«الجيلاتين» تحت المجهر.. من مصادر إنتاجه إلى اختبارات سلامة الغذاء
في كل مرة يتناول فيها المُستهلك حلوى «الجيلي» أو الزبادي الكريمي أو بعض أنواع الآيس كريم، نادرًا ما يتوقف للتساؤل عن مصدر القوام الهلامي الناعم الذي يمنح هذه المنتجات شكلها وقوامها المميز. فالجيلاتين، كما هو معروف، يُستخلص من الكولاجين الحيواني، لكن ما يظل بعيدًا عن أنظار الكثيرين هو الرحلة الطويلة والمعقدة التي تقطعها مواده الخام قبل أن تصل إلى المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق.
وفي ظل اتساع الأسواق غير المنظمة وتعدد مصادر الإنتاج، تبرز تساؤلات تتعلق بمصادر بعض الخامات مُنخفضة التكلفة ومدى خضوعها لرقابة فعالة عبر مختلف مراحل التصنيع والتداول. وبين ما تكشفه الشهادات الميدانية والبيانات العلمية والنتائج المخبرية من مؤشرات تستحق التوقف عندها، تتزايد أهمية البحث في مسارات الإنتاج وسلاسل التوريد المُرتبطة بهذه المادة واسعة الاستخدام، خصوصًا عندما تتقاطع اعتبارات سلامة الغذاء والصحة العامة مع تحديات الرقابة والتتبع في بعض القطاعات غير الرسمية.
نبض الشارع وثقة المُستهلك
في جولة ميدانية شملت عدداً من الأسواق الشعبية ومحيط المدارس الابتدائية، بدا المشهد مُتناقضاً تماماً مع التحذيرات المخبرية. هنا، تُباع حلوى «الجيلي» المُلونة والحلوى الهلامية بأسعار زهيدة جداً، وتُعرض في أكياس شفافة لا تحمل أي بيانات تجارية أو تاريخ صلاحية واضح، ومع ذلك، يُقبل عليها الصغار بشغف لا ينقطع.
تقول «أم محمد»، وهي ربة منزل كانت تشتري كمية من الحلوى الهلامية مجهولة المصدر من أحد الباعة الجائلين: أعرف أن هذه الحلويات ليست الأفضل، لكنها رخيصة وتُفرح أولادي. لم أفكر يوماً في مصدر (الجيلاتين) أو كيف يُصنع، طالما أن طعمها حلو ولونها جذاب، فما الضرر؟.
وعلى جانب آخر، التقينا بشاب اسمه أحمد جابر، يعمل في أحد محلات البقالة، والذي أكد أن المنتجات التي تحتوي على جيلاتين والمُنتجة في مصانع صغيرة أو «تحت بير السِلم» هي الأكثر مبيعاً نظراً لفرق السعر الشاسع عن الماركات العالمية. مُضيفًا: أن المستهلك يشتري بهذا السعر الزهيد أولاً، ونادراً ما يقرأ المُكونات، ناهيك عن التساؤل عن مصدر الجيلاتين. نحن نبيع ما يطلبه الناس.
مدابغ ومخلفات: كواليس الصناعة
في مناطق المدابغ، حيث تُعالج جلود الحيوانات لإنتاج الجلود التجارية، تعتمد معظم عمليات الدباغة الحديثة على استخدام أملاح الكروم ثلاثي التكافؤ (Chromium III)، وهي التقنية الأكثر شيوعًا عالميًا.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أن بعض مركبات الكروم قد تتحول في ظروف صناعية أو بيئية مُعينة إلى الكروم سداسي التكافؤ (Chromium VI)، وهو الشكل الأكثر سُمية، ما يفسر التشديد على الإدارة الآمنة لمُخلفات الدباغة ومنع تسربها إلى البيئة. و وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، تعتمد نسبة كبيرة من صناعة دباغة الجلود عالميًا على تقنيات الدباغة بالكروم، وهو ما ينتج عنه كميات من المُخلفات الصلبة والسائلة التي يجب التعامل معها والتخلص منها وفق اشتراطات بيئية وصحية صارمة للحد من أي آثار محتملة على الإنسان والبيئة.
