نميرة نجم تنتقد هيمنة المرجعيات الأوروبية على تقرير الأمم المتحدة بشأن تعيين القضاة
انتقدت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي وحقوق الإنسان والهجرة، ومديرة المرصد الأفريقي للهجرة بمنظمة الإتحاد الافريقي هيمنة المرجعيات الأوروبية على التحليل الوارد في تقرير البروفيسورة الأمريكية مارجريت ساترثويت، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين وأستاذة القانون في جامعة نيويورك، بشأن «مبادئ تعيين القضاة»، داعية إلى تطوير منهجيته لتصبح أكثر شمولا وعالمية، وإلى إدماج التجارب القانونية والقضائية الأفريقية بما يعكس خصوصياتها الإقليمية واللغوية والإثنية والعرفية، بدلا من التعامل معها باعتبارها مجرد مصادر مكملة للمعايير الأوروبية.
وجاء ذلك خلال حوار دولي نظمته الجمعية الأمريكية للقانون الدولي (ABILA) عبر الإنترنت، بمشاركة المقررة ساترثويت، التي عرضت تقريرها الأممي المعنون «مبادئ تعيين القضاة»، والمقدم إلى الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في يونيو 2026، فيما شاركت نجم في الحوار بصفة مناقش لتقديم رؤيتها وملاحظاتها بشأن المبادئ الواردة في التقرير.
وأشارت نجم إلى أن التقرير يستفيد من مصادر أفريقية وأمريكية لاتينية، من بينها الميثاق الأفريقي، وبعض أحكام المحكمة الأفريقية، ومبادئ المحاكمة العادلة، ومبادئ ليلونغوي، وهو أمر اعتبرته جديرا بالتقدير، غير أنها لفتت إلى أن منظومة ستراسبورغ ولوكسمبورغ ولجنة البندقية الأوروبية تحظى بالنصيب الأكبر من التحليل والاستشهاد، بما يجعل المرجعيات الأوروبية تحمل الوزن التحليلي الأكبر في التقرير.
وأعربت عن أملها في أن تكون النسخة الأكاديمية الموعودة من التقرير أكثر شمولا، وأن تتجاوز المقاربة التي تتمحور حول أوروبا، بما يسمح بتطوير إطار تحليلي يعكس تعدد التجارب القانونية والقضائية في مختلف مناطق العالم.
وتوقفت نجم عند معالجة التقرير لمسألة التنوع في تشكيل الهيئات القضائية، موضحة أنها لا تعترض على أهمية تمثيل الأقليات والفئات الاجتماعية، ولا على ما يمكن أن يحققه وجود هيئة قضائية أكثر شمولا من تعزيز ثقة الجمهور في القضاء. لكنها رأت أن التركيز على مجموعات بعينها، ولا سيما الأشخاص من أصول أفريقية، قد يعطي انطباعا بأن التقرير موجه إلى سياق قضائي محدد أكثر من غيره، في حين أن هذا التصنيف لا يحمل المعنى نفسه في السياق الأفريقي، حيث إن جميع السكان من أصول أفريقية.
وأكدت أن أبعاد التنوع في أفريقيا لا تقتصر على الانتماء الإثني، وإنما ترتبط كذلك بالتوازن بين الأقاليم والتعدد اللغوي والتقاليد القانونية المحلية والنظم العرفية في عدد من المجتمعات، وهي أبعاد لم تحظ بالمعالجة الكافية في التقرير.
وشددت على أن إدماج هذه الخصوصيات لا يعني استبدال الجدارة بالتمثيل، وإنما مراعاة الأبعاد الإقليمية والاجتماعية والقانونية المختلفة في إطار مؤسسي يحافظ على الكفاءة والنزاهة ويعزز شرعية القضاء وثقة المجتمعات فيه.
كما لفتت نجم إلى أن التقرير أغفل أنظمة العدالة العرفية التي لا تزال تعمل في أجزاء من أفريقيا، وكذلك في أجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية، معتبرة أن هذه النظم تستحق معالجة في الدراسات اللاحقة، بما يشمل علاقتها بالقضاء الرسمي والضمانات المرتبطة بحقوق الإنسان.
وأثارت نجم، خلال مناقشتها للتقرير، تساؤلات بشأن مخاطر تسييس مشاركة الجمهور والمجتمع المدني في اختيار القضاة. وأوضحت أن مشاركة الجمهور والمجتمع المدني قد تكون إحدى ضمانات الشفافية، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه المجال أمام الضغوط والتسييس والتأثير على عملية الاختيار.
وتساءلت عن الضمانات التي تحول دون تحول مشاركة أعضاء المجتمع المدني، حتى مع استقلالهم، إلى مدخل خلفي للتسييس، مُشيرة إلى أن استقلال هؤلاء الأعضاء في حد ذاته لا يجيب عن السؤال المتعلق بالضمانات التي تمنع استخدام مشاركتهم للتأثير السياسي في عملية التعيين.
