جريدة الديار
الخميس 1 أكتوبر 2026 07:49 مـ 19 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع
بعد قرار التخفيض.. كم يكلف ترخيص سيارة ملاكي 3 سنوات؟ الأرصاد الجوية: طقس خريفي مائل للحرارة نهارًا وشبورة وأمطار ورياح حتى الأربعاء هل يلتقي الأبناء بآبائهم المتوفين في الجنة؟ أمين الفتوى يجيب بدء التوقيت الشتوي رسميًا في هذا الموعد وكيل وزارة التربية والتعليم بالجيزة يواصل جولاته الميدانية بزيارة عدد من مدارس إدارة شمال مهلة من «المالية».. تعرف على الموعد الجديد لنهاية تقديم إقرارات الضرائب العقارية الأوقاف الفلسطينية: اقتحام المستوطنين للمسجد الإبراهيمي انتهاك لحرمته ومحاولة لفرض واقع جديد رئيس الوزراء يتابع مستجدات إعداد برنامج التحول الاقتصادي الوطني الخداع الاستراتيجي.. السلاح الذي استخدمه السادات قبل ساعة الصفر الأزهر للفتوى: هجر الوالدين في الكِبَر وتركهما دون رعاية حتى يصابا بأذى «عقوق وكبيرة من كبائر المحرمات» خالد الجندي يحذر من هدم الرموز: حملات تشويه ممنهجة تهدد وعي المجتمع الأعلى للإعلام: لائحة جديدة لتنظيم الظهور الإعلامي للأطباء

الخداع الاستراتيجي.. السلاح الذي استخدمه السادات قبل ساعة الصفر

كانت حرب السادس من أكتوبر عام 1973 تجسيدا عمليا للقول المأثور "الحرب خدعة"، فقد نفذت القيادة المصرية واحدة من أبرز عمليات الخداع الاستراتيجي في التاريخ العسكري، حيث نجحت القيادة السياسية ممثلة في الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بالتنسيق مع القوات المسلحة والمخابرات العامة وأجهزة الدولة، في إدارة عملية خداع محكمة استهدفت الداخل والخارج، ولا سيما خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب.

واتخذت مصر مجموعة من الإجراءات التي استهدفت تضليل القيادة الإسرائيلية وإخفاء نواياها الحقيقية، وكان أبرزها ترسيخ انطباع بأن الرئيس السادات والجيش المصري لا يفكران في خوض الحرب، وأن الأوضاع ستظل على حالها في إطار اللاحرب واللاسلم.

وسجلت خطة الخداع الاستراتيجي واحدة من أكبر مفاجآت الحرب، بعدما شاركت في إعدادها وتنفيذها أجهزة الدولة المختلفة، وفي مقدمتها المخابرات المصرية، إلى جانب القيادة السياسية والعناصر العاملة في الداخل والخارج، بهدف التغطية على الاستعدادات العسكرية وإيهام العدو بأن مصر لم تكن مستعدة بعد لخوض حرب شاملة.

ويُقصد بالخداع في الحروب مجموعة من الإجراءات والأنشطة المنسقة والمخطط لها بعناية، بهدف إخفاء الحقائق التي يمكن أن تؤثر في مجريات الحرب، ومنع وصولها إلى الدول المعادية أو المتعاونة معها، وتوجيه تقديراتها وتحركاتها نحو اتجاهات زائفة تقود إلى قرارات تخدم الخطط الموضوعة، كما يهدف الخداع في الصراع المسلح إلى تمويه العدو بشأن خطط إعداد الدولة وإجراءاتها، وإخفاء طبيعة الصراع واتجاهاته وتوقيتاته الحقيقية.

واشتملت خطة الرئيس الراحل محمد أنور السادات للخداع الاستراتيجي على إظهار ضعف مصر اقتصاديًا وعدم قدرتها على شن هجوم، والتأكيد على حرصها على أن يكون حل الأزمة سياسيا وسلميا، إلى جانب الإيحاء بقبول حالة "اللاسلم واللاحرب”، والإعلان أكثر من مرة عن عدم الحسم العسكري، بالتوازي مع تنفيذ خطة خداع استراتيجي وتعبوي وإعلامي واسعة.

السادات يشرف على خطة الخداع الاستراتيجي

قبل اندلاع حرب أكتوبر المجيدة، أشرف الرئيس أنور السادات شخصيا على خطة التنسيق بين عدد من أجهزة ومؤسسات الدولة لتنفيذ عملية الخداع، حيث جرى نشر أخبار سلبية عن الوضع الاقتصادي، وتصدير انطباع بأن مصر غير قادرة على خوض حرب، وأنه لا خيار أمامها سوى القبول بحالة السلم.