ورغم أن هذه المُخلفات تخضع - من حيث المبدأ - لأنظمة رقابية عند جمعها والتخلص منها، فإن بعض التقارير الدولية تُشير إلى أن ضعف تطبيق الرقابة في بعض الأسواق قد يتيح فرصًا لحدوث مُمارسات غير نظامية في تداول بعض المُخلفات الصناعية، وهو ما يستدعي تعزيز آليات التتبع والرقابة.
وفي المقابل، يُستخلص الجيلاتين الغذائي المُعتمد من الكولاجين الموجود في جلود وعظام الحيوانات المُخصصة لهذا الغرض وفق اشتراطات صحية ورقابية مُحددة، كما قد يُنتج في بعض الدول من جلود الخنازير أو الأبقار أو الأسماك بحسب التشريعات المحلية والأسواق المُستهدفة، وهو ما يجعل الإفصاح عن مصدر الجيلاتين أمرًا مهمًا للمُستهلكين من الناحيتين الشرعية والغذائية. ولا توجد أدلة علمية أو رقابية تثبت أن الجيلاتين المنتج وفق المعايير المُعتمدة يُستخلص من مُخلفات المدابغ، فيما تظل أي مُمارسات مُخالفة – إن وُجدت – بحاجة إلى أدلة موثقة وتحقيقات رقابية وقضائية مُستقلة لإثباتها.
شهادات من الداخل:
وفي منطقة قريبة من «المدابغ»، تحدثنا مع «س. م. »، أحد العاملين السابقين في ورشة لإعادة تدوير المخلفات، والذي فضل عدم ذكر اسمه. كشف لنا: كنا نرى سيارات ربع نقل تأتي في المساء لتحميل قصاصات الجلود المصبوغة والمليئة بالكيماويات. بحسب ما كان يتردد بين بعض العاملين، كانت تلك الشحنات تُنقل إلى مصانع الغراء، بينما تحدث بعض العمال عن أقاويل تُشير إلى أن جزءًا منها قد يُعاد توجيهه بعد مُعالجات كيميائية لاستخدامه في تصنيع جيلاتين مُنخفض التكلفة.
هذه الشهادة، رغم أهميتها، تظل غير كافية بمفردها لإثبات المسار الكامل، لكنها تفتح باب التساؤل حول الحاجة إلى مزيد من التحقق في مسارات تداول بعض المُخلفات خارج الإطار الرسمي.
سلاسل توريد غامضة
تشير تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن ضعف الرقابة في بعض الدول النامية يفتح الباب أمام إعادة تدوير غير آمنة لمُخلفات صناعية. في هذا السياق، يتم جمع بقايا الجلود من المدابغ—بما فيها القصاصات والجلود مُنخفضة الجودة—وبيعها إلى ورش صغيرة أو مصانع غير مُرخصة تعمل خارج الإطار الرقابي.
يُنتج الجيلاتين الغذائي من استخلاص الكولاجين الموجود في جلود وعظام الحيوانات المُخصصة لهذا الغرض، عبر عمليات صناعية تشمل المُعالجة بالأحماض أو القلويات، ثم الاستخلاص والتنقية وفق اشتراطات صحية ورقابية مُحددة. أما إذا استُخدمت خامات غير مُطابقة للمُواصفات أو مجهولة المصدر، فإن جودة المنتج النهائي وسلامته تعتمدان على طبيعة المواد الخام وكفاءة عمليات التنقية والرقابة.
وفي سياق الحديث عن مُخلفات الدباغة، أشارت دراسة منشورة في مجلة Journal of Hazardous Materials عام 2022 إلى أن هذه المُخلفات قد تحتوي على تراكيز مُتفاوتة من مركبات الكروم، وأن بعضها قد يتحول في ظروف معينة إلى الكروم سداسي التكافؤ (Cr VI)، وهو الشكل الأكثر سمية والمُصنف من قبل الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) ضمن المواد المُسرطنة للإنسان في حالات التعرض المهني أو التعرض المزمن بمستويات مُرتفعة.
