الجمعة 1 مارس 2024 04:06 مـ 20 شعبان 1445 هـ
بوابة الديار الإليكترونية | جريدة الديار
رئيس مجلس الإدارة أحمد عامررئيس التحريرسيد الضبع

رئيس جمهورية الفن بمصر.. عادل إمام إرهابي السينما

(عادل إمام رئيس جمهوريةِ الكوميديا/ إمبراطورُ الفنِ والتراجيديا/ تربَّعَ على خشبةِ المسرحِ بزيادةْ/ وفي السينما نجم الشُّبّاكِ بإجادةْ/ فنانُ عصر الانفتاحِ والسياسةْ/ حارَبَ الإرهابَ بالفنِ والكياسةْ) (شعر/ صلاح حسن رشيد).

تفوَّق في "الهلفوت" وبرع في"الأفوكاتو" وزاد، وشخَّص ببراعةٍ في "الإرهابي" وأعاد، وراوغ في "الحرِّيف" واستزاد، وكان رُبّان "مدرسة المشاغبين"الماهر فنيًّا، وملِك الكوميديا الأخير، والممثل الأوحد الماتع في "شاهد ما شفش حاجة" وشاد، ورافع راية الإضحاك بالتَّقمُّص عبقريةً، والارتجال المستفيض المُستجاد.


عنيدٌ في فنه، مُقاتِلٌ من أجل إثبات نفسه، صابرٌ في معركة الوجود والنبوغ حتى آخر لحظةٍ، ولديه إصرارٌ وحزمٌ على قول الكلمة الفصل في رواية الفن الخالد الباقي.

لم ييأس في مقتبل حياته عندما تأخَّرت فرصته في النجومية، واستمر فترةً طويلةً كومبارسًا، لكنه صبر واصطبر حتى قنص اللحظة المواتية، والتي وجد فيها نفسه ونجوميته الطاغية، وعبَّرت فيها موهبته الضخمة عن حجمها واستطالتها، وبروزها الأخّاذ المنتشر في جنبات الأرض.
وسطٌ، لا هو بالطويل، ولا بالقصير، بينَ بينَ، نحيفٌ في تكوينه، لكنه متينٌ في بنيانه وتلوينه، تبدو في تقاطيع وجهه العديدة ألوانُ قوس قزح الفضية القرمزية، وتظهر في تلافيفه الضحكة الكاملة الممتلئة الدافئة، وترتسم في أنحائه لمسات الرضا والتسليم والإجادة النادرة.
في كل تفاصيله، مِن شَعره حتى ملابسه وحركاته وسكناته.

مصريٌّ، وابنٌ للحارة المصرية الأصيلة؛ فهو الفهلوي، والشهم، والساذج، والعبيط، والماكر، والأُلعُبان، ورجل الأعمال، والانتهازي، والطيب، والشرير، وفي كل أدواره التي باتت ماركةً مسجَّلةً باسمه في عالم التفوق والمهارة الواسعة.


منذ بداياته، وهو يشق لنفسه طريقًا آخر .. جمع فيه مهارات أساتذته الكبار: نجيب الريحاني الضاحكة المضحكة المتغلغلة في العفوية العفية، وفؤاد المهندس المثقف المعجون في النبوغ باقتدار، وفريد شوقي الملِك المتوَّج في الأكشن والحركة والتراجيديا.


أربعة عقود من النجاح والاستمرار على عرش الكوميديا، وعلى تجديد الجلد حسب ظروف العصر المتاحة، وإمكاناته العجيبة، وكفاءته الباهرة؛ فهو الرومانسي، وهو الشاب المنطلق نحو سياسة الانفتاح في أفلامه في السبعينيات، وهو المقاتل الباسل بفنه ضد أفكار التطرف والتشدد، من خلال سينما "طيور الظلام"، و"الإرهاب والكباب" في الثمانينيات والتسعينيات.
امتلك قماشةً عريضةً تستجيب لكافة الأدوار، ولديه قراءةٌ عميقةٌ في دراسة النص والإبحار فيه بمهارةٍ وجدارةٍ استيعابًا وأداءً. حملتْ مسيرته الفنية مراحل المصري في تغيُّراته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ فكان البوصلة التي يتجه إليها الدارسون والمشاهدون للمتعة والاندهاش.

في العقد الأخير، ابتعد عن الفن السابع؛ بسبب إصراره على مؤلفٍ واحدٍ، ومخرجٍ واحدٍ وعدم البحث عن كتابةٍ جديدةٍ، أو رؤيةٍ أخرى لمخرجٍ مغاير؛ فلجأ إلى الدراما والفضائيات، ثم انسحب من الساحة في النهاية معلنًا الاكتفاء بما قدَّم وأنجز وأعجز.

لم يركن إلى الوسامةِ، أو العيون الخضراء، أو الطلة الساحرةِ كغيره، وإنما اعتمد على فنه وطريقته في التشخيص والابتكار؛ فكان أستاذًا نبيلًا، وممثلًا فذًّا، وحامل لواء الفكاهة حتى في لحظات الجدب والقحط والجفاف.


افترق عن إسماعيل ياسين في احتراف التجديد المدروس، وعن محمد صبحي في الاستمرارية والجماهيرية، وعن سمير غانم في الجمع بين المعنى والمبنى والضحكة المتواصلة، وعن محمود عبد العزيز في المسيرة الطويلة المُطعَّمة بالتحليقات الصعبة الناجحة، وعن نور الشريف في الأداء العالي كالنهر الجاري، وعن يحيى الفخراني في الرصيد الكبير من العطاء المتنوِّع الشامل، وعن أحمد زكي في التشخيص والمزج بين الفكاهة الحية، والتراجيديا الموحية.

مجدِّدٌ في فنه، مدهشٌ في مسرحه، عجيبٌ في أفلامه، قديرٌ في مسلسلاته، رائعٌ في بقائه أميرًا للكوميديا حتى وهو يتعدى الثمانين عامًا.

ذو كفاءةٍ وخبرةٍ، وهو يرى الأيام تسحب من تحت رجلَيه السجادة الحمراء، وهو يُقاوم في كبرياءٍ وأنفةٍ واعتداد، مرتكِنًا إلى ماضٍ عريقٍ، ونجومية تنحني لها الجبالُ الرواسي احترامًا واعترافًا.
عادل إمام(1940-000)، نخلةُ الفن الشاهقة، وشجرة الياسَمين الباسقة، وبستان الفواكه الماتعة، وعصارة الأجيال الباقية، والرجل الذي عاش للمسرح والسينما والدراما؛ فاعتاشت على مشروعه الفني الكبير الجماهيرُ العربية أخذًا وامتياحًا وتقديرًا وثناءً.


وُلد في مثل هذا اليوم .. السابع عشر من مايو .. فكيف نوفيه حقَّه ونحتفي به، وهو الذي أدخل السرور والمتعة إلى كل البيوت العربية، ولم ينتظر ثناءً من أحد؟
عادل إمام فنانٌ يصعب تصنيفه وتقييمه، ويحتاج إلى دراسات مستفيضة، وبحوثٍ جادةٍ، تفتِّش عن جوانب ريادته، وروعة إسهاماته، واستحقاقه المكانة اللائقة في القلوب والعقول والجوارح؛ فمتى نرى ذلك؟