مدحت الشيخ يكتب: نريد عامًا مختلفًا
بالصدفة، أو ربما بحكمة التوقيت، أتى العام الجديد متزامنًا مع انتهاء الانتخابات البرلمانية وتشكيل برلمان جديد، من المفترض – نظريًا – أنه يمثل الشعب المصري، يشعر بمعاناته، وينقل مشكلاته، ويعبر عن آماله قبل أن يردد خطاباته. عام جديد يُفتح بباب السياسة، وكأن الرسالة واضحة: لا جديد بلا تغيير حقيقي، ولا أمل بلا مسؤولية.
نريد عامًا مختلفًا، لا في التقويم فقط، بل في المعنى والمضمون. عامًا يشعر فيه المواطن أن صوته لم يذهب هباءً، وأن البرلمان ليس مجرد مقاعد فخمة وقاعات مكيفة، بل ساحة حقيقية للدفاع عن الناس، ومكانًا تُناقش فيه هموم الشارع لا مصالح الأفراد.
البرلمان الجديد أمام اختبار مبكر، فالمواطن المصري لم يعد ينتظر وعودًا فضفاضة، ولا خطبًا إنشائية. الناس تريد حلولًا، حتى لو كانت مؤلمة، لكنها صادقة.
تريد نائبًا يسمع قبل أن يتكلم، ويفهم قبل أن يطالب، ويحاسب قبل أن يُجامل. نريد نائبًا يشعر أن الكرسي أمانة، لا غنيمة.
العام الجديد يأتي، والناس مثقلة بالأعباء: غلاء معيشة، وضغوط اقتصادية، وتحديات يومية لا تنتهي. المواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب العدل، والشفافية، وأن يشعر أن هناك من يقف إلى جواره تحت القبة، لا من يكتفي بالتصفيق ورفع الأيدي.
نريد عامًا مختلفًا في الأداء التشريعي، قوانين تُصاغ بروح المجتمع لا من فوقه، قوانين تحمي البسطاء، وتفتح الأبواب أمام الشباب، وتدعم الإنتاج الحقيقي، لا تكتفي بترقيع الأزمات. نريد رقابة حقيقية، لا استجوابات موسمية، ولا معارك صوتية تنتهي بانتهاء البث المباشر.
والحقيقة أن المسؤولية لا تقع على البرلمان وحده، بل على الجميع. حكومة تُصارح ولا تُراوغ، إعلام يشرح ولا يُضلل، ومجتمع يدرك أن التغيير لا يأتي في ليلة، لكنه يبدأ بخطوة. لكن البرلمان يظل حجر الزاوية، لأنه صوت الناس المفترض، ولسان حالهم داخل مؤسسات الدولة.
نريد عامًا مختلفًا في العلاقة بين المواطن والسياسة. عام يعود فيه الاهتمام بالشأن العام، لا باعتباره رفاهية، بل ضرورة. عام يشعر فيه الناس أن السياسة ليست حكرًا على فئة، ولا مسرحًا مغلقًا، بل مساحة مفتوحة للنقاش والمساءلة.
قد يقول قائل: الكلام سهل، والتطبيق صعب. وهذا صحيح. لكن الأصعب أن نستمر في الدوران داخل الدائرة نفسها، بنفس الوجوه، ونفس الأخطاء، ونفس النتائج، ثم نتساءل: لماذا لا يتغير شيء؟
العام الجديد فرصة، وربما لا تتكرر كثيرًا. فرصة لأن يثبت البرلمان أنه جاء ليعمل، لا ليُجامل. فرصة لأن يشعر المواطن أن هناك من يمثله بحق، لا بالاسم. فرصة لأن نخطو خطوة حقيقية نحو دولة تستمع قبل أن تقرر.
نريد عامًا مختلفًا.. عامًا يكون فيه البرلمان قريبًا من الناس،
والناس أكثر وعيًا بحقوقهم،
والسياسة أداة للبناء لا عبئًا جديدًا على الكاهل.
فهل يكون هذا العام مختلفًا فعلًا؟
الأيام وحدها ستجيب، لكن البداية يجب أن تكون الآن.