رأي خبراء مختصين
أفاد عدد من المُتخصصين في السموم البيئية بأن رصد آثار لمعادن ثقيلة في بعض المنتجات الغذائية، حتى إذا كانت ضمن الحدود التنظيمية المسموح بها، قد يدفع إلى التحقق من مصدر المواد الخام وعمليات التصنيع وسلسلة الإمداد، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود خطر صحي مباشر.
ويشير خبراء إلى أن الجيلاتين عالي الجودة، عند إنتاجه وفق معايير رقابية صارمة، يُفترض أن يخضع لاختبارات تحد من احتمالات وجود مُلوثات. كما يؤكدون أن تقييم مخاطر الكروم يعتمد على تركيزه وصورته الكيميائية؛ إذ إن بعض صوره، مثل الكروم سداسي التكافؤ، ترتبط بمخاطر صحية مع التعرض المزمن بمستويات مرتفعة، بينما لا يكفي مجرد الكشف عن عنصر الكروم للحكم على مستوى الخطورة دون تحليل تفصيلي.
خرق السلامة الحيوية
صرحت الأستاذة الدكتورة سامية جلال سعد، الأستاذة بالمعهد العالي للصحة العامة والبيئية بالإسكندرية ومستشارة الأمم المتحدة لصحة البيئة وإدماج نظم الإدارة البيئية المُتكاملة، قائلة: إن قضية تتبع مسار مُخلفات الصناعات التحويلية، وتحديداً دباغة الجلود، لم تعد مُجرد شأن بيئي محلي، بل هي قضية أمن صحي قومي تتطلب تطبيقاً صارماً لنظم الإدارة البيئية المُتكاملة. إذ تنعكس تأثيرات هذه المنتجات مباشرةً على فئة الصغار، الذين يُمثِّلون الثروة البشرية المستدامة وقاعدة الإنتاج المستقبلية للدولة.
وأشارت مستشارة الأمم المتحدة لصحة البيئة، إلى أنه في حال ثبوت إعادة تدوير مُخلفات المدابغ المُشبعة بمركبات الكروم والمعادن الثقيلة وتحويلها إلى مادة أولية تُستخدم في صناعات غذائية مثل الجيلاتين، فإن ذلك يُمثل خرقاً جسيماً لمعايير السلامة الحيوية. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السُمية الحادة، بل في «التراكم البيولوجي» لهذه السموم داخل الأنسجة البشرية عبر سنوات من الاستهلاك غير الواعي، مما قد يؤدي إلى اعتلالات صحية مُزمنة يصعب تداركها.
وأضافت الدكتورة سامية، بقولها: إننا بحاجة ماسة لربط قواعد بيانات المُنشآت الصناعية بمنظومات الرقابة الغذائية، لضمان أن ما يصل إلى مائدة المُستهلك هو نتاج مسار تصنيعي آمن، وليس نتاج أنماط إنتاج غير خاضعة للرقابة الكاملة. وحتى لا تُتخذ إعادة التدوير ذريعة للاستفادة من كافة المُخلفات على حساب سلامة المُستهلك، وتتحول إلى غطاء لمُمارسات تنطوي على مخاطر صحية؛ لا سيما وأن الأسواق تشهد تكراراً لهذه الظاهرة في منتجات عدة بسبب غياب التدقيق في مدى التزام بعض المصنعين بمعايير الجودة.
نتائج مخبرية وفجوات رقابية
أشارت نتائج دراسات مُتعددة، منها تقارير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA)، تُشير إلى أن التعرض المُزمن لكميات ضئيلة من المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكروم قد يؤدي إلى تراكمها في الجسم، مما يؤثر على الكبد والكلى والجهاز العصبي.