كما طرحت تساؤلات بشأن مشاركة ممثلي السلطة التنفيذية، مثل وزير العدل، في مجالس التعيين بصفتهم أعضاء لا يملكون حق التصويت، متسائلة عما إذا كان مجرد حضورهم يمكن أن يؤثر في العملية، وما الضمانات التي تحول دون هذا التأثير.
ونبهت إلى مخاطر استحواذ القوى السياسية أو الاقتصادية على مجالس القضاء، مؤكدة أن المطلوب ليس مجرد استقلال شكلي أو نصوص قانونية تعلن الاستقلال، وإنما ضمان استقلال فعلي للمشاركين في عملية التعيين ولمجالس القضاء ذاتها.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن السلطة التشريعية قد تسن قوانين ترضي السلطة التنفيذية، بينما قد تضع السلطة التنفيذية قواعد تخدم مصالحها أو مصالح أفراد من دائرتها والمقربين منها، دون مراعاة آثار هذه القواعد على عموم السكان. ورأت أن القضاء يفترض أن يقف في مواجهة ذلك باعتباره مؤسسة للعدالة والإنصاف، لكن أداء هذه الوظيفة يتطلب أن يكون مستقلا.
وتوقفت نجم كذلك عند الضمانات التي يقترحها التقرير لتعزيز الشفافية، ومنها توثيق مراحل عملية الاختيار بالكامل، ونشر النتائج، وحظر تغيير قواعد التعيين أثناء سير العملية، معتبرة أن هذه الضمانات يمكن أن تسهم في الحد من التسييس والتحيز والمحاباة والتلاعب في الإجراءات والنتائج.
غير أنها أثارت في المقابل سؤالا بشأن كيفية تحقيق التوازن بين نشر المعلومات وإشراك الجمهور من جهة، وحماية استقلال عملية الاختيار وخصوصية المرشحين من جهة أخرى، ولا سيما أن علنية الإجراءات قد تتعارض في بعض مراحلها مع حق المرشحين في حماية معلوماتهم وخصوصيتهم.
وفيما يتعلق بالتعيينات المؤقتة، شددت نجم على ضرورة أن تكون مؤقتة بالفعل ومحددة المدة، مشيرة إلى أن التعيين المؤقت قد يكون أكثر سهولة في الوظائف القصيرة والمحددة زمنيا، لكن إذا لم يكن محدودا بمدة واضحة، فإنه يمكن أن يتحول إلى أداة لإطالة شغل المنصب، بحيث يتحول الاستثناء إلى نظام دائم، وهو ما قد يضعف الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء.
وانتقدت كذلك عدم تناول التقرير بصورة كافية مسألة المقابل المالي لأعضاء لجان التعيين، متسائلة عن الجهة التي تتحمل تمويل عمل هذه اللجان، وعن مصدر الميزانية اللازمة لتغطية تكاليفها وتعويض أعضائها.
وأكدت أن استقلال القضاء ومجالس القضاء والتعيين لا ينفصل عن توفير ضمانات مادية مناسبة، بما في ذلك تعويض أعضاء الهيئات المعنية بصورة ملائمة، وتوفير رواتب كافية للقضاة تتيح لهم الحفاظ على مستوى معيشي معقول، معتبرة أن صعوبة ضمان النزاهة والاستقلال والحياد تصبح أكبر عندما لا تتوافر للقضاة الوسائل التي تمكنهم من تأمين مستوى معيشي مناسب.
وعلى صعيد آخر، تناولت نجم مسألة الجدارة، مشيرة إلى أنها من العناصر المهمة التي يتناولها التقرير، حيث ترتبط بالنزاهة والتدريب والقدرة، وليس بالأقدمية وحدها.
وشددت على أن المعايير الغامضة لا يمكن أن تنتج نظاما قائما على الجدارة، وأن نشر معايير التعيين والترقية يتيح التحقق من مدى استحقاق المرشحين، ولا سيما بالنسبة إلى المناصب القضائية العليا.
وأوضحت أن المرشحين من ذوي المناصب العليا داخل النظام القضائي غالبا ما تكون لديهم سجلات مهنية وتقييمات أداء يمكن الاستناد إليها باعتبارها أدلة قابلة للتحقق على الجدارة، لكن عدم إعلان المعايير التي تستند إليها عملية الاختيار يضعف مصداقيتها.
كما أثارت نجم تساؤلات بشأن كيفية إنفاذ المبادئ التي يتضمنها التقرير، وكيف يمكن ضمان ألا يؤدي تمثيل الفئات المختلفة إلى تقويض الجدارة، وكيف يمكن منع تسييس مجالس التعيين أو مشاركة المجتمع المدني.
