جريدة الديار
الخميس 29 أكتوبر 2026 04:04 مـ 18 جمادى أول 1448 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

مها بسطاوي تكتب: الخطر الصامت.. عالم بلا أطفال

لم يكن الطفل يومًا مجرد فرد جديد ينضم إلى أسرة. ففي كل الحضارات كان الطفل وعدًا بالمستقبل، ورمزًا للاستمرار، وضمانًا بأن الحياة سوف تسير إلى الأمام مهما تراكمت الأزمات وتعاقبت الحروب. لكن العالم الذي قضى عقودًا طويلة وهو يخشى الزيادة السكانية، بدأ يكتشف أنه ربما كان ينظر إلى الخطر الخطأ.

فبينما انشغل الجميع بالحديث عن الانفجار السكاني، كانت أزمة أخرى تتشكل بهدوء في البيوت والشوارع وقاعات الجامعات ومكاتب العمل، أزمة لا يسمع لها ضجيج، ولا تظهر في نشرات الأخبار العاجلة، لكنها قد تكون واحدة من أخطر التحولات التي يشهدها القرن الحادي والعشرون: عالم لم يعد يريد إنجاب الأطفال.

في دول كثيرة حول العالم لم تعد المشكلة في عدد المواليد الكبير، بل في نقص المواليد، الحكومات التي كانت تبحث قبل عقود عن وسائل لتقليل الإنجاب أصبحت تنفق المليارات لتشجيعه، والإعلانات التي كانت تدعو إلى الأسرة الصغيرة تحولت إلى حملات تدعو الشباب إلى الزواج والإنجاب.

وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر شأنًا شخصيًا يتعلق بحرية الأفراد واختياراتهم الخاصة، فالإنجاب قرار عائلي في نهاية المطاف، لكن الحقيقة أن تراجع أعداد الأطفال ليس مجرد قضية أسرية، بل قضية تمس الاقتصاد والسياسة وسوق العمل ومستوى المعيشة ومستقبل الدول نفسها، لأن الأطفال الذين لا يولدون اليوم لن يكونوا عمال الغد، ولا أطباءه، ولا معلميه، ولا مهندسيه، ولا دافعي الضرائب الذين تعتمد عليهم الدول في تمويل خدماتها العامة.

المشكلة أن التغيير جاء تدريجيًا حتى أصبح طبيعيًا، فقد اعتاد الناس رؤية الأسر الكبيرة في الماضي، ثم أصبحت الأسرة المكونة من ثلاثة أطفال أمرًا أقل شيوعًا، ثم طفلين، ثم طفل واحد، ثم بدأت تظهر أعداد متزايدة من الأزواج الذين لا يفكرون أصلًا في الإنجاب، ومع مرور الوقت لم يعد الأمر استثناء، بل تحول في بعض المجتمعات إلى نمط حياة جديد.

السبب الأول الذي يقدمه كثير من الشباب يبدو بسيطًا وهو أن الحياة أصبحت أكثر تكلفة من أي وقت مضى، أسعار السكن ترتفع، والتعليم يزداد تكلفة، والرعاية الصحية تستنزف دخل الأسر، ومتطلبات الحياة الحديثة تزداد عامًا بعد عام، وأمام هذه الضغوط لا يرى كثيرون في الطفل مصدر سعادة فقط، بل مسؤولية مالية ضخمة تمتد لعقود، وهنا يتحول السؤال من "كم طفلًا تريد؟" إلى "هل تستطيع تحمل تكلفة طفل واحد أصلًا؟".

لكن المال وحده لا يفسر كل شيء، فهناك تغير أعمق حدث داخل المجتمعات الحديثة، لقد تبدلت فكرة النجاح نفسها، في أزمنة سابقة كان تكوين الأسرة جزءًا أساسيًا من صورة الإنسان الناجح، أما اليوم فقد أصبحت الأولوية عند كثيرين هي بناء المسار المهني، وتحقيق الاستقلال الشخصي، والسفر، واكتشاف الذات، وتأمين المستقبل المالي، ومع ازدحام الأهداف وتأخر سن الزواج، يتراجع الإنجاب تلقائيًا أو يخرج من قائمة الأولويات بالكامل.

وإذا كان الاقتصاد قد غير طريقة عيش الناس، فإن الثقافة الحديثة غيرت طريقة تفكيرهم، فالأجيال الجديدة نشأت في عالم يقدس الحرية الفردية أكثر من أي وقت مضى، أصبح من الطبيعي أن يسأل الإنسان: ماذا أريد أنا؟ لا ماذا يتوقعه المجتمع مني؟ ومن هنا بدأت قرارات كانت تعتبر غريبة في الماضي تتحول إلى خيارات عادية ومقبولة اجتماعيًا.

لكن المشكلة أن المجتمعات لا تعيش بالأفراد فقط، بل بالتوازن بين الأجيال، فكل مجتمع يحتاج إلى أطفال يدخلون المدارس، ثم شباب يدخلون سوق العمل، ثم بالغين يديرون الاقتصاد، ثم مسنين يحصلون على الرعاية والدعم، وعندما يختل هذا التوازن تبدأ المشكلات الكبرى في الظهور.

تخيل مدينة كاملة يتناقص فيها عدد الأطفال عامًا بعد عام، المدارس تصبح أقل ازدحامًا، بعض الفصول الدراسية تغلق أبوابها، ثم تبدأ الجامعات في مواجهة نقص الطلاب، وبعد سنوات تعاني الشركات من نقص الموظفين، وبعد سنوات أخرى يصبح عدد المتقاعدين أكبر من عدد العاملين، في هذه اللحظة لا تعود المشكلة اجتماعية فقط، بل تتحول إلى أزمة اقتصادية كاملة.