ورغم أن الجيلاتين الغذائي المعتمد يجب أن يخضع لحدود صارمة لهذه المواد، إلا أن المنتجات غير الخاضعة للرقابة قد تتجاوز هذه الحدود أو تظل في مناطق رمادية، كما أشارت بعض الدراسات المنشورة إلى رصد شوائب معدنية في عينات من بعض منتجات الجيلاتين منخفضة الجودة في عدد من الأسواق، وهو ما يعكس أهمية الرقابة على مصادر المواد الخام وسلاسل الإنتاج، دون أن يعني ذلك تعميم النتائج على جميع المنتجات.
تشترط هيئات مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أن يكون الجيلاتين مُستخرجًا من مصادر مُعتمدة وخاضعًا لسلسلة إنتاج مُوثقة، لكن هذه المعايير لا تُطبق بشكل مُتساوٍ عالميًا، خاصة في الأسواق التي تعاني من إنتشار الاقتصاد غير الرسمي.
ردود رسمية محدودة
في محاولة للحصول على رد رسمي، تواصلنا مع جهة رقابية معنية بسلامة الغذاء، حيث أكد مصدر مسئول فيها أن: المُنتجات الغذائية المسجلة تخضع لرقابة دورية وتحاليل معملية، لكن التحدي الأكبر يكمن في المنتجات غير الرسمية أو مجهولة المصدر التي تُباع خارج القنوات القانونية. وأضاف أن الحملات التفتيشية مستمرة، لكنها تواجه صعوبات في تتبع سلاسل التوريد غير المُعلنة.
ولم يتسنَّ الحصول على رد من الجهات الأخرى ذات الصلة حتى موعد النشر.
المستهلك الضحية الأخيرة
المشكلة الأكبر أن المستهلك لا يملك وسيلة لمعرفة مصدر الجيلاتين المستخدم في المنتج الذي يتناوله، خاصة في المنتجات غير الموثقة. وبينما تشير منظمات مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن التعرض طويل الأمد للمعادن الثقيلة قد يُؤدي إلى آثار صحية تراكمية، يظل الخطر غير مرئي في الحياة اليومية.
وقد لا يملك المُستهلك، خاصة عند شراء المُنتجات مجهولة المصدر، وسيلة لمعرفة مصدر الجيلاتين أو طبيعة المواد الخام المُستخدمة في تصنيعه، وهو ما يُعزز أهمية شراء المنتجات المُسجلة والحرص على اختيار المنتجات التي تحمل بيانات واضحة وتخضع للرقابة الرسمية.
ما بين الحقيقة والواقع
خبراء سلامة الغذاء يدعون إلى تشديد الرقابة على سلاسل توريد الجيلاتين، وفرض تتبع إلزامي لمصدره، مع ضرورة إلزام المُنتجين بالإفصاح الواضح عن مصدر الجيلاتين المستخدم. كما توصي منظمة الصحة العالمية بضرورة تعزيز أنظمة التفتيش وتحليل المُنتجات بشكل دوري، خاصة في الأسواق التي تنتشر فيها المُنتجات منخفضة التكلفة.
وبين المؤشرات الميدانية والبيانات العلمية الأولية، يظل هذا التحقيق محاولة لرصد ظاهرة مُحتملة تستدعي مزيدًا من البحث والتدقيق، دون الجزم بوقائع نهائية غير مثبتة بشكل قاطع.
بين الحقيقة العلمية والتنفيذ الواقعي، لا يمكن الجزم بأن كل الجيلاتين في الأسواق ملوث، فهناك صناعات كبيرة تلتزم بمعايير صارمة. لكن في المقابل، هناك «منطقة رمادية» مقلقة، حيث تتقاطع الشهادات الميدانية مع مؤشرات علمية أولية دون أن تصل بعد إلى صورة مُكتملة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجهات الرقابية والمُنتجين والمُستهلكين على حد سواء: هل تصل جميع المُنتجات المُتداولة إلى الأسواق عبر سلاسل إنتاج موثقة وخاضعة للرقابة الكاملة، أم أن بعض المنتجات مجهولة المصدر لا تزال تجد طريقها إلى المستهلك بعيدًا عن منظومة التتبع والرقابة؟
تحقيق : أحمد عبد الحليم





