حين تحتفظ التربة بالمياه وتنتصر على الجفاف .. «المانجروف» يعيد الحياة إلى الأرض في «كينيا»
يرفع اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف هذا العام شعار: «المراعي: التعرّف عليها، احترامها، واستعادتها»، وهو شعار لا يقتصر على الأراضي الجافة فحسب، بل يمتد ليعكس فلسفة أوسع في التعامل مع النظم البيئية المهددة. ومن هذا المنطلق، كانت وجهتي إلى أحد مواقع أشجار «المانجروف»، حيث يلتقي اليابس بالماء في مشهد يجسد التحديات البيئية ذاتها. فقد طال هذا النظام الطبيعي التدهور بفعل الضغوط نفسها التي تُنهك المراعي، لكنه يشهد اليوم رحلة تعافٍ تقوم على المبادئ الثلاثة ذاتها: التعرّف، والاحترام، والاستعادة. غير أن خصوصية هذا المكان تكمن في أن استعادة اليابسة لا تنفصل عن استعادة المياه، بل تمضي العمليتان معًا في مسار واحد نحو استعادة التوازن البيئي.
أكدت الدكتور ة ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، أن التربة كانت تمثل العقبة الأولى أمام نجاح المشروع؛ إذ كانت تقضي على الشتلات قبل أن تحظى بفرصة حقيقية للنمو. فقد اتسمت بارتفاع ملوحتها، وشدة تماسكها، وفقدانها التوازن البيئي اللازم لاحتضان الجذور الفتية. وعلى مدى سنوات، عمل فريق مؤسسة LEAF (مؤسسة العمل البيئي الصغير) بالتعاون مع نساء منظمة «أصدقاء الطبيعة المجتمعية» على تحسين خصائص التربة، وزراعة الشتلات، ومواجهة معدلات نفوق مرتفعة. ومع كل إخفاق، كانت تُعاد معالجة الأرض وتُزرع الشتلات من جديد، فيما يُستبدل كل نبات نافق بآخر في ممارسة عُرفت باسم «التعويض». ورغم بساطة هذا المصطلح، فإنه يجسد خلاصة سنوات من التعلم الميداني والتجربة المستمرة. وقد أثمرت هذه الجهود عن رفع معدل بقاء الشتلات إلى نحو 80%، ضمن مشروع يستهدف زراعة 100 ألف شتلة على امتداد ما يقارب 100 هكتار من ساحل كيليفي.
وقالت الدكتور ة ياسمين فؤاد، إن مؤسسة LEAF، تتولى بالتعاون مع منظمة «أصدقاء الطبيعة»، إدارة مشتل لإنتاج الأشجار، كما تعتمد على شراء الشتلات المزروعة محلياً لإعادة غرسها ضمن المشروع، بما يحول المشاركة المجتمعية من عمل تطوعي إلى نشاط اقتصادي مستدام. وبهذه الآلية، أصبحت زراعة الأشجار مصدراً للدخل، بما يقلل الضغوط التي تدفع إلى قطع الأشجار واستنزاف ما تبقى من الغابات. وتؤكد هذه التجربة أن جهود الحفاظ على الطبيعة تكتسب استدامة أكبر عندما ترتبط بفرص اقتصادية حقيقية، فتستمر آثارها إلى ما بعد انتهاء برامج التمويل أو انحسار الاهتمام الإعلامي. ويجسد هذا النهج مفهوم الاحترام في صورته العملية، من خلال تقدير المهارات والخبرات المحلية ومكافأتها مادياً، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على العمل المجاني.
وأشارت الدكتورة ياسمين فؤاد، إلى أن مجموعة «أصدقاء الطبيعة»، التي تقودها نساء، تمثل نموذجًا ملهمًا لتمكين المرأة في حماية البيئة واستعادة النظم البيئية المتدهورة. وأوضحت أن عضوات المجموعة، عندما سُئلن عن شعورهن تجاه نقل تجربتهن إلى العالم، أجبن جميعًا بصوت واحد: «المرأة الأفريقية قوية». وأكدت أن هذه العبارة لم تكن مجرد شعار، بل تعكس واقعًا صنعته سنوات من العمل الدؤوب في أرض ظلت طويلًا لا تعطي شيئًا في المقابل، قبل أن تتحول إلى قصة نجاح تجسد قوة الإرادة وقدرة المرأة على قيادة جهود التعافي البيئي.
أوضحت الدكتورة ياسمين فؤاد أن الوقوف على هذه الأراضي المستعادة يكشف بوضوح استحالة الفصل بين استعادة الأرض واستعادة المياه في بيئات «المانجروف»، إذ يشكلان منظومة بيئية متكاملة. وأشارت إلى أن التربة المشبعة بالمياه أسفل جذور أشجار «المانجروف» قادرة على تخزين أكثر من ألف طن من الكربون في الهكتار الواحد، وهو ما يعادل نحو أربعة أضعاف الكمية التي تخزنها الغابات البرية. وأكدت أن هذه الأشجار لا تقتصر أهميتها على احتجاز الكربون، بل تؤدي دورًا حيويًا في الحد من أخطار الكوارث الطبيعية، حيث تسهم في خفض ارتفاع الأمواج بنسبة تتجاوز 66%، كما توفر غابات «المانجروف» حول العالم حماية لنحو 15 مليون شخص من مخاطر الفيضانات سنويًا، وتحد من خسائر اقتصادية تُقدَّر بأكثر من 65 مليار دولار.
