جريدة الديار
الثلاثاء 11 أغسطس 2026 03:15 مـ 27 صفر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
شهداء لقمة العيش.. مصرع 15 عاملا وإصابة 29 آخرين في حادث مأساوي بالإسماعيلية من 80 ألفًا إلى مليوني متر.. مدبولي يكشف قفزة مصر في تحلية المياه حين تتحول الخلافات الزوجية إلى محتوى على السوشيال ميديا.. قبل أن تتكلموا اسمعوا الحقيقة كاملة نسير في الطريق الصحيح.. رئيس الوزراء يزف أخبار سارة للمواطنين بشأن الاقتصاد مدبولي: انخفاض معدل البطالة لأقل من 6%.. ومشروعات «حياة كريمة» وفرت آلاف فرص العمل رئيس الوزراء: 450 مليار جنيه تكلفة مشروعات «حياة كريمة» على مستوى الجمهورية إشادة البروفيسور طارق شعراوي بالطاقم الطبي والتجهيزات بمستشفى رمد المنصورة مدبولي: المشروعات الخدمية بالغربية تستهدف تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين رئيس الوزراء: المرحلة الثانية من «حياة كريمة» تشمل المياه والصرف ومدارس ومستشفيات جامعة المنصورة: جاهزية المدن الجامعية لاستقبال الطلاب وتوفير بيئة إقامة آمنة ومتكاملة باب المندب يشتعل.. مصرع 3 بحارة في استهداف سفينة تجارية خلال قصف حوثي بسبب أحداث مباراة الأرجنتين.. فيفا يعاقب سعفان الصغير بالإيقاف مباراتين وغرامة مالية

عندما يذوب الجليد.. خطر زئبق أنتاركتيكا يهدد الكائنات البحرية والإنسان

من قلب القارة القطبية الجنوبية، حيث يبدو الجليد وكأنه يحرس أسرارًا عمرها عقود، بدأ خطر قديم في الظهور من جديد فمع تسارع الاحترار العالمي وذوبان الجليد، لا تتحرك المياه فقط نحو المحيطات، بل تتحرر معها كميات متراكمة من الزئبق السام، لتفتح بابًا جديدًا أمام تهديد قد يصل في النهاية إلى الكائنات البحرية والإنسان.

لطالما ارتبط ذوبان جليد أنتاركتيكا بارتفاع مستوى سطح البحر وتغير النظم البيئية، لكن دراسة علمية حديثة تكشف جانبًا آخر أكثر خفاءً وتعقيدًا.

فالقارة التي بدت بعيدة عن مصادر التلوث الصناعي المباشر، تحولت على مدار عقود إلى ما يشبه مخزنًا تاريخيًا للزئبق الذي حملته الرياح والتيارات الجوية من مناطق شهدت نشاطًا صناعيًا متزايدًا.

واليوم، ومع ارتفاع درجات الحرارة، يبدو أن هذا المخزن بدأ في فتح أبوابه.

160 % زيادة منذ بدايات التصنيع

للوصول إلى صورة أوضح عن حجم المشكلة، حلل فريق من الباحثين بقيادة عالم البيئة تشنغ تشن تشو من جامعة بكين عينات من رواسب بحرية جُمعت من مناطق مختلفة في شبه جزيرة أنتاركتيكا، وهي واحدة من أسرع مناطق القارة القطبية الجنوبية ذوبانًا.

وأظهرت النتائج أن معدل تراكم الزئبق في الجرف القاري بالمنطقة أصبح يعادل ضعف المتوسط العالمي تقريبًا.

والأكثر إثارة للقلق أن معدل تراكم هذا العنصر السام ارتفع بنحو 160% منذ منتصف القرن التاسع عشر، بالتزامن مع انطلاق مرحلة التصنيع واسع النطاق وما رافقها من تصاعد حرق الوقود الأحفوري والأنشطة الصناعية.

لكن كيف وصل الزئبق إلى واحدة من أكثر بقاع الأرض عزلة؟

التلوث لم يعرف حدودًا والزئبق وصل إلى القطب

لا يحتاج الزئبق إلى وجود مصنع بالقرب من القارة القطبية الجنوبية حتى يصل إليها.

فالعنصر السام يمكن أن ينتقل عبر الغلاف الجوي لمسافات شاسعة، حاملاً آثار النشاط الصناعي وحرق الوقود الأحفوري من مناطق بعيدة، قبل أن يستقر في المحيطات والجليد والأنظمة البيئية القطبية.

وبمرور الوقت، تراكمت هذه الكميات داخل الجليد وفي البيئات المحيطة به، لتبقى حبيسة هناك لعقود طويلة غير أن التغير المناخي بدأ في تغيير المعادلة فما كان يومًا مخزنًا للزئبق أصبح مهددًا بالتحول إلى مصدر له.

حين يتحول الجليد من مخزن إلى مصدر للتلوث

مع ارتفاع درجات الحرارة وتسارع ذوبان الأنهار والجروف الجليدية، يبدأ الزئبق الذي تراكم داخل الجليد والأنظمة الأرضية المحيطة به في التحرك مجددًا نحو المحيط.

ويصف العلماء هذه العملية ضمن ما يعرف بـ "حلقة الغلاف الجوي-الأنهار الجليدية-اليابسة-المحيط"، وهي دورة تسمح بإعادة إطلاق الزئبق القديم إلى البيئة بعد سنوات طويلة من احتجازه داخل القارة.

ووفق الدراسة المنشورة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences، أدى تداخل هذه الدورة مع دورة انتقال الزئبق بين الغلاف الجوي والمحيط إلى زيادة إطلاق الزئبق المرتبط بذوبان الجليد بنسبة تصل إلى 550%.

كما ارتفع معدل التبادل بين الهواء والبحر بنحو 350%.

وهذه الأرقام لا تعني ببساطة أن الجليد يذوب بوتيرة أسرع، بل تشير إلى احتمال أكثر تعقيدًا: أن الاحترار العالمي قد يدفع أنتاركتيكا نفسها إلى التحول تدريجيًا من منطقة تخزن الزئبق إلى مصدر جديد لتلوث البيئة البحرية.

من الجليد إلى الأسماك رحلة الخطر تبدأ

لكن المشكلة الحقيقية لا تتوقف عند وصول الزئبق إلى مياه المحيط الجنوبي.

فالخطر يكمن في قدرة هذا العنصر على دخول السلسلة الغذائية البحرية، خصوصًا عندما يتحول إلى "ميثيل الزئبق"، وهو مركب شديد السمية يمكن أن يتراكم في أجسام الكائنات الحية مع مرور الوقت.

وتشير أبحاث سابقة إلى أن بعض البكتيريا الموجودة في الجليد البحري بالقطب الجنوبي قادرة على تحويل الزئبق إلى هذا الشكل الأكثر خطورة.

ومن هناك تبدأ رحلة أخرى يمكن أن ينتقل الميثيل الزئبق من الكائنات الدقيقة إلى الكريل والأسماك، ثم إلى المفترسات البحرية الأكبر حجمًا، بحيث ترتفع تركيزاته تدريجيًا كلما صعد العنصر درجة أخرى في السلسلة الغذائية.

وهكذا، فإن ما يبدأ كعنصر محبوس داخل طبقات الجليد قد ينتهي به المطاف في أجسام كائنات بحرية تعتمد عليها منظومة بيئية كاملة.

تهديد إضافي لنظام بيئي هش

يحذر الباحثون من أن هذه الدورة الجديدة قد تفرض ضغوطًا إضافية على النظام البيئي الهش في المحيط الجنوبي، خصوصًا أن الزئبق يمثل مادة شديدة الخطورة على الكائنات الحية.

وتصنف منظمة الصحة العالمية الزئبق ضمن المواد الكيميائية التي تثير قلقًا كبيرًا على الصحة العامة.

وبينما يواصل العالم مراقبة آثار ذوبان جليد أنتاركتيكا من خلال ارتفاع مستوى البحار وتراجع الكتل الجليدية، تكشف هذه الدراسة أن القصة قد تكون أوسع بكثير مما يبدو على سطح الجليد.

فالتغير المناخي لا يذيب طبقات متجمدة فحسب، بل قد يحرر معها إرثًا من التلوث ظل مدفونًا لعقود وفي القارة التي بدت يومًا من أكثر مناطق العالم نقاءً وعزلة، قد يصبح ذوبان الجليد بداية رحلة جديدة لخطر قد لا يتوقف عند حدود أنتاركتيكا.