.

كما شدد على أن شمال إفريقيا يمثل “جسرًا استراتيجيًا” يربط القارة بفضائها المتوسطي والدولي، مؤكدًا أن الجزائر تواصل دعم القضايا الإفريقية وتعزيز السلم والاندماج الاقتصادي داخل القارة، مضيفًا أن المرحلة المقبلة ستشهد التركيز على “تقوية فعالية البرلمان الإفريقي واستعادة مكانته كصوت للشعوب الإفريقية”.

من جانبه، رحب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف بنتائج الانتخابات، معتبرًا أن العملية “عكست التزام الدول الأعضاء بالديمقراطية وسيادة القانون والتمثيل الشامل”، مشيدًا بما وصفه بـ“الانتقال المنظم” داخل البرلمان الإفريقي.

ورغم أن البرلمان الإفريقي لا يزال يتمتع بصلاحيات استشارية أكثر منها تشريعية، فإن انتخاب قيادة جديدة يأتي في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الاتحاد الإفريقي لمنح البرلمان دورًا أكبر في صياغة السياسات القارية ومراقبة مؤسسات الاتحاد.

لكن مراقبين يرون أن التحدي الحقيقي أمام بوطبيق لن يكون فقط إدارة التوازنات السياسية بين الأقاليم، بل إثبات أن البرلمان الإفريقي قادر على التحول من مؤسسة رمزية إلى فاعل سياسي مؤثر داخل القارة.