إن الاقتصاد في جوهره يعتمد على البشر، فالمصانع لا تدير نفسها، والمستشفيات لا تعمل وحدها، والموانئ والشركات والمزارع والبنوك تحتاج دائمًا إلى أجيال جديدة تحمل المسؤولية، وحين يتقلص عدد هذه الأجيال تبدأ عجلة الإنتاج في فقدان جزء من زخمها.

الأخطر من ذلك أن الشيخوخة الجماعية تفرض أعباء متزايدة على الدول، فالمسنون يحتاجون إلى معاشات وتغطية صحية ورعاية مستمرة، وكلما زاد عددهم مقارنة بعدد العاملين أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا، من سيمول هذه التكاليف؟ ومن سيدفع الضرائب اللازمة لاستمرار الخدمات؟ ومن سيعوض النقص في القوى العاملة؟

لهذا السبب بدأت بعض الحكومات تتعامل مع انخفاض المواليد باعتباره قضية أمن قومي لا مجرد قضية اجتماعية، فالدول قد تنجو من أزمات كثيرة، لكنها لا تستطيع بناء مستقبلها دون بشر، الموارد يمكن استيرادها، التكنولوجيا يمكن شراؤها، أما البشر فلا يمكن تصنيعهم في المصانع.

وهنا تظهر مفارقة أخرى تثير التأمل، فالتقدم الذي حلمت به البشرية لعقود طويلة هو نفسه الذي ساهم بشكل غير مباشر في هذه الأزمة، التعليم الأفضل، والرعاية الصحية الأفضل، وازدياد فرص العمل، وارتفاع متوسط العمر، كلها إنجازات عظيمة، لكنها في الوقت ذاته غيرت نمط الحياة وأعادت تشكيل القرارات الشخصية المتعلقة بالزواج والإنجاب.

وليس معنى ذلك أن العودة إلى الماضي هي الحل، لا أحد يريد التخلي عن التقدم أو إلغاء المكاسب التي حققتها المجتمعات الحديثة، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن بناء مستقبل يحقق التوازن بين الطموح الفردي واستمرار المجتمع؟

ربما يكون الخطأ الأكبر في طريقة تعاملنا مع الأطفال أنهم أصبحوا يُنظر إليهم بوصفهم تكلفة فقط، تكلفة مالية، تكلفة زمنية، تكلفة مهنية، تكلفة نفسية، ومع الوقت تراجعت النظرة الأخرى التي تعتبر الطفل استثمارًا إنسانيًا طويل المدى، ليس للأسرة وحدها بل للمجتمع بأكمله.

فكل طبيب ينقذ حياة مريض كان يومًا طفلًا، وكل معلم يخرج أجيالًا من الطلاب كان يومًا طفلًا، وكل عالم أو مخترع أو قائد أو فنان بدأ حياته طفلًا حمله شخصان على أكتافهما وآمنا بمستقبله، وعندما تتراجع أعداد الأطفال لا ينخفض عدد البشر فقط، بل ينخفض عدد الإمكانات والأفكار والطاقات التي كان يمكن أن تغير العالم.

ومن هنا تبدو الأزمة أعمق مما يظن كثيرون، القضية ليست في عدد المواليد هذا العام أو العام المقبل، القضية تتعلق بشكل العالم بعد ثلاثين أو أربعين سنة، ما نوع المجتمعات التي ستظهر؟ وكيف ستبدو المدن؟ ومن سيدير المؤسسات؟ ومن سيرعى كبار السن؟ ومن سيحمل الراية بعد رحيل الجيل الحالي؟

ربما يكون أكثر ما يثير القلق في هذه الظاهرة أنها لا تملك صورة درامية واضحة، لا دبابات في الشوارع، لا انفجارات، لا أزمات مفاجئة، كل شيء يحدث ببطء شديد، طفل أقل هذا العام، وآخر أقل في العام التالي، ثم جيل كامل أصغر حجمًا من الجيل الذي سبقه، وهكذا يتقدم الخطر في صمت حتى يصبح واقعًا لا يمكن تجاهله.

لقد اعتادت البشرية أن تخاف مما يأتي فجأة، لكنها كثيرًا ما تجاهلت ما ينمو ببطء، والتاريخ يعلمنا أن أخطر التحولات ليست دائمًا تلك التي تحدث بين ليلة وضحاها، بل تلك التي تتراكم عامًا بعد عام حتى تكتشف المجتمعات أنها أصبحت تعيش في عالم مختلف تمامًا.

العالم اليوم لا يواجه نقصًا في التكنولوجيا، ولا نقصًا في الثروات، ولا نقصًا في المعرفة، لكنه يواجه سؤالًا أكثر بساطة وأكثر خطورة في الوقت نفسه: ماذا يحدث عندما يصبح الأطفال أقل فأقل؟

قد لا يكون هناك جواب واحد على هذا السؤال، لكن المؤكد أن المهد الفارغ لا يرمز فقط إلى طفل لم يولد، بل إلى مستقبل كامل لم يأتِ بعد، وفي زمن ينشغل فيه الجميع بالحديث عن الاقتصاد والسياسة والحروب والتكنولوجيا، ربما حان الوقت للالتفات إلى الحقيقة الأكثر هدوءًا والأشد تأثيرًا: مستقبل العالم يبدأ دائمًا من طفل وعندما يقل الأطفال، يبدأ المستقبل نفسه في الانكماش.