وطرحت كذلك إمكانية تطبيق هذه المبادئ على المناصب القضائية الدولية، لكنها تساءلت عن كيفية تجاوز الإشكالية المتعلقة بالحقوق السيادية للدول في اختيار مرشحيها وتقديمهم لشغل المناصب القضائية الدولية.
وفي نقدها للمنهجية التي يستند إليها التقرير، أوضحت نجم أن التقرير لا يفرض عملية اختيار واحدة أو نموذجا موحدا يصلح لجميع الدول، وهو ما اعتبرته نقطة إيجابية، إذ يستند إلى القانون الدولي والقواعد الإقليمية والممارسات الوطنية، بما يراعي اختلاف النظم القانونية.
كما أشارت إلى أن التقرير يتناول معايير وضوابط لعملية التعيين، إلى جانب ترتيبات التعيين المؤقت، ويركز على ضرورة أن يكون استقلال المشاركين في عملية الاختيار استقلالا فعليا وليس شكليا، فضلا عن أهمية الشفافية والتوازن داخل مجالس القضاء والتعيين، والتحذير من مخاطر استحواذ القوى السياسية والاقتصادية عليها.
وأشادت نجم كذلك بالضمانات الإجرائية التي يتناولها التقرير، ومن بينها الإعلان المسبق عن الوظائف القضائية الشاغرة، وإجراء مقابلات منظمة، واستخدام تقييمات عملية، مثل محاكاة كتابة الأحكام القضائية، وتسبيب قرارات التعيين كتابة، ووضع جداول زمنية تسمح بإجراء مراجعة مستقلة للقرارات.
وأكدت أن مراجعة قرارات التعيين تمثل وسيلة لتعزيز مصداقية العملية ومساءلة أعضاء مجالس التعيين، وأن وجود ضمانات إجرائية واضحة، إلى جانب توثيق الإجراءات ونشر النتائج وعدم تغيير قواعد التعيين أثناء سير العملية، يمكن أن يسهم في الحد من التحيز والمحاباة والتلاعب.
وأشادت أيضا بتناول التقرير لمسألة التعيينات المؤقتة، والتأكيد على ضرورة بقائها محددة المدة، وكذلك بتأكيده على الجدارة باعتبارها قائمة على النزاهة والتدريب والقدرة.
وأكدت نجم أن الرسالة الأساسية للتقرير تتمثل في أن استقلال القضاء يبدأ قبل أن يرتدي القاضي رداءه، وأن نقطة البداية هي عملية التعيين نفسها، مشددة على أن استقلال القضاء «مؤسسي وليس فرديا»، وأن القاضي المستقل داخل نظام غير مستقل لا يملك الأدوات التي تمكنه من اكتساب ثقة الجمهور.
وأوضحت أن تعيين القضاة لا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراء إداريا روتينيا، وإنما باعتباره خطوة أساسية لضمان استقلال القضاء وحياده وقدرته على تحقيق العدالة والإنصاف، خصوصا في ظل ما وصفته بتراجع احترام سيادة القانون على المستويين الوطني والدولي.
واختتمت نجم بالتأكيد على أن الرسالة الحقيقية التي ينبغي استخلاصها هي أن ثقة الجمهور في القضاء تتطلب نظاما موثوقا وشفافا يضمن تكافؤ الفرص ويحمي التعيينات القضائية من التأثير السياسي، مشيرة إلى أن الطريق ما زال طويلا أمام التطبيق الفعلي لهذه المبادئ على المستوى العالمي، لكنها اعتبرت التقرير مادة مهمة للتفكير والنقاش وخطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعزيز سيادة القانون وطنيا ودوليا.
وأدارت الحوار الدكتورة جيسيكا لين كورسي، المحاضرة الأولى في القانون في The City Law School في لندن، والمؤسسة المشاركة والرئيسة المشاركة لمجموعة العمل المعنية بالمساواة بين الجنسين في محكمة العدل الدولية، والبروفيسورة ميلينا ستيريو، أستاذة القانون في كلية القانون بجامعة كليفلاند ستيت في الولايات المتحدة، والرئيسة المشاركة للجنة العدالة بين الجنسين في القانون الدولي التابعة للجمعية الأمريكية للقانون الدولي (ABILA).
والفرع الأمريكي لجمعية القانون الدولي (ABILA) هو الفرع الأمريكي لـInternational Law Association (ILA)، وهي جمعية دولية تأسست عام 1873 ويقع مقرها الرئيسي في لندن، وتضم فروعًا وطنية في 67 دولة. وتهدف الجمعية إلى دراسة القانون الدولي وتوضيحه وتطويره وتعزيز التفاهم والاحترام الدوليين للقانون الدولي.
ويجمع الفرع الأمريكي للجمعية أكاديميين وممارسين للقانون وطلابا ومسؤولين حكوميين ودبلوماسيين وأعضاء في المنظمات الدولية وغير الحكومية، وينظم مؤتمرات وندوات وبرامج متخصصة في القانون الدولي.