وأوضحت الدكتورة ياسمين فؤاد أن أشجار «المانجروف» تؤدي دورًا حيويًا في الحد من تسرب مياه البحر المالحة إلى خزانات المياه الجوفية العذبة التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية في توفير مياه الشرب، مؤكدة أن أهمية هذا الدور تتضاعف مع استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر. وأضافت أن جذور «المانجروف» المغمورة بالمياه تُعد حاضنة طبيعية للعديد من أنواع الأسماك، بما يدعم سُبل معيشة نحو 4.1 مليون صياد حول العالم. وأكدت أن استعادة غابات «المانجروف» لا تقتصر آثارها على إعادة تأهيل الأراضي الساحلية فحسب، بل تمتد إلى تعزيز استقرار السواحل، وتحسين جودة المياه الجوفية، وإنعاش الثروة السمكية، ورفع قدرة النظم البيئية على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
أوضحت الدكتورة ياسمين فؤاد أن القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف تبدأ بالحفاظ على سلامة النظم البيئية واستعادة الأراضي المتدهورة، وليس فقط عند التعامل مع آثار الجفاف بعد وقوعه. وأشارت إلى أن كثيرين ينظرون إلى الجفاف باعتباره أزمة تبدأ مع جفاف الأنهار أو فشل المحاصيل، بينما تبدأ ملامح الأزمة في الواقع منذ اللحظة التي تفقد فيها الأراضي قدرتها الطبيعية على الاحتفاظ بالمياه. وأكدت أن استعادة النظم البيئية، وفي مقدمتها غابات «المانجروف»، تسهم في تعزيز احتفاظ التربة بالرطوبة، وإعادة تغذية المياه الجوفية، والحد من الضغوط المتزايدة على الموارد المائية، بما يعزز قدرة المجتمعات على التكيف مع فترات الجفاف. وشددت على أن الأراضي السليمة تمثل أحد أكثر وسائل الاستعداد للجفاف فعالية واستدامة في الوقت الراهن.
و تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف غابات «المانجروف» في العالم قد تكون معرضة للانهيار بحلول عام 2050، وأن واحدة من كل خمس غابات منها مهددة بالفعل. كما فقد العالم أكثر من 5,200 كيلومتر مربع من هذه الغابات بين عامي 1996 و2020، بسبب التوسع في الاستزراع المائي والزراعة والبناء الساحلي. وفي الوقت نفسه، تعاني ما يصل إلى نصف المراعي في العالم من التدهور. قد تختلف طبيعة الأراضي، لكن المعادلة واحدة.
وأكدت الدكتورة ياسمين فؤاد أن منطقة كيليفي، رغم نجاحها في تحقيق نتائج ملموسة، لا تستطيع بمفردها عكس مسار التدهور البيئي العالمي، لكنها تقدم نموذجًا عمليًا يثبت أن استعادة النظم البيئية ليست حلمًا بعيد المنال، بل يمكن أن تتحقق خلال سنوات قليلة، وليس أجيالًا، إذا توافرت الجهود الجادة لإصلاح التربة، وحصل القائمون على أعمال الاستعادة على مقابل عادل يضمن استدامة هذه الجهود.
وأوضحت أن استعادة الأراضي لا تقتصر على إعادة تأهيل البيئة، بل تمتد آثارها مباشرة إلى الأمن الغذائي، إذ إن تعافي الأراضي يقود إلى تعافي النظم الغذائية، فتعود الثروة السمكية إلى النمو، وتزداد إنتاجية التربة، وتتوافر الموارد المائية بصورة أفضل، وتصبح المجتمعات المحلية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والصدمات. وأضافت أن استعادة الأراضي، سواء في المناطق الساحلية أو المراعي أو الأراضي الزراعية، تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأنظمة التي توفر الغذاء للسكان، وتسهم في دعم الاقتصادات المحلية وتحقيق التنمية المستدامة.
قامت الدكتورة ياسمين فؤاد، بهذه الزيارة عشية الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، وعلى مقربة من مدرسة فيبينغو الابتدائية المركزية، حيث ألقى نائب رئيس جمهورية كينيا الكلمة الرئيسية في الاحتفال يوم 17 يونيو، كما خاطبتُ الحضور إلى جانب إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وفي أغسطس المقبل، ستنتقل هذه الرسالة إلى مؤتمر الأطراف السابع عشر (COP17) في أولان باتور، حيث ستكون المياه أحد المحاور الرئيسية للمؤتمر إلى جانب المراعي. فهذا النوع من المشاريع هو بالضبط ما ينبغي لمؤتمر معني باستعادة الأراضي أن يسلط الضوء عليه: مجتمع نجح في جعل الاستعادة مجدية اقتصادياً، وانتهى به الأمر إلى أرض تحتفظ بالمياه، وتحافظ على الثروة السمكية، وتصمد أمام العواصف.
واختتمت الدكتورة ياسمين فؤاد بالتأكيد على أن المستفيدين الحقيقيين من جهود استعادة الأراضي لا يقتصرون على المجتمعات الحالية، بل يمتد أثرها إلى الأطفال الذين سيرثون هذه النظم البيئية في المستقبل. وأشارت إلى أن أكثر من مليار طفل حول العالم يواجهون بالفعل مخاطر مناخية متعددة، مؤكدة أن مستقبلهم سيعتمد بدرجة كبيرة على ما ينجزه العالم اليوم من جهود لاستعادة الأراضي والمياه والنظم البيئية التي تشكل أساس الحياة وتوفر مقومات العيش والفرص للأجيال القادمة.
وأضافت أن الطريق نحو مستقبل أكثر استدامة يبدأ بالتعرّف إلى قيمة الأرض، واحترام من يحافظون عليها، والعمل الجاد لاستعادة ما فقدناه من موارد طبيعية. وأكدت أن تجربة هذا الساحل تجسد هذه الرؤية بوضوح، حيث تمضي استعادة الأرض واستعادة المياه جنبًا إلى جنب، باعتبارهما مسارًا واحدًا لاستعادة التوازن البيئي وتحقيق التنمية المستدامة.