وعلى الصعيد السياسي، جرى إعداد خطة حرب شاملة بالتنسيق مع الجانب السوري، مع وضع احتمالات متعددة للتعامل مع أي تطورات قد تطرأ مع بداية العمليات العسكرية.

تسريح 30 ألف مقاتل ورفع درجة الاستعداد في القواعد الجوية

في يوليو 1972، صدر قرار بتسريح نحو 30 ألفا من المجندين الذين التحقوا بالخدمة منذ عام 1967، وكان كثير منهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية ويعملون في مواقع خلفية.

وفي الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر، أعلن عن رفع حالة التأهب في المطارات والقواعد الجوية، بما دفع إسرائيل إلى رفع درجة استعدادها تحسبا لأي هجوم، قبل أن تعلن القوات المصرية أن الأمر لم يكن سوى تدريب روتيني.

واستمرت القوات المصرية في تنفيذ التدريبات والمناورات من وقت إلى آخر، حتى جاءت حرب أكتوبر، فاعتقدت إسرائيل في بدايتها أن التحركات المصرية لا تتجاوز كونها تدريبا جديدا، ولم تكن مستعدة بالشكل الكافي للمفاجأة.

التعبئة والاستدعاء.. تكرار أربك حسابات العدو

كان من بين عناصر خطة الخداع الاستراتيجي تعمد تكرار إجراءات التعبئة العامة والاستدعاء ثم تسريح القوات، وهو ما جعل القيادة الإسرائيلية تتردد في إعلان حالة الاستعداد القصوى أمام كل تعبئة مصرية، قبل أن تنفذ مصر تعبئة واسعة للقوات قبيل اندلاع الحرب.

التدرب على عبور قناة السويس تحت أعين العدو

خلال عام 1972، واصلت القوات المصرية التدريب على عبور قناة السويس تحت سمع وبصر القوات الإسرائيلية، حيث أعدت القوات المسلحة شواطئ ومواقع للتدريب على إنزال القوات، مع علم القيادة العسكرية المصرية بأن التحركات تخضع للمراقبة اليومية من جانب العدو.

كما نفذ الجيش المصري، مرة واحدة على الأقل خلال عام 1973، تدريبا يحاكي عملية العبور، ونقلت الصحف المصرية تفاصيل العملية التي كان بإمكان القوات الإسرائيلية متابعتها من مواقعها على الضفة الشرقية.

ولأن التدريبات على العبور تكررت بصورة مستمرة، فقد تحولت في نظر العدو إلى مشهد مألوف، ولم تعد تثير القلق ذاته، الأمر الذي أسهم في تعزيز عنصر المفاجأة عندما بدأ العبور الحقيقي في السادس من أكتوبر.

الساتر الترابي.. إخفاء التحركات عن أعين العدو

أنشأت القوات المصرية على الضفة الغربية لقناة السويس ساترا ترابيا في مواجهة مناطق تمركز القوات الإسرائيلية، بهدف إخفاء التحركات العسكرية، كما أقامت عددا من السواتر في العمق بزوايا ميل مختلفة للغرض ذاته.

وأسهمت هذه الإجراءات في إقناع العدو بأن الجيش المصري يتبنى استراتيجية دفاعية لحماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية باتجاه شاطئ القناة، تمهيدا لاتخاذ أوضاع الهجوم مع بدء العمليات.

تحريك القوات في اتجاهات متعددة لتشتيت الانتباه

شملت خطة الخداع الاستراتيجي تحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية، وتنفيذ تحركات عرضية داخل الجبهة وأخرى عكسية من وإلى الجبهة تحت ستار التدريب، مع التغيير المستمر في حجم وأوضاع القوات البرية، وكذلك أماكن تمركز القطع البحرية في الموانئ والمراسي داخل الجمهورية وخارجها.

تشتيت العدو وإخفاء اتجاه الضربة الرئيسية

تضمنت خطة الهجوم عملية خداع موسعة هدفت إلى منع العدو من اكتشاف اتجاه الضربة الرئيسية مبكرا، فجرى تنفيذ عمليات وهجمات على امتداد الجبهة وفي أعماق سيناء وعبر بحيرة التمساح، بما أسهم في إرباك الحسابات الإسرائيلية.

