مها بسطاوي تكتب: سلاح القرن الحادي والعشرين ليس الرصاص بل الغذاء
عندما يتخيل الناس الحروب، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو أصوات المدافع والدبابات والصواريخ التي تشق السماء. لكن العالم يتغير، وتتغير معه أدوات الصراع. ففي القرن الحادي والعشرين لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل أصبحت تقاس بالقدرة على السيطرة على ما يضعه البشر على موائدهم يوميًا.
وبينما ما زالت البنادق تحصد الأرواح في بعض بقاع العالم، ظهر سلاح آخر أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، وهو سلاح لا يطلق الرصاص لكنه قادر على إسقاط الحكومات وإشعال الاضطرابات وتغيير موازين القوى الدولية. إنه الغذاء.
على امتداد التاريخ كانت الجيوش تحاصر المدن لتمنع عنها الطعام قبل أن تهاجمها بالسلاح، وكانت المجاعات كثيرًا تحقق ما عجزت عنه المعارك، لكن الفارق أن الغذاء اليوم لم يعد مجرد نتيجة للحروب، بل أصبح جزءًا من أدواتها. فالدول التي تسيطر على إنتاج الحبوب والطاقة الزراعية وسلاسل الإمداد العالمية تملك نفوذًا قد يفوق نفوذ الدول المسلحة، وما كان يُنظر إليه لعقود باعتباره قضية اقتصادية أو زراعية تحول الآن إلى قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
العالم الذي يقترب عدد سكانه من تسعة مليارات نسمة يستهلك كميات هائلة من القمح والذرة والأرز والزيوت والسكر واللحوم. ومع تعقد شبكة التجارة الدولية أصبحت عشرات الدول تعتمد على الخارج لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية. هذه الحقيقة التي بدت لفترة طويلة جزءًا طبيعيًا من العولمة تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق استراتيجي متزايد. فحين تتعرض سلاسل الإمداد للاهتزاز أو تتوقف الصادرات أو ترتفع الأسعار بشكل حاد، تجد الدول نفسها أمام تهديد لا يقل خطورة عن أي تهديد عسكري.
لقد كشفت الأزمات الدولية المتتالية أن الأمن الغذائي ليس ملفًا اقتصاديًا هامشيًا، بل أحد أهم عناصر الاستقرار السياسي. فارتفاع أسعار الخبز في أي دولة لا يظل محصورًا داخل الأسواق، بل ينتقل سريعًا إلى الشارع ثم إلى الحياة السياسية. المواطن قد يتحمل كثيرًا من المشكلات، لكنه نادرًا ما يتسامح مع تهديد لقمة العيش. ولهذا كانت أسعار الغذاء عبر التاريخ مقدمة لكثير من الاضطرابات والثورات والاحتجاجات الشعبية.
وتدرك القوى الكبرى هذه الحقيقة جيدًا. ولذلك لم تعد المنافسة الدولية تدور فقط حول حقول النفط والغاز أو الممرات البحرية، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية الخصبة ومصادر المياه ومناطق إنتاج الحبوب.
ففي إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تتسابق دول وشركات كبرى للاستثمار في الأراضي الزراعية وتأمين إمدادات طويلة الأجل من الغذاء. قد يبدو المشهد اقتصاديًا في ظاهره، لكنه في جوهره صراع على النفوذ في عالم يدرك أن الطعام قد يكون أكثر أهمية من الذخيرة.
ولعل أخطر ما في هذا السلاح أنه لا يميز بين الدول الفقيرة والغنية، فالدولة التي تمتلك أحدث الأسلحة قد تجد نفسها عاجزة إذا فقدت القدرة على تأمين احتياجات سكانها الغذائية، وفي عالم مترابط اقتصاديًا يمكن لأزمة في منطقة إنتاج واحدة أن تنعكس على أسعار الغذاء في عشرات الدول الأخرى خلال أسابيع قليلة، وهنا تظهر هشاشة النظام العالمي الذي اعتمد طويلًا على فكرة أن الأسواق وحدها قادرة على حل كل المشكلات.
كما أن الغذاء أصبح ورقة ضغط سياسية تستخدم بطرق متعددة. ففرض القيود على التصدير أو التحكم في الكميات المطروحة أو التأثير على حركة الشحن والتجارة كلها أدوات قادرة على ممارسة ضغوط حقيقية على الدول المستوردة، وفي أحيان كثيرة لا تحتاج دولة ما إلى إطلاق رصاصة واحدة لإضعاف خصمها، بل يكفي أن تهدد مصادر إمداده أو ترفع تكلفة حصوله على السلع الأساسية.
ولا يمكن الحديث عن الغذاء دون الحديث عن المياه. فالمعركة الحقيقية في المستقبل قد تبدأ من حقول الزراعة لكنها تنتهي عند مصادر المياه، فكل حبة قمح وكل ثمرة فاكهة وكل كيلوغرام من الغذاء يحتاج إلى كميات من المياه لإنتاجه.
ومع تزايد آثار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة واتساع مناطق الجفاف أصبحت المياه والغذاء وجهين لعملة واحدة، وأصبح الصراع على أحدهما مرتبطًا بالآخر بصورة لا يمكن فصلها.
ويمكن القول أن التغيرات المناخية أضافت بعدًا جديدًا لهذا الملف. فموجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والظواهر الجوية المتطرفة لم تعد مجرد تحديات بيئية، بل أصبحت عوامل مؤثرة في الأمن السياسي والاقتصادي للدول، موسم زراعي سيئ في دولة منتجة قد يعني ارتفاعًا في الأسعار عالميًا، ونقصًا في الإمدادات، وزيادة الضغوط على الحكومات في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن مكان الأزمة.
لذلك لم يعد غريبًا أن يتحدث الخبراء اليوم عن مفهوم "القوة الغذائية" كما يتحدثون عن القوة العسكرية أو الاقتصادية، فالدولة التي تستطيع إطعام شعبها وتصدير فائضها إلى الآخرين تمتلك ورقة نفوذ مهمة في النظام الدولي، أما الدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد فتظل أكثر عرضة للتقلبات والصدمات الخارجية مهما امتلكت من مقومات أخرى.
إن القرن الحادي والعشرين يعيد تعريف معنى القوة، فما قيمة الصواريخ إذا كانت الأسواق فارغة؟ وما قيمة الجيوش إذا كان المواطن عاجزًا عن شراء احتياجاته الأساسية؟ وما قيمة النفوذ السياسي إذا كانت الدولة لا تملك القدرة على حماية أمنها الغذائي؟ هذه الأسئلة لم تعد افتراضية، بل أصبحت جزءًا من الحسابات اليومية لصناع القرار في مختلف أنحاء العالم.
ولهذا كله يمكن القول إن الرصاص لم يفقد أهميته، لكن الغذاء صعد إلى مستوى جديد من التأثير. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل تُحسم أحيانًا في الحقول الزراعية والموانئ ومخازن الحبوب وسلاسل الإمداد العالمية، ومن يملك القدرة على التحكم في الغذاء يمتلك اليوم أحد أخطر أسلحة العصر، سلاحًا لا يسمع له دوي، لكنه قادر على تغيير مصير دول وشعوب بأكملها.





