أستاذ دراسات دولية يوضح حقيقة استعداد أوروبا لمواجهة روسيا بحلول 2030
تشهد العلاقات بين روسيا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو» حالة من التوتر المتواصل، بالتزامن مع تحركات أوروبية لإعادة تقييم القدرات الدفاعية وزيادة الإنفاق العسكري، وسط مخاوف من اتساع نطاق التوترات الأمنية في القارة خلال السنوات المقبلة.
وقال الدكتور ميسرة بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، خلال حديثه على شاشة «إكسترا نيوز»، إن العلاقة بين موسكو وحلف الناتو لم تنتقل حتى الآن إلى مرحلة الصدام العسكري المباشر، موضحًا أن المواجهة الحالية تأخذ أشكالًا متعددة، من بينها التحركات السياسية والأمنية والهجمات السيبرانية وغيرها من أدوات ما يعرف بالمواجهة الهجينة.
وأوضح أن الحديث المتزايد داخل أوروبا عن تعزيز الجاهزية العسكرية حتى عام 2030 لا ينبغي تفسيره باعتباره تحديدًا لموعد محتمل لنشوب حرب مع روسيا، مشيرًا إلى أن هذا الإطار الزمني يرتبط بصورة أكبر بمحاولات الدول الأوروبية معالجة أوجه القصور التي ظهرت في منظومات الدفاع والإنتاج العسكري خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف بكور أن خطط زيادة الإنفاق الدفاعي تستهدف بالأساس رفع مستويات المخزون من الذخائر، وتطوير سلاسل الإمداد، وزيادة الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية، إلى جانب تحسين قدرة الجيوش الأوروبية على الانتقال من حالة الاستعداد إلى التعبئة في حال وقوع أزمة أمنية واسعة النطاق.
الردع النووي يفرض حسابات مختلفة
وأشار مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات إلى أن معادلة الردع بين روسيا وحلف الناتو لا تزال قائمة، موضحًا أن المادة الخامسة من معاهدة الحلف تمثل أحد أهم عناصر هذه المعادلة، باعتبارها تنص على اعتبار الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على أعضاء الحلف بشكل جماعي.
ولفت إلى أن وجود هذه المادة لا يعني بالضرورة أن أي حادث أمني سيؤدي تلقائيًا إلى حرب شاملة، وإنما يضيف عنصرًا مهمًا إلى حسابات المخاطر لدى مختلف الأطراف، خاصة مع استمرار التساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي يمكن اتخاذها في حال تعرض إحدى دول الحلف لهجوم.
وأوضح بكور أن روسيا تمتلك عنصر قوة استراتيجيًا بارزًا يتمثل في ترسانتها النووية الكبيرة، وهو ما يجعل أي حسابات تتعلق بمواجهة عسكرية مباشرة شديدة التعقيد، في ظل إدراك جميع الأطراف للتداعيات التي يمكن أن تترتب على الانتقال من الصراع غير المباشر إلى المواجهة المفتوحة.
تفوق عسكري واسع للناتو
وتحدث بكور عن الفوارق بين القدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا ودول حلف الناتو، مشيرًا إلى أن الحلف يتمتع بإمكانات أكبر من حيث حجم الإنفاق الدفاعي، وعدد الدول المشاركة، والقدرات الجوية والبحرية والعسكرية المتنوعة.
وأوضح أن هذا التفوق لا يعني بالضرورة سهولة خوض حرب مباشرة، إذ إن الحروب لا تعتمد فقط على حجم الإنفاق أو عدد القوات، وإنما ترتبط كذلك بمدى القدرة على اتخاذ قرار سياسي موحد، وتوفير الإمدادات، وإدارة العمليات العسكرية لفترة زمنية طويلة.
وأكد أن امتلاك روسيا لترسانة نووية ضخمة يغير طبيعة المقارنة، ويجعل الحديث عن التفوق التقليدي للحلف منفصلًا عن معادلة الردع الاستراتيجي التي تفرض نفسها على أي مواجهة محتملة.
لماذا تستعد أوروبا عسكريًا؟
ولفت مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات إلى أن التحركات الأوروبية لرفع الإنفاق الدفاعي تأتي في ظل تغيرات طرأت على البيئة الأمنية للقارة، إلى جانب تراجع أو انخراط الولايات المتحدة بدرجة أقل في بعض جوانب مسؤولية الأمن الأوروبي، وهو ما دفع دولًا أوروبية إلى التركيز على بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا.
وأوضح أن الأولوية الأوروبية لا تقتصر على شراء أسلحة جديدة، وإنما تمتد إلى إعادة بناء القدرات الصناعية العسكرية، وزيادة إنتاج الذخائر، وتأمين المواد اللازمة للصناعات الدفاعية، وضمان استمرار الإمدادات في حال اندلاع أزمة طويلة الأمد.
وأشار إلى أن دولًا أوروبية كبرى، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية وطرح مشروعات مشتركة في مجالات التسليح والإنتاج العسكري، في محاولة لتقليص بعض الفجوات التي ظهرت في القدرات الأوروبية.
خلافات داخل الناتو بشأن تقدير الخطر
وأكد بكور أن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه حلف الناتو لا يتعلق فقط بحجم القدرات العسكرية، وإنما بآلية اتخاذ القرار نفسها، موضحًا أن أي اعتداء واسع على إحدى الدول الأعضاء يمكن أن يتحول إلى قضية سياسية وعسكرية تتطلب تنسيقًا بين 32 دولة.
وأشار إلى وجود تباين في درجة الإحساس بالتهديد بين الدول الأعضاء، حيث تنظر دول شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، إلى روسيا باعتبارها مصدر خطر أمني مباشر، بينما تتعامل دول في غرب وجنوب القارة مع الملف من زاوية مختلفة، في ظل وجود ضغوط اقتصادية وتحديات تتعلق بالتضخم والإنفاق العام.
وأوضح أن هذا التباين يمكن أن يمثل عاملًا مؤثرًا في سرعة وطبيعة أي قرار يتخذه الحلف في مواجهة أزمة محتملة، خصوصًا إذا كانت الواقعة الأمنية تقع في منطقة يصعب الاتفاق على مدى خطورتها أو على طبيعة الرد المناسب عليها.
2030.. تعزيز الردع وليس موعدًا للحرب
وشدد مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات على أن الحديث عن وصول أوروبا إلى مستوى أعلى من الجاهزية الدفاعية بحلول عام 2030 لا يعني أن هناك موعدًا محددًا لحرب محتملة مع روسيا، وإنما يعكس هدفًا زمنيًا تسعى الدول الأوروبية خلاله إلى تطوير قدراتها العسكرية ومعالجة أوجه النقص الموجودة حاليًا.
وأضاف أن أوروبا لا تبدو راغبة في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، إلا أن استمرار التوترات يدفعها إلى تعزيز أدوات الردع حتى لا تجد نفسها في موقف يفتقر إلى القدرات اللازمة للتعامل مع أي أزمة مستقبلية.
وأكد أن بقاء الحدود الفاصلة بين المواجهة الهجينة والصدام العسكري المباشر واضحة نسبيًا يظل أمرًا مهمًا بالنسبة لجميع الأطراف، مشيرًا إلى أن الغموض حول طبيعة الرد على أي اختراق محتمل لأراضي دول الناتو سيظل أحد أبرز العوامل المؤثرة في حسابات روسيا والحلف خلال السنوات المقبلة.