وفي الوقت ذاته، استمرت الأعمال اليومية المعتادة على طول الجبهة، مع تجنب أي إجراءات استثنائية يمكن أن تكشف عن حدوث تغيير في نمط الحياة العسكرية المعتاد.

القادة السوريون في مصر.. اجتماع بعيدا عن أعين العدو

في 21 أغسطس، عقد اجتماع بين القادة المصريين والسوريين، ولإخفاء وصول الوفد السوري إلى مصر، وصل أعضاؤه بملابس مدنية على متن إحدى السفن القادمة إلى الإسكندرية، وخلال الاجتماع، جرى بحث الاستعدادات وتحديد الإطار الزمني المقترح لبدء الهجوم خلال الفترة من 5 إلى 11 أكتوبر.

خداع الأقمار الصناعية والاستطلاع الجوي

كانت من أبرز عناصر خطة الخداع الاستراتيجي التعامل مع وسائل الاستطلاع الجوي التي كانت تستخدمها إسرائيل لمراقبة التحركات العسكرية المصرية، بما في ذلك وسائل التصوير والاستطلاع التي تستطيع رصد تحركات المعدات والقوات.

ولم تكن طوابير العربات والدبابات وقطع المدفعية بمنأى عن وسائل الرصد، الأمر الذي دفع المخططين المصريين إلى البحث عن وسائل لإخفاء التحركات الحقيقية أو تضليل عمليات الرصد والاستطلاع.

وكانت دراسة طبيعة الصور التي تجمعها وسائل الاستطلاع وتحليلها من بين العناصر التي ساعدت على تطوير وسائل الخداع والتمويه، بما يقلل من قدرة العدو على تكوين صورة دقيقة عن حجم الاستعدادات المصرية واتجاهاتها.

إعداد المستشفيات لاستقبال الجرحى

كان من الضروري إخلاء عدد من المستشفيات وتجهيزها لاستقبال الجرحى والمصابين مع بداية المعركة، وهو إجراء قد يثير انتباه أجهزة استخبارات العدو إذا تم بصورة مباشرة وواسعة، ولذلك جرى إدراجه ضمن خطة الخداع.

وفي إطار الخطة، أعيد أحد الضباط الأطباء الذين كانوا مستدعين للخدمة العسكرية إلى الحياة المدنية، ثم عاد إلى عمله في وزارة الصحة، وأرسل للعمل في مستشفى الدمرداش التابع لجامعة عين شمس، التي وقع عليها الاختيار نظرا إلى كبر حجمها.

وبحسب الخطة، اكتشف الطبيب بعد وصوله إلى المستشفى وجود تلوث بميكروب التيتانوس في بعض العنابر، وأعقب ذلك تبادل للمكاتبات والإجراءات اللازمة، قبل أن تصدر وزارة الصحة قرارا بإخلاء المستشفى من المرضى وتطهيره.

كما كلف الطبيب بالمرور على مستشفيات أخرى للتأكد من حالتها، وتناولت الصحف أخبار المستشفيات التي تحتاج إلى التطهير، ونشرت صورا لعمال التطهير أثناء تنفيذ أعمالهم.

ومع بداية أكتوبر، كان العدد المطلوب من المستشفيات قد أخلي وجهز لاستقبال الجرحى والمصابين، ضمن الاستعدادات اللازمة للحرب.

اختيار ساعة الصفر.. مفاجأة في التوقيت

لم تتوقف خطة الخداع عند حدود التحركات العسكرية والسياسية، وإنما امتدت إلى اختيار توقيت الحرب وساعة الصفر، حيث تحدد بدء الهجوم في الساعة الثانية ظهرا، يوم السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، وجاء اختيار هذا التوقيت لعدة اعتبارات، من بينها أن العدو لم يكن يتوقع أن تبدأ مصر الحرب خلال شهر رمضان وفي هذا التوقيت من العام.

كما تزامن التوقيت مع انشغال إسرائيل بعيد الغفران اليهودي واستعدادها لانتخابات تشريعية، فضلا عن اختيار الظهيرة، حين تكون الشمس في وضع يصعب الرؤية على القوات المواجهة، خلافا لما كان متوقعا من بدء العمليات العسكرية مع أول ضوء أو آخره.

وهكذا تضافرت عناصر الخداع السياسي والعسكري والإعلامي والتعبوي، لتصنع عنصر المفاجأة الذي كان أحد أبرز مفاتيح نجاح الضربة المصرية في السادس من أكتوبر 1